تقرير: باسل محمود
تصاعد التوتر بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والملياردير إيلون ماسك في أعقاب فرض الإدارة الأمريكية سلسلة من الرسوم الجمركية التي تُهدد بتقويض سلاسل التوريد، وتهز أسواق المال العالمية، وتضع شركة “تسلا” في قلب العاصفة، بحسب بلومبرج.
الانقسام بين الحليفين السابقين لم يعد سرًّا، بل تحوّل إلى مواجهة علنية، سياسية وتجارية، تعكس التحديات المتزايدة التي تواجه كبرى الشركات الأمريكية في ظل الحرب التجارية المتصاعدة.
ماسك ينقلب على ترامب
لم يكن إيلون ماسك مجرد رجل أعمال في دائرة نفوذ الرئيس ترامب، بل أحد أبرز الأصوات التكنولوجية التي دعمت توجهات البيت الأبيض في فترته الأولى، خصوصًا في ملفات الفضاء والطاقة، لكنه اليوم يجد نفسه على الطرف الآخر من الطاولة، بعد أن بدأت سياسات الرسوم الجمركية تُهدد نماذج أعماله.
الخلاف بين الطرفين خرج إلى العلن بعد الهزيمة السياسية التي تلقّاها ماسك في انتخابات ولاية ويسكونسن القضائية، حيث خسر المرشح المحافظ الذي دعمه أمام منافسته الليبرالية، مما كشف تراجع نفوذه حتى داخل الدوائر الجمهورية. وبحسب بعض المراقبين، تلك الخسارة كانت النقطة الفاصلة التي دفعت ماسك إلى التشكيك علنًا في جدوى سياسات ترامب الاقتصادية.
ماسك: الرسوم “ضريبة على الأمريكيين”
في تصريح ناري خلال مؤتمر سياسي في إيطاليا، دعا ماسك إلى إقامة منطقة تجارة حرة بين أوروبا والولايات المتحدة، منتقدًا مستشار ترامب التجاري بيتر نافارو، واصفًا إياه على منصة “X” بـ”الأحمق”. وقد كانت رسالته واضحة، مفادها أنّ هذه الحرب التجارية لا تهدد التجارة الدولية فحسب، وإنّما قدرة أمريكا على الابتكار والتفوق الصناعي أيضًا.
شقيقه، كيمبال ماسك، ذهب إلى أبعد من ذلك، معتبرًا أنَّ “الرسوم الجمركية الجديدة ليست إلا ضريبة دائمة على المستهلك الأمريكي”، في تلميح إلى أن العبء الفعلي لن تتحمله الشركات وحدها، بل الأسر الأمريكية أيضًا.
وبحسب تقارير صحفية، حاول ماسك التأثير على الرئيس ترامب شخصيًا لإلغاء الخطة لكن دون جدوى، حيث بدا الرئيس حازمًا في المضي قدمًا بسياسات وصفها بـ”الضرورية لحماية الاقتصاد الوطني”.
موضوع ذو صلة: حرب ترامب التجارية.. “الألم للأمريكيين” قد يسبق المكاسب
“تسلا” في مرمى النيران
التأثير الأكبر لقرارات الرسوم وقع على شركة تسلا التي تعتمد على مكونات مستوردة من دول عدّة، أبرزها الصين، والتي تُنتج ربع سياراتها تقريبًا خارج الولايات المتحدة، حيث إنّ الرسوم الجديدة رفعت تكاليف الإنتاج بشكل فوري، خصوصًا لسيارة “موديل Y”، أحد أنجح منتجات الشركة.
لكن الخطر الأكبر يأتي من الرد الصيني؛ فقد رفعت الرسوم الجمركية على المنتجات الأمريكية إلى 84% من 34%، مع العلم أنّ الصين تمثل ثاني أكبر سوق لتسلا، والمقر الرئيسي لمصنعها في آسيا أيضًا.
من جهتها، أبدت وزارة التجارة الصينية لهجة تصعيدية، وتعهّدت بـ”الرد الكامل”، في وقت تشير فيه تقارير محلية إلى نزعة استهلاكية قومية تتجه نحو دعم العلامات التجارية المحلية مثل BYD وNio وXpeng، على حساب “العلامات الأمريكية”.
المحلل دان آيفز من “ويدبوش سيكيوريتيز” علّق بالقول: “موقف ماسك من الرسوم الجمركية سيجعل تسلا في موقع صعب للغاية في الصين، إذ إنّ القدرة التنافسية للشركة ستتآكل، وستفتح المجال أمام المنافسين المحليين لتحقيق مكاسب غير مسبوقة”.
