اقتصادات عربية

    توقعات اجتماع البنك المركزي المصري.. بين خفض الفائدة وخيار التثبيت

    •آخر تحديث •7 دقائق
    توقعات اجتماع البنك المركزي المصري.. بين خفض الفائدة وخيار التثبيت

    يشهد الشارع الاقتصادي المصري حالة من الترقب المكثف قبيل اجتماع لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي المصري، حيث تتباين توقعات المحللين بين ضرورة خفض الفائدة لدعم النمو، وحتمية التثبيت لضمان استقرار الأسعار. يأتي هذا الاجتماع في توقيت بالغ الحساسية، تتقاطع فيه زيارة بعثة صندوق النقد الدولي مع تحولات جذرية في السياسات النقدية العالمية، مما يضع صانع القرار أمام معادلة دقيقة لموازنة مؤشرات الاقتصاد المحلي مع الضغوط الخارجية.

    تحديات الموازنة بين الضغوط المحلية والتحولات العالمية

    قال الدكتور حسين العسيلي الخبير الاقتصادي، إن الاقتصاد المصري يمر حاليًا بلحظة مفصلية شديدة الحساسية، تتقاطع فيها التحديات الداخلية مع تحولات عميقة يشهدها النظام النقدي العالمي، موضحًا أن تزامن زيارة بعثة صندوق النقد الدولي إلى القاهرة مع اقتراب اجتماع لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي المصري بنهاية ديسمبر لا يمكن اعتباره مجرد إجراء دوري، بل يمثل اختبارًا حقيقيًا لقدرة السياسات الاقتصادية على تحقيق توازن دقيق بين استقرار الأسعار، ودعم النمو، والحفاظ على استقرار سوق الصرف.

    أوضح العسيلي أن حدة التحديات تتزايد في ظل دخول الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي دورة خفض أسعار الفائدة، وهو ما يثير تساؤلات جوهرية حول قدرة البنك المركزي المصري على المناورة بين الضغوط التضخمية المحلية، ومتطلبات الحفاظ على جاذبية العائد وجذب التدفقات الرأسمالية، دون التفريط في مكتسبات الاستقرار النسبي التي تحققت خلال الأشهر الماضية، وأضاف أن المفاضلة بين خيار تثبيت أسعار الفائدة أو خفضها لن تنعكس آثارها على السياسة النقدية فقط، بل ستمتد إلى سعر الصرف، وحركة الأموال الساخنة، وثقة المستثمرين في الاقتصاد المصري ككل.

    موقف صندوق النقد الدولي من مسار السياسة النقدية المصرية

    وأشار الخبير الاقتصادي إلى أن زيارة بعثة صندوق النقد الدولي تأتي في إطار استكمال المراجعتين الخامسة والسادسة لبرنامج التسهيل الممدد، الذي يعتبر أحد الأعمدة الرئيسية لبرنامج الإصلاح الاقتصادي المصري في المرحلة الراهنة. ولفت إلى أن مناقشات البعثة مع السلطات المصرية ركزت على تقييم الالتزام بمحاور الإصلاح الأساسية، وعلى رأسها مرونة سعر الصرف، وضبط السياسة النقدية، وتعزيز دور القطاع الخاص، وتحسين كفاءة إدارة المالية العامة.

    وأكد أن الرسالة الأبرز التي حملتها البعثة تمثلت في الإشادة بالتقدم الذي أحرزته الحكومة على صعيد استقرار سوق الصرف وتحسن إدارة السيولة الأجنبية، مع التشديد في الوقت ذاته على ضرورة الاستمرار في اتباع سياسة نقدية حذرة تكبح الضغوط التضخمية، وعدم التسرع في تخفيف القيود النقدية، وأضاف أن الزيارة عكست تفاؤلًا حذرًا بإمكانية استكمال صرف الشرائح المتبقية من البرنامج، بشرط الحفاظ على الانضباط النقدي وتجنب القرارات التي قد تعيد إنتاج الاختلالات السابقة.

    دوافع ترجيح كفة تثبيت الفائدة: الاستقرار النقدي أولاً

    أوضح العسيلي أن اجتماع لجنة السياسات النقدية بالبنك المركزي المصري يأتي في توقيت بالغ الدقة، خاصة بعد خفض الفيدرالي الأمريكي سعر الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، وهو ما خفف نسبيًا من حدة التشدد النقدي عالميًا، غير أنه شدد على أن الاختلاف الجوهري بين هيكل الاقتصاد الأمريكي ونظيره المصري يجعل من الصعب إسقاط هذا القرار بشكل مباشر على الحالة المصرية، موضحًا أن التضخم في الولايات المتحدة يقترب من مستهدفاته، في حين لا تزال معدلات التضخم في مصر مرتفعة نسبيًا، فضلًا عن حساسية الجنيه المصري لتقلبات تدفقات الأموال قصيرة الأجل.

