تقرير: باسل محمود
في ظل تزايد المخاطر العالمية، يكشف الإصدار الثامن عشر من “مؤشر السلام العالمي” لعام 2024 عن تدهور مستمر في مستوى السلمية عالميًا، مما يثير التساؤلات حول احتمالية اندلاع نزاعات كبرى جديدة. ويُعزى هذا التدهور إلى تصاعد النزاعات الدولية، وتزايد العسكرة في العديد من الدول، إلى جانب تراجع جهود حل النزاعات القائمة.
تدهور السلام العالمي
شهد عام 2024 تراجعًا في مستوى السلام، وهي المرة هي الثانية عشرة التي يتدهور فيها السلام خلال السنوات الـ16 الماضية، وبحسب المؤشر فإن 97 دولة سجلت تراجعًا في مستوى السلمية مقابل تحسن في 65 دولة فقط، حيث يُعد هذا التدهور الأكبر منذ بدء إصدار المؤشر، وهو يشير إلى اتساع الفجوة بين الدول الأكثر سلميةً والأقل سلميةً.
تصاعد النزاعات المسلحة
منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لم يكن العالم أقرب إلى نزاع كبير كما هو الآن، ففي الوقت الحالي يشهد العالم حوالي 56 نزاعًا مسلحًا نشطًا، وهو العدد الأكبر من النزاعات منذ عقود. كما يُشير التقرير إلى أن نسبة النزاعات التي انتهت باتفاقيات سلام تراجعت بشكل ملحوظ، حيث انخفضت من 23% في السبعينيات إلى 4% فقط في العقد الحالي.
تدويل النزاعات
إحدى النتائج المقلقة للتقرير، هي زيادة تدويل النزاعات، حيث تشارك الآن 92 دولة في نزاعات خارج حدودها، مما يزيد من تعقيد عمليات التفاوض ويطيل أمد النزاعات، بسبب زيادة المنافسة بين القوى الكبرى وظهور قوى إقليمية متوسطة تسعى لتعزيز نفوذها في المناطق المتأثرة بالنزاعات.
العسكرة مؤشر مقلق
على الرغم من التحسن الذي شهدته مؤشرات العسكرة خلال أول 16 عامًا من عمر المؤشر، تدهورت الأوضاع في 108 دول في عام 2024، ويأتي هذا التدهور بالتزامن مع تصاعد القدرة العسكرية العالمية بنسبة 10% منذ عام 2014 بفضل التطور التكنولوجي العسكري الذي يشمل الطائرات بدون طيار والأجهزة المتفجرة البدائية، مما يزيد من تعقيد النزاعات الحديثة.
تأثير النزاعات الكبرى
تعد النزاعات الإقليمية، مثل الحرب الروسية – الأوكرانية والصراع في غزة، من أبرز التحديات التي تواجه السلام العالمي، حيث بلغ عدد القتلى في النزاع الروسي الأوكراني أكثر من 2000 قتيل شهريًا على مدار العامين الماضيين، في حين تجاوز عدد الشهداء في الحرب على غزة حدود الـ 40 ألفا منذ أكتوبر 2023، وتعد هذه النزاعات مثالًا لما يُعرف بـ”الحروب الأبدية”.
الفجوة بين الدول السلمية والمتأزمة
يُظهر التقرير أن الفجوة بين الدول الأكثر سلميةً والأقل سلميةً أصبحت أوسع من أي وقت قد مضى، إذ إن آيسلندا، الدولة الأكثر سلميةً في العالم منذ 2008، شهدت تحسنًا بنسبة 1%، في حين أن اليمن الدولة الأقل سلمية في العالم، وغيرها من الدول المضطربة إلى حد كبير شهدت تدهورًا يصل إلى 7.5%.
اقرأ أيضًا: الأمن السيبراني.. التحدي الأكبر لعصر البيانات
تحسن وانحدار في مؤشرات السلام
رغم هذه الصورة القاتمة، سجلت بعض الدول تحسنًا ملحوظًا في معدلات السلمية، فعلى سبيل المثال؛ سجلت السلفادور والإمارات العربية المتحدة ونيكاراغوا تحسينات كبيرة، بفضل جهود مكافحة الجريمة وتحسين الأمان المجتمعي.
في المقابل، شهدت دول مثل الإكوادور، والغابون، وهايتي تدهورات كبيرة في مؤشر السلام، أما أوروبا عمومًا فتعد المنطقة الأكثر سلمية في العالم، حيث تضم ثماني دول من بين الدول العشر الأكثر سلمية.
العواقب الاقتصادية للنزاعات
يُظهر التقرير أن العنف كلّف العالم حوالي 19.1 تريليون دولار في 2023، أي ما يعادل 13.5% من الناتج الإجمالي العالمي، إذ تشكل النفقات العسكرية والأمن الداخلي 74% من هذا الأثر، فالنفقات العسكرية وحدها بلغت 8.4 تريليون دولار.
تُعد النزاعات المسلحة سببًا رئيسيًا في الانكماش الاقتصادي الذي شهدته بعض الدول، مثل أوكرانيا وسوريا، حيث انكمش الناتج المحلي الإجمالي الأوكراني بنسبة 30% في عام 2022، بينما تراجعت سوريا بنحو 85% بسبب الحرب الأهلية المستمرة.
التحولات في طبيعة النزاعات
شهدت الحروب في العقود الأخيرة تطورًا تكنولوجيًا كبيرًا، حيث زادت الجماعات غير الحكومية من استخدامها للطائرات بدون طيار بنسبة 1400% منذ عام 2018، الأمر الذي جعل النزاعات أكثر تعقيدًا وأصعب في الحل، وهذا يزيد من احتمالية استمرار النزاعات المسلحة دون حلول نهائية.
السلام الإيجابي طريق المستقبل
“السلام الإيجابي” هو المفتاح لبناء مجتمعات أكثر استقرارًا في ظل النزاعات القائمة، ويُعرّف بأنه مجموعة من المواقف والمؤسسات التي تعزز السلمية وتمنع اندلاع العنف، حيث يمكن من خلاله التنبؤ بتدهور السلام بدقة تصل إلى 80%، مما يمكّن الدول والمجتمعات من اتخاذ خطوات استباقية لبناء السلام.
مع تزايد التوترات الدولية وتراجع الجهود المبذولة لحل النزاعات، يبدو أن العالم يتجه نحو مزيد من التعقيد في إدارة السلام، فالحفاظ على السلمية يتطلب جهودًا متضافرة على مستوى الحكومات والمجتمعات.
المشهد الأكثر وضوحًا الآن هو أن العالم يخوض مرحلة حرجة، حيث تزداد احتمالية اندلاع نزاع كبير أكثر من أي وقت مضى، وعلى الرغم من أنّ الأمر معقد ويحتاج إلى مجهودات دولية جبارة، إلا أنّ تحقيق السلام الإيجابي هو البوابة نحو مستقبل أكثر استقرارًا وأمانًا.
