اقتصادات عربية

    توسع الحرب في لبنان.. الشرق الأوسط يدفع الثمن

    •آخر تحديث •7 دقائق
    توسع الحرب في لبنان.. الشرق الأوسط يدفع الثمن

    مع تصاعد التوترات في منطقة الشرق الأوسط، وتوسع الحرب في لبنان تتجه الأنظار إلى تأثير الصراعات المستمرة على الأوضاع الاقتصادية في المنطقة بعدما شهدت تصعيدًا متزايدًا وتوسُّعًا إقليميًا.

    لبنان الذي يعاني منذ سنوات من أزمات سياسية واقتصادية، يجد نفسه في مواجهة أزمة جديدة تعمق من معاناته الاقتصادية، بينما تواجه إسرائيل تحديات اقتصادية ضخمة جراء استمرار العمليات العسكرية، فهذه الحرب لا تهدد اقتصاد لبنان وإسرائيل فحسب، بل تمتد آثارها إلى مصر والأردن، كما تؤثر على أسعار النفط، وتدفق الاستثمارات، وحركة التجارة الإقليمية، مما يشكل تهديدًا أوسع لاستقرار المنطقة ككل.

    تبخر آمال التعافي للاقتصاد اللبناني

    يقول الدكتور وليد جاب الله، خبير الاقتصاد والمالية العامة وعضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء والتشريع، إن الاقتصاد اللبناني يعاني من صعوبات كبيرة منذ فترة طويلة، حيث تعرض جهازه المصرفي للانهيار نتيجة الصراعات الداخلية بين الحكومة الرسمية وهيمنة حزب الله على العديد من المرافق الاقتصادية، هذا الارتباك في الاقتصاد اللبناني جاء ليزداد سوءًا بسبب الحرب الإسرائيلية على لبنان التي عصفت بما تبقى من اقتصاده.

    وأضاف جاب الله في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia أنّ الحرب الإسرائيلية جعلت من الأمل في استغلال الغاز اللبناني في البحر المتوسط أمراً بعيد المنال، كما أنها أثرت سلبًا على فرص تعافي القطاع السياحي وقطاعات الخدمات، وفي الوقت نفسه، تعمقت معاناة القطاع الصناعي بسبب الهجمات الإسرائيلية، مما زاد من الآثار السلبية على اقتصاد البلاد.

    تضرر إيرادات قناة السويس واقتصادات دول الجوار

    تعتبر هذه الأحداث جزءًا من الحروب التي تقودها إسرائيل، وتؤثر بشكل مباشر على الوضع في غزة، حيث لم يعد هناك اقتصاد في غزة سوى المواطنين الذين يعيشون على الإغاثات.

    وتابع جاب الله: “تعد الأوضاع في غزة متدهورة أيضًا نتيجة لهذه الأحداث، مما امتد تأثيره إلى مصر، خاصةً مع تراجع إيرادات قناة السويس في ظل تصاعد الأوضاع في منطقة البحر الأحمر، نتيجة للهجمات الإسرائيلية والرد الحوثي بضرب السفن المارة عبره. بالإضافة إلى ذلك، فإن هناك تداعيات سلبية على الاقتصاد الأردني، لا سيما فيما يتعلق بقدرته على جذب الاستثمارات الأجنبية والانطلاق نحو النمو”.

    وفيما يتعلّق بالخسائر الإسرائيلية، فقد تراجعت مؤشرات الاقتصاد بشكل كبير، لكن يبدو أن الحكومة الإسرائيلية لا تفكر في الاقتصاد في هذه المرحلة، بل تركز على الأمن، وهذا يشكل عبئًا اقتصاديًا عليها، على الرغم من أنّها لا تتحدث عن اقتصادها، وسط توقعات بقدرتها على تعويض خسائرها الاقتصادية.

    وقد أوضح جاب الله أنّ هذا الصراع يتطلب تعقلاً وتفهماً من الجميع، كما أنّه يستدعي التوافق على حلول عادلة، مثل حل الدولتين، الأمر الذي يمكن أن يضمن لفلسطين وإسرائيل مستقبلًا أفضل ويكون أساسًا يمكن البناء عليه لضمان استقرار المنطقة.

    اقرأ أيضًا: تكلفة حرب غزة على التجارة في البحر الأحمر

    الأسواق العالمية وتوسع الحرب في لبنان

    من جهتها، ترى الخبيرة الاقتصادية الدكتورة مروة الشافعي أن اتساع رقعة الصراع في لبنان والاضطرابات الإقليمية يهدد استقرار المنطقة برمتها، وتؤكد أن التداعيات الاقتصادية تظل الأبرز؛ إذ لا تقتصر آثار الحرب على طرفي النزاع فحسب، بل تمتد لتلقي بظلالها على أسعار النفط وحركة التجارة الإقليمية.