اقرأ أيضًا: تصعيد حاد.. الصين ترفع رسومها على أمريكا ردًا على تعريفات ترامب
خسائر بالمليارات.. أسهم تسلا تهوي وثروة ماسك تتآكل
لم تتأخر الأسواق في ترجمة المخاطر، فأسهم تسلا تراجعت بأكثر من 11% في أسبوع واحد، فيما انخفضت ثروة ماسك إلى ما دون حاجز 300 مليار دولار لأول مرة منذ نوفمبر الماضي.
الانخفاض لم يقتصر على تسلا فقط، بل امتد إلى شركات التكنولوجيا الكبرى، وعلى رأسها “أبل”، التي خسرت 19% من قيمتها السوقية خلال ثلاثة أيام، في أسوأ أداء لها منذ أكثر من عقدين.
هذه الانهيارات السريعة أعادت إلى الأذهان شبح أزمة الأسواق في 2020، لكن هذه المرة السبب ليس فيروسًا مجهريًا، وإنّما قرارات سياسية معلنة واحتكاكات تجارية قابلة للتصعيد.
هل ينهي ترامب نفوذ “أقوى رجل تكنولوجي”؟
على الصعيد السياسي، بدأ بعض المحللين في واشنطن يتحدثون عن “نهاية شهر العسل” بين ترامب وماسك. كما كشف تقرير لموقع “بوليتيكو” عن نقاشات داخل إدارة ترامب حول مستقبل ماسك كمستشار تكنولوجي، واحتمال إبعاده بهدوء عن الدائرة المقربة للرئيس، خاصة مع تصاعد الانتقادات العلنية.
ورغم أنَّ ماسك يشغل رسميًا صفة “موظف حكومي خاص” تسمح له بالمشاركة في ملفات التكنولوجيا والابتكار لـ130 يومًا فقط في السنة، فإنَّ نفوذه السياسي كان يتجاوز ذلك بكثير، ومع تزايد الخلاف يبدو أن هذا الدور بات محل مراجعة.
في تصريح لاحق، قال ترامب: “أريد لإيلون أن يبقى لأطول فترة ممكنة، لكنه سيرغب في العودة الكاملة إلى أعماله”. هذا التصريح يبدو وكأنه تمهيد لإبعاد ناعم، لا يقطع الجسور تمامًا، لكنه يُقلّص المساحة المتاحة أمام ماسك في صنع القرار.
اطّلع على الرؤية الكاملة: إيلون ماسك بين تحديات السياسة الأمريكية والصينية
غموض اقتصادي ومخاوف من “انفلات النمو”
رغم احتدام السجال السياسي، تبقى الآثار الاقتصادية للرسوم غير واضحة حتى الآن، ويرى محللو “بلومبرغ إيكونوميكس”، أن غياب الشفافية حول نطاق الرسوم، وتوزيع التكلفة بين المنتج والمستهلك، وعدم وضوح الأهداف النهائية يجعل التنبؤ بالتأثير شبه مستحيل.
لكن ما هو مؤكد، أن هذه الرسوم تزيد من حالة عدم اليقين العالمي، وتُهدد الاستثمارات طويلة الأجل، وتضعف آليات التخطيط للشركات الكبرى التي تعتمد على توقعات مستقرة نسبياً للسياسات التجارية والضريبية.
من شراكة القوة إلى صراع المصالح
ما تشهده العلاقة بين ماسك وترامب ليس مجرد خلاف تكتيكي، بل تحوّل استراتيجي في توازن المصالح بين رأس المال والسلطة؛ فبينما كانت إدارة ترامب تتباهى بنجاح شركات مثل تسلا كدليل على تفوق الاقتصاد الأمريكي، باتت هذه الشركات الآن تدفع ثمن قرارات تُتخذ دون التنسيق معها.
في عالم السياسة، يُقال إن الصداقة تنتهي عند أول اختبار للمصالح، ويبدو أن ماسك، الذي اعتاد لعب دور “المدعوم والمستشار”، بات الآن في خانة “المُعارض الخطر”، خصوصًا حين يتعلّق الأمر بقاعدة انتخابية ترى في الرسوم الجمركية رمزًا للحماية الوطنية، لا عبئًا على النمو.
قد يهمّك أيضًا: ردود الفعل الدولية على رسوم ترامب الجمركية
