تقرير: باسل محمود
مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأميركية، يعاني المصرفيون المركزيون في أوروبا من حالة من القلق الشديد، بحسب بلومبرج، حيث إنّ احتمالية عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، تُثير مخاوف من نشوب حرب تجارية جديدة، مما قد يزيد من تعقيد جهودهم في إدارة التضخم والنمو الاقتصادي في منطقة تعاني بالفعل من ضعف شديد، فمنذ رئاسة ترامب السابقة، أظهرت التجارب أن شغفه بإطلاق حروب تجارية يمكن أن يكون له تداعيات على الاقتصاد الأوروبي.
القلق من عودة ترامب
تواجه الاقتصادات الأوروبية اليوم تحديات كبيرة تتعلق بالنمو والركود، مما يجعلها عرضة للصدمات الخارجية، فعودة ترامب إلى السلطة قد تعني تنفيذ سياسات تجارية متشددة، مثل فرض تعريفات جمركية ضخمة. ويتذكر المصرفيون المركزيون في جميع أنحاء القارة آثار سياساته السابقة، والتي أدت إلى تصاعد التوترات التجارية العالمية.
أفادت تقارير بأن ترامب تعهد بفرض تعريفات تصل إلى 60% على الواردات من الصين و20% على الدول الأخرى، وهو ما قد يؤدي إلى أكبر صدمة تجارية منذ قانون سمووت-هاولي الذي عُرف بتأثيره المدمر خلال فترة الكساد الكبير في الثلاثينيات.
اقرأ أيضًا: في مناظرة حادة.. ترامب يستغل الاقتصاد وهاريس تتجنب بايدن
تداعيات التعريفات المحتملة
التعريفات التي قد يفرضها ترامب ستؤثر بشكل خاص على الاقتصاد الأوروبي، حيث يعتمد الكثير من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي على التجارة الدولية. يعد تعهد ترامب بفرض تعريفات جمركية تهديدًا كبيرًا لمصالح الدول الأعضاء، ويؤدي إلى تآكل الثقة في الاقتصاد.
في اجتماع مؤخراً، أبدى محافظ البنك المركزي السويدي، إريك ثيدين، قلقه من آثار هذه السياسات، محذرًا من أن فرض الحواجز التجارية الكبيرة قد يكون له تأثيرات سلبية على النمو والتضخم في بلده، خاصة وأن السويد تعتبر من الدول التي تعتمد بشكل كبير على التجارة الدولية.
مقارنة الأوضاع بين 2017 و2024
في عام 2017، كان الوضع الاقتصادي في أوروبا أفضل مما هو عليه الآن، لم تكن الحروب تدور في أوكرانيا، وكانت منطقة اليورو تشهد نموًا قويًا.
في المقابل، اليوم، تواجه أوروبا ضغوطًا اقتصادية كبيرة، ومن المتوقع أن تسجل ألمانيا انكماشًا سنويًا ثانيًا على التوالي، بينما تواجه الشركات والأسر في فرنسا تخفيضات في الإنفاق وزيادات في الضرائب.
تشير التوقعات إلى أن المملكة المتحدة، التي شهدت نموًا في النصف الأول من 2024، بدأت تعاني من تباطؤ.
تأثير ترامب على السياسات النقدية
تعتبر التصريحات الأخيرة للمصرفيين المركزيين في أوروبا مؤشرًا على القلق السائد بشأن الآثار المحتملة لفوز ترامب، وتشير استطلاعات الأعمال السلبية، إلى أن البنك المركزي الأوروبي قد يُقدّم خططًا لتخفيض سعر الفائدة في ظل هذه الظروف.
هولجر شمييدينغ، كبير الاقتصاديين في بيرينبرغ بلندن، قال إن تهديد التعريفات الجديدة سيؤثر على مناخ الأعمال ويؤخر الانتعاش في استهلاك الأسر.
في هذا السياق، يشير الاقتصاديون إلى أن التعريفات الجديدة قد تؤدي إلى تقليص الاستثمارات في الأسواق الأوروبية.
في حين أن هناك اعترافًا بالمخاطر المحتملة، فإن المصرفيين المركزيين يدركون أيضًا أن الاقتصاد الأوروبي في حاجة إلى مزيد من الاستقرار والتعاون لتفادي أي صدمات جديدة.
تأثير ترامب على العلاقات عبر الأطلسي
خلال فترة رئاسة ترامب السابقة، وصلت العلاقات الاقتصادية عبر الأطلسي إلى أدنى مستوياتها، وإذا ما عاد ترامب إلى السلطة، فإن من المتوقع أن يتعمق هذا الانحدار، حيث تتعارض أفكاره بشأن التجارة مع مصالح العديد من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.
في الوقت الذي تسعى فيه دول مثل ألمانيا وفرنسا إلى تحقيق استقرار اقتصادي، يظل التحدي الأكبر هو كيفية التعامل مع سياسات ترامب المحتملة.
التوجه نحو المستقبل
يظل الأمر غير واضح بالنسبة لصانعي السياسات في أوروبا، حيث لا يزال هناك عدم يقين بشأن ما يمكن توقعه من السياسات الاقتصادية للولايات المتحدة في حالة فوز ترامب.
يجادل بعض المحللين بأنه حتى لو فاز ترامب، فإن الإجراءات التي قد يتخذها لن تكون بالضرورة كما هو متوقع؛ حيث قد يكون هناك ضغوط من داخل الحزب الجمهوري ومن الشركاء الدوليين، في المقابل يشير البعض الآخر إلى أن فوز كامالا هاريس، لن يعني بالضرورة بيئة تجارية ودية.
على الرغم من أن هاريس قد لا تمثل تهديدًا كما هو الحال مع ترامب، فإن نوايا الإدارة الحالية بشأن التعريفات والضرائب قد تستمر في التأثير على العلاقات التجارية.
التحذيرات من التحولات الاقتصادية
يتزايد التحذير بين المصرفيين المركزيين حول الآثار السلبية لتعزيز التعريفات، فقد حذر رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، من أن هذه التعزيزات قد تؤثر بشكل كبير على النمو والوظائف في الولايات المتحدة، وهو ما سيعود بالتأكيد بتداعيات على أوروبا.
مع تحذير خبراء الاقتصاد، يجب على أوروبا أن تكون مستعدة لأي تداعيات اقتصادية قد تحدث نتيجة للانتخابات الأميركية، وفي الوقت الذي يعمل فيه المركزي الأوروبي على تحقيق استقرار الأسعار يبدو أن التحديات تزداد تعقيدًا مع كل يوم يمر.
في النهاية، لا يبدو أن هناك تحسنًا في الأفق مع اقتراب الانتخابات، وبينما يستعد المصرفيون المركزيون لمواجهة آثار أي تغييرات في السياسة التجارية الأميركية، فإن مراقبتهم عن كثب للأوضاع الاقتصادية ستكون أمرًا ضروريًا. تظل أوروبا في حالة ترقب، حيث قد يتسبب فوز ترامب، في موجة من التحديات الاقتصادية التي تعرقل قدرتها على التعافي.