    وقال العسيلي إنه يرجح أن يتجه البنك المركزي المصري إلى تثبيت أسعار الفائدة في اجتماع ديسمبر، حفاظًا على الاستقرار النقدي ودعم جاذبية العائد الحقيقي على الأصول المقومة بالجنيه، بما يساهم في جذب استثمارات أكثر استقرارًا مقارنة بالعملات الأجنبية، وأضاف أن هذا القرار، من وجهة نظره، سيكون له تأثير إيجابي أيضًا على نظرة مؤسسات التصنيف الائتماني، إذ يعزز الثقة في التزام الدولة بالاستقرار النقدي ويحد من احتمالات خفض التصنيف.

    وأشار إلى أن خيار خفض أسعار الفائدة، وإن كان مطروحًا نظريًا لدى البعض، يظل مرهونًا بتحقيق تراجع واضح ومستدام في معدلات التضخم، وهو ما لم يتحقق بعد بالدرجة التي تسمح باتخاذ قرار منخفض المخاطر، وأضاف أن سعر الصرف يظل أحد أكثر المتغيرات حساسية لقرارات السياسة النقدية في الاقتصادات الناشئة، موضحًا أنه في حال تثبيت الفائدة، يتوقع أن يحافظ الجنيه المصري على قدر من الاستقرار النسبي، مدعومًا باستمرار جاذبية العائد وتراجع دوافع المضاربة قصيرة الأجل.

    قد يهمّك أيضًا: مؤشر مديري المشتريات في مصر يتجاوز 50 نقطة لأول مرة منذ 2020

    التأثير المحتمل على الجنيه والأموال الساخنة

    حذر العسيلي من أن خفض الفائدة قد يفتح الباب أمام ضغوط على سعر الصرف، سواء نتيجة تراجع جاذبية العائد أو تصاعد الطلب التحوطي على العملات الأجنبية، ما قد يؤدي إلى تقلبات غير مرغوبة في سوق الصرف في التوقيت الحالي، حتى لو كان الخفض محدودًا.

    وأضاف أن الأموال الساخنة تلعب دورًا مزدوجًا في الاقتصاد المصري، إذ تمثل مصدرًا سريعًا لتدفقات النقد الأجنبي، لكنها في الوقت ذاته شديدة الحساسية لأي تغير في أسعار الفائدة أو حتى التوقعات المرتبطة بها، مؤكدًا أن تثبيت الفائدة من شأنه دعم بقاء هذه التدفقات داخل السوق أو على الأقل الحد من خروجها المفاجئ، بما يعزز استقرار سوق الصرف، بينما قد يفسر خفض الفائدة على أنه بداية دورة تيسير نقدي تدفع بعض المستثمرين الأجانب إلى إعادة توجيه استثماراتهم نحو أسواق أخرى ذات عائد أعلى.

    واختتم الدكتور حسين العسيلي تصريحاته بالتأكيد على أن البنك المركزي المصري يقف أمام معادلة شديدة التعقيد تتطلب قدرًا عاليًا من الحذر والاتزان، مشيرًا إلى أن التثبيت في هذا التوقيت لا يعني الجمود، بل يمثل قرارًا استراتيجيًا لشراء الوقت وترسيخ الاستقرار، في حين أن أي خفض غير محسوب قد تكون كلفته أعلى من مكاسبه قصيرة الأجل. وأضاف أن الرهان الحقيقي، بين التزامات صندوق النقد وتحديات الداخل، يظل على قدرة صانعي السياسة النقدية على اتخاذ القرار الذي يحمي الاستقرار اليوم ويمهّد لمسار أكثر أمانًا في المستقبل القريب.

    اقرأ أيضًا تقرير البنك الدولي: مصر على أعتاب أزمة توظيف تاريخية

    عوامل تدفع البنك المركزي المصري لتثبيت الفائدة

    من جانبه، قال الدكتور محمد عبد الهادي، الخبير الاقتصادي، إنه على الرغم من ترجيحات غالبية المحللين باتجاه خفض سعر الفائدة في الاجتماع المقبل والأخير للجنة السياسة النقدية، ولو بمقدار 0.5٪ ، فإنه يميل شخصيًا إلى تثبيت أسعار الفائدة في المرحلة الحالية، استنادًا إلى مجموعة من الاعتبارات الاقتصادية والمالية الدقيقة.

