تقارير اقتصادية

    قمة مجموعة بريكس.. دعوات للسلام وإصلاح النظام المالي العالمي

    •آخر تحديث •5 دقائق
    قمة مجموعة بريكس.. دعوات للسلام وإصلاح النظام المالي العالمي

    شهدت مدينة قازان الروسية انعقاد قمة مجموعة بريكس، فقد اجتمع قادة الدول الناشئة لمناقشة أبرز التحديات الاقتصادية والسياسية على الساحة الدولية، حيث تمثل مجموعة بريكس الآن 45٪ من سكان العالم و35٪ من الاقتصاد العالمي، ما يجعلها لاعباً رئيساً على الساحة الدولية.

    وقد تميزت القمة هذا العام بتوجهات حاسمة نحو تعزيز التعاون بين دول المجموعة، إلى جانب التركيز على القضايا الساخنة مثل النزاع في أوكرانيا وتصاعد الأزمات في الشرق الأوسط. كما تم طرح مبادرات تهدف إلى إصلاح النظام المالي الدولي، والتخفيف من هيمنة العقوبات الغربية، مما يعكس التزام دول بريكس ببناء نظام عالمي متعدد الأقطاب، ثُمّ اختتمت القمة بدعوات لتعزيز التعاون بين الدول الناشئة وبناء نظام اقتصادي عالمي أكثر توازنًا وعدلاً.

    إضافةً إلى ذلك، دعا زعماء المجموعة إلى وقف فوري لإطلاق النار في غزة، وأدلوا بتصريحات تُركز على إنشاء نظام دفع بديل للنظام الغربي. علمًا أنّ هذه القمة شهدت مشاركة أكثر من 20 زعيماً، من بينهم الرئيس الصيني شي جين بينغ، ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، والرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان.

    تسوية النزاعات

    أكد زعماء المجموعة أن على جميع الدول الالتزام الكامل بمبادئ وأهداف ميثاق الأمم المتحدة، وعبّروا عن تقديرهم للجهود الدبلوماسية والمبادرات التي تسعى لإيجاد تسوية سلمية للنزاع عبر الحوار. كما أعربت المجموعة عن قلقها البالغ بشأن تدهور الأوضاع الإنسانية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خاصة في ظل التصعيد الأخير للأعمال العسكرية في غزة والضفة الغربية، وأدانوا الحملة العسكرية الإسرائيلية التي أسفرت عن مقتل وإصابة عدد كبير من المدنيين، بالإضافة إلى النزوح القسري والدمار الواسع للبنية التحتية المدنية.

    فضلًا عن ذلك، أبدى الزعماء قلقهم العميق حيال الأوضاع الجارية في جنوب لبنان، فقد نددوا بمقتل المدنيين والأضرار الكبيرة التي لحقت بالبنية التحتية الأساسية جراء الهجمات الإسرائيلية على المناطق السكنية في لبنان، ودعوا إلى وقف فوري للأعمال العسكرية. بالإضافة إلى تعبيرهم القلق الشديد بشأن التأثيرات السلبية للعقوبات الأحادية غير القانونية على الاقتصاد العالمي، بما فيها تلك التي تعرقل التجارة الدولية وتحقيق أهداف التنمية المستدامة.

    إصلاح النظام المالي الدولي

    أشار زعماء بريكس إلى وجود حاجة ماسة لإصلاح الهيكل المالي الدولي، وذلك بهدف مواجهة التحديات المالية العالمية، وتعزيز حوكمة الاقتصاد العالمي، وجعل الهيكل المالي الدولي أكثر شمولاً وعدلاً. كما أنّهم رحبوا بمبادرة روسيا لإنشاء منصة لتداول الحبوب بين دول بريكس، مع إمكانية توسيعها لاحقاً لتشمل قطاعات زراعية أخرى، فضلًا عن استخدام العملات المحلية في المعاملات المالية بين دول بريكس وشركائها التجاريين.

    واتفق زعماء بريكس على مناقشة جدوى إنشاء بنية تحتية مستقلة للتسويات والإيداعات عبر الحدود تحت مسمى “بريكس كلير”، والتي تهدف إلى تكملة البنية الأساسية للسوق المالية، وتقديم خدمات إعادة التأمين بشكل مستقل ضمن دول المجموعة، كما أنّهم أبدوا تفاؤلًا بتوسيع الممارسات المالية المبتكرة في إطار التعاون بين البنوك في مجموعة بريكس، بما في ذلك تطوير آليات تمويل بالعملات المحلية. وأشار الإعلان الختامي إلى أهمية تطوير وسائل الدفع العابرة للحدود التي تتسم بالسرعة والكفاءة والتكلفة المنخفضة.

    تعزيز استقرار الاقتصاد العالمي والتعاون الدولي

    أكدت المجموعة التزامها بالحفاظ على شبكة أمان مالية عالمية قوية تعتمد بشكل رئيسٍ على صندوق النقد الدولي، مع التأكيد على أن يكون النظام مبنياً على الحصص وممولاً بشكل كافٍ. كما شدد الزعماء على أهمية مواصلة عمل مجموعة العشرين بناءً على التوافق بين أعضائها، مع التركيز على تحقيق نتائج ملموسة تعزز استقرار الاقتصاد العالمي. إضافةً إلى ذلك، دعم زعماء بريكس مبادرات تطوير لقاحات وأدوات للوقاية من الأمراض المعدية، بما في ذلك نظام الإنذار المبكر الذي يهدف إلى منع انتشار الأوبئة في المستقبل.