    وفي هذا السياق، أشارت الخبيرة إلى التأثير المحتمل للصراع على أسعار النفط، فنظرًا لأهمية منطقة الشرق الأوسط كمصدر رئيس لإمدادات النفط العالمية فإن أي اضطراب في المنطقة يعزز مخاوف نقص العرض. ونتيجةً لذلك، تشهد أسعار النفط ارتفاعات ملحوظة خلال الحرب، تستفيد منها بعض الدول بشكل مؤقت من خلال زيادة إيراداتها من الصادرات النفطية، لكن تبقى المخاوف من أن يتسع نطاق الصراع ليؤثر على إمدادات النفط أو يشمل مناطق أخرى قائمة، باعتبار أنّ ذلك يهدد استقرار الاقتصاد العالمي.

    كما أنّ الحرب الإسرائيلية على لبنان دفعت العديد من المستثمرين الدوليين إلى إعادة النظر في استثماراتهم في منطقة الشرق الأوسط؛ حيث إنّ حالة عدم الاستقرار السياسي والأمني التي خلفتها الحرب جعلت المستثمرين أكثر ترددًا في ضخ أموال جديدة في أسواق المنطقة، والدول المجاورة مثل الأردن وسوريا. وحتى دول الخليج لم تسلم من ذلك، فقد تراجع مستوى الاستثمارات الأجنبية فيها، على الرغم من أن بعضها كان يُنظر إليه على أنه أكثر أمانًا نسبيًا.

    وترى الخبيرة أن التجارة الإقليمية ليست بمنأى عن خسائر الحرب، فقد تتعطل سلاسل الإمداد التجارية ليس فقط داخل لبنان لكن في دول الجوار أيضًا، فضلًا عن تأثر الطرق البرية التي تربط بين لبنان وسوريا، الأمر الذي يؤثر بدوره على حركة التجارة الإقليمية، كما أن المخاوف من توسيع نطاق الحرب إلى دول أخرى في المنطقة ستؤثر سلبًا على تدفق السلع والبضائع، وتزيد من تكاليف التأمين على الشحنات التجارية.

    مخاوف الهجرة والاعتماد على المساعدات

    ترى الخبيرة أن لبنان هو المتضرر الأكبر من الحرب الإسرائيلية، حيث تأثر الاقتصاد اللبناني بشدة نتيجة تدمير البنية التحتية مثل الطرق والجسور والمرافق العامة، وتراجعت الأنشطة الاقتصادية، وتقلص الاستثمار الأجنبي المباشر بشكل كبير بسبب عدم استقرار الأوضاع الأمنية، وتضررت القطاعات الحيوية مثل السياحة التي  تمثل مصدرًا هامًا للدخل الوطني اللبناني، كما تدهورت قيمة العملة اللبنانية أمام الدولار الأمريكي.

    علاوة على ذلك، أوضحت الشافعي أن توسع الحرب في لبنان قد يسفر عنه نزوح مئات الآلاف من اللبنانيين إلى دول أخرى في المنطقة، مثل سوريا والأردن، وهذا النزوح يؤثر على اقتصادات الدول المستضيفة بزيادة الضغط على البنية التحتية والخدمات الاجتماعية.

    كما تفرض الحرب على دول الجوار تقديم المساعدات الدولية والاقتصادية لإعادة إعمار البلاد، وتحقيق  استقرار نسبي  للوضع الاقتصادي، وخاصة دول الخليج، التي سبق وقدمت دعمًا ماليًا كبيرًا للبنان لإعادة بناء ما دمرته الحرب، ورغم أن هذه المساعدات قد  ساهمت في تحسين الوضع الاقتصادي للبنان بشكل مؤقت، إلا أن التبعات طويلة الأمد للصراع  تؤثر على الاقتصاد اللبناني وعلى المنطقة ككل.

    وفي ختام حديثها، حذرت الخبيرة من خطورة توسع الحرب على لبنان لما له من تداعيات طويلة الأمد خاصة على المستوى الاقتصادي، فقد تزيد من ضعف الثقة في استقرار المنطقة، وزيادة الاعتماد على المساعدات الدولية، وتباطؤ النمو الاقتصادي في بعض الدول المجاورة.

    أزمة إسرائيل.. تكلفة الاقتراض العسكري

    من جانبه، يقول الدكتور عمرو  إبراهيم، الخبير الاقتصادي، إن الحرب الإسرائيلية على لبنان لم تكن مجرد صراع عسكري بين دولتين، حيث سيكون لها انعكاسات اقتصادية واسعة النطاق على منطقة الشرق الأوسط، بداية من أسعار النفط، ووصولًا إلى الاستثمارات الأجنبية والتجارة الإقليمية. كما ستشهد دول المنطقة تأثيرات مباشرة وغير مباشرة لهذا النزاع، فضلًا عن أنّ تأثير الحرب الحالية سيظل عقبة أمام التنمية الاقتصادية المستدامة في الشرق الأوسط.