    معدل التضخم

    أوضح عبد الهادي أن السبب الأول وراء هذا التوجه يتمثل في أن معدل التضخم عند 12.3% لا يعكس انخفاضًا جوهريًا أو حاسمًا مقارنة بالشهر السابق، معتبرًا أن هذا التراجع لا يزال محدود الأثر، وقد يدفع البنك المركزي إلى مراقبة اتجاهات التضخم الحالية لفترة أطول قبل اتخاذ أي خطوة تيسيرية، تفاديًا لعودة الضغوط التضخمية مرة أخرى.

    المشهد النقدي العالمي

    قال الخبير الاقتصادي إن العامل الثاني يرتبط بالمشهد النقدي العالمي، حيث أشار أحد أعضاء الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي مؤخرًا إلى أنه لا توجد في الوقت الراهن دوافع تستدعي تغييرًا فوريًا في السياسة النقدية الأمريكية، وهو ما يعكس استمرار الحذر العالمي تجاه خفض الفائدة، ويجعل من غير الملائم أن تسبق الأسواق الناشئة، ومنها مصر، هذا الاتجاه بشكل متعجل.

    قرار البنك المركزي الياباني برفع أسعار الفائدة

    أشار عبد الهادي إلى عامل دولي آخر لا يقل أهمية، يتمثل في قرار البنك المركزي الياباني برفع أسعار الفائدة إلى 0.75% بعد زيادة قدرها 0.25%، في خطوة غير معتادة تعكس تحولًا في السياسة النقدية اليابانية، خاصة مع توجه طوكيو إلى تشجيع الاستثمار بعد سنوات طويلة من أسعار الفائدة الصفرية أو السالبة، واعتبر أن هذا التطور قد يدفع إلى خروج جزء من رؤوس الأموال العالمية من بعض الأسواق الناشئة والتوجه إلى اليابان، ما يستدعي قدرًا أكبر من الحذر في القرارات النقدية محليًا.

    الشهادات الادخارية ذات العائد المرتفع

    أوضح الخبير الاقتصادي أن السبب الرابع والأكثر حساسية يتمثل في الشهادات الادخارية ذات العائد المرتفع، وعلى رأسها شهادة 27%، إلى جانب الشهادات الأخرى بعوائد 23.5%، مشيرًا إلى أن بيانات غير رسمية قدرت حجم هذه الشهادات بنحو 888 مليار جنيه لفئة، ونحو 600 مليار جنيه لفئة أخرى، وهو ما يعني وجود كتلة سيولة ضخمة داخل الجهاز المصرفي.

    وأكد أن أي خفض مبكر للفائدة قد يؤدي إلى خروج جزء كبير من هذه الأموال من البنوك، بما يضغط على السيولة ويخلق تحديات إضافية تتعلق بالتضخم والاستقرار النقدي.

    تحسن مؤشرات الاقتصاد المصري

    رغم ما ذُكر آنفًا من العوامل الداعمة لتثبيت الفائدة في مصر، أقر الدكتور محمد عبد الهادي بأن مؤشرات الاقتصاد المصري شهدت تحسنًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، وهو ما أشار إليه رئيس مجلس الوزراء، سواء على صعيد استقرار سعر الصرف، وتراجع معدلات التضخم، وتحسن معدل النمو في الناتج المحلي الإجمالي (GDP)، وارتفاع الاحتياطي النقدي الأجنبي، وهي عوامل قد تبرر من الناحية النظرية خفضًا محدودًا للفائدة بنسبة قد تصل إلى 0.5%.

    لكنّه شدد في ختام تصريحاته على أنه، ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يميل إلى تثبيت أسعار الفائدة في الاجتماع المقبل، معتبرًا أن هذا القرار سيكون أكثر اتساقًا مع متطلبات الحفاظ على الاستقرار النقدي، وحماية المدخرات، وتفادي أي ضغوط تضخمية أو مالية محتملة، مؤكدًا أن هذا التقدير يعبر عن رأيه الشخصي المبني على قراءة شاملة للمتغيرات المحلية والدولية.

    قد يهمّك أيضًا: الاقتصاد المصري 2026 بين فرص حقيقية وضغوط مستمرة