    تعتبر هذه القمة أكبر حدث دبلوماسي يُنظم في روسيا منذ أن بدأت الحرب الروسية على أوكرانيا في فبراير 2022، وهو الحدث الذي دفع الدول الغربية والأمم المتحدة إلى فرض سلسلة من العقوبات على موسكو.

    وفي كلمته، شدد الرئيس الصيني شي جينبينغ على أهمية عدم تصعيد القتال في أوكرانيا، مشيرًا إلى ضرورة احترام ثلاثة مبادئ: عدم توسع ميدان المعركة، وعدم تصعيد النزاع، وضرورة التزام الأطراف المعنية بتجنب زيادة حدة الوضع، في محاولة لتهدئة الأمور في أسرع وقت. هذا وقد وقّعت كلتا الدولتين، روسيا والصين، شراكة استراتيجية “غير محدودة” بعد أيام من بدء الغزو الروسي لأوكرانيا، وأشاد كل من شي وبوتين بمتانة العلاقات الثنائية خلال اجتماعهما الثنائي في القمة.

    أما فيما يتعلّق برئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، فلم يُشر إلى نزاع معين، لكنه دعا إلى إحلال السلام، مؤكدًا دعم بلاده للحوار والدبلوماسية، وعدم تأييدها للحروب.

    دعوات لوقف التصعيد وتحقيق السلام

    دعا الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان الزعماء في قمة مجموعة بريكس إلى الاستفادة من الإمكانات الجماعية والفردية لإنهاء الحرب في غزة ولبنان، ووصف الحرب الإسرائيلية في المنطقتين بأنها “الأكثر قسوة وإيلامًا”. كما جدد الرئيس الصيني دعوته لوقف إطلاق النار، مشددًا على ضرورة العمل من أجل الوصول إلى تسوية شاملة وعادلة ودائمة للقضية الفلسطينية.

    أما الرئيس البرازيلي، لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، فقد دعا بدوره إلى تجنب مزيد من التصعيد في كل من الشرق الأوسط وأوكرانيا، وقال في كلمة مسجلة: “في ظل وجود حربين قد تتوسعان وتتحولان إلى نزاع عالمي، من الضروري أن نعمل معًا لتحقيق أهداف مشتركة”، كما أكد أن تجنب التصعيد وبدء مفاوضات السلام أمران ضروريان في النزاع بين أوكرانيا وروسيا.

    وخلال المحادثات الثنائية، رحب بوتين بعروض الوساطة التي قدمها بعض أعضاء قمة مجموعة بريكس فيما يتعلق بالنزاع الأوكراني، وذكر المتحدث باسم الكرملين، دميتري بيسكوف، أن بوتين يرى “دينامية إيجابية” على الجبهة، مشيرًا إلى تقدم القوات الروسية، وإن كان بطيئًا، في شرق أوكرانيا، رغم عدم تحقيق أي من الطرفين اختراقًا كبيرًا حتى الآن.

    التوجه نحو نظام عالمي متعدد الأقطاب

    تقدم الرئيسان شي جينبينغ وناريندرا مودي في وقت سابق بمبادرات سلام لحل النزاع في أوكرانيا، كما عرض الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي حضر القمة رغم أن بلاده ليست عضوًا في بريكس، وساطته بين أوكرانيا وروسيا، علمًا أنّه سيلتقي بوتين لإجراء محادثات ثنائية.

    كان الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، من المشاركين أيضًا، وذلك في أول زيارة له إلى روسيا منذ أكثر من عامين، ومن المقرر أن يجري محادثات مع بوتين حول الوضع في أوكرانيا.

    ومن الجدير بالذكر أنّ موسكو تُروج لمجموعة بريكس كبديل للمنظمات الدولية التي تقودها الدول الغربية، مثل مجموعة السبع، وقد أكد بوتين في افتتاح القمّة أن تشكيل “نظام عالمي متعدد الأقطاب” جارٍ، واصفًا إياه بأنه مسار ديناميكي لا رجعة فيه. كما أنّه انتقد الدول الغربية التي تفرض عقوبات على دول بريكس، بما في ذلك روسيا، محذرًا من أن تلك العقوبات قد تؤدي إلى أزمة عالمية.

    وقال إن “هناك احتمالًا لنشوب أزمة كبيرة، ليس بسبب التوترات الجيوسياسية فحسب، ولكن أيضًا نتيجة زيادة العقوبات الأحادية الجانب، والحمائية، والمنافسة غير العادلة”. وفي الختام، دعا بوتين قادة الاقتصادات الناشئة إلى دراسة اعتماد أنظمة دفع ومنصات تجارية بديلة لتلك التي يسيطر عليها الغرب، بهدف تقليل الاعتماد على الآليات الغربية.

    اقرأ أيضًا: هل تُشكل دول “بريكس” تحالفًا دوليًا لإنتاج الحبوب؟