    وأوضح إبراهيم أن فاتورة الخسائر الناجمة عن الأحداث الراهنة لن تتوقف عند حدود لبنان والدول العربية المجاورة؛ إذ سجل الاقتصاد الإسرائيلي تباطؤاً ملموساً منذ انطلاق العمليات في غزة. ومع اضطرار تل أبيب للاقتراض لتغطية النفقات العسكرية، يرى إبراهيم أن أي تصعيد مستقبلي على جبهات متعددة سيضاعف الضغوط على الخزانة الإسرائيلية ويضعها أمام مأزق مالي أعمق.

    وأشار إبراهيم أيضًا إلى أنّ الاقتراض المحلي في إسرائيل قد ارتفع بالفعل لتمويل العجز في الميزانية، وأن أيَّ تصعيد إضافي للصراع سيؤدي إلى مزيد من إصدار الديون، متوقعًا تراجع معدلات نمو الاقتصاد الإسرائيلي بنسبة 1.5% فقط في عام 2024، هذه التوقعات تمثل انخفاضًا بنحو 1.3 نقطة مئوية عن التقديرات السابقة التي صدرت في أبريل.

    وتوقع الخبير أن ينخفض التصنيف الائتماني لإسرائيل، مما سيجعل تمويل العجز في المستقبل أكثر صعوبة وتكلفة، ما يعكس التأثير المباشر للحرب، الذي من المتوقع أن يستمر حتى بداية عام 2025.

    اقرأ أيضًا: هل سيتحمل اقتصاد لبنان فاتورة النزاع؟

    انهيار الاقتصاد اللبناني وضغوط متزايدة على البنية التحتية

    أشار الخبير إلى بيانات الهيئة التنظيمية المصرفية الإسرائيلية موضحًا أن التكلفة التقديرية للصراع بين عامي 2023 و2025 قد تصل إلى حوالي 255 مليار شيكل، وهو ما يعادل حوالي 13% من الناتج المحلي الإجمالي المتوقع لعام 2024، وتشمل هذه التكلفة الإنفاق الدفاعي والمدني المتزايد، بالإضافة إلى انخفاض عائدات الضرائب.

    وفي تعليقه على الأحداث الجارية يقول الدكتور أحمد عبد الفتاح الخبير الاقتصادي: “مما لا شك فيه أن الحرب المشتعلة ضد لبنان سوف تزيد من تفاقم العديد من المشاكل في لبنان على وجه الخصوص وفي المنطقة بشكل عام. بالنسبة إلى لبنان، ستؤدي الحرب إلى زيادة حجم الخسائر المباشرة وغير المباشرة، وزيادة الدين العام، وفقدان فرص العمل، وارتفاع معدلات الهجرة، وتراجع الناتج المحلي الإجمالي بشكل ملحوظ”.

    وأضاف الخبير: “إذا عدنا إلى التاريخ القريب، وتحديداً أثناء حرب يوليو، قامت الدول العربية، خصوصاً الخليجية، بمساعدة لبنان، إذ بلغ مجموع الأموال التي تسلَّمتها الحكومة في ذلك العام من الدول الشقيقة والصديقة والمؤسسات الدولية ما قيمته 1.174 مليار دولار”.

    وتابع الخبير: “أما اليوم، فإنّ لبنان يواجه تحديات اقتصادية غير مسبوقة مع دخوله حرب 2024، حيث تعاني البلاد من أزمة مالية خانقة، فقد انهارت الليرة اللبنانية، مما أدّى إلى فقدان أكثر من 90% من قدرتها الشرائية، وارتفعت معدلات التضخم بشكل حاد. والأهم من ذلك هو أن لبنان بات يفتقر إلى الدعم المالي الدولي والعربي، وتراجعت احتياطيات مصرف لبنان بشكل ملحوظ، وتجاوزت خسائر القطاع المصرفي 70 مليار دولار، كما انخفض الناتج المحلي بنسبة 50%، ليجد 80% من سكان لبنان أنفسهم تحت خط الفقر.

    منذ بداية الصراع مع غزة في 7 أكتوبر، سادت حالة من الخوف في القطاعات السياحية والخدمية التي كانت تستعد لاستقبال المغتربين، كما تراجعت حركة الوصول في المطار بنسبة 33%، وارتفعت مغادرة المسافرين بنسبة 28%، ووفقاً للمنظمة الدولية للهجرة، نزح حوالي 29 ألف شخص من الجنوب اللبناني.

    ويبدو أنّ التصاعد الحاد في المخاطر الجيوسياسية وتحول الصراع الإسرائيلي اللبناني إلى نزاع إقليمي سيؤثر بشدة على التوقعات الاقتصادية لكل من لبنان وإسرائيل، خاصة إذا امتد الصراع العسكري واسع النطاق إلى داخل الحدود اللبنانية، فمن المرجح أن ينكمش الناتج المحلي الإجمالي للبلاد بشكل ملحوظ، مما سيزيد من تفاقم الأزمة الاقتصادية التي يواجهها.