تقرير: باسل محمود
في خطوة توصف بأنَّها إحدى التحوُّلات الكبرى في تاريخ سوريا الحديث، أعلن زعيم هيئة تحرير الشام، أحمد الشرع، عن خطط لإصدار عملة جديدة بعد استقرار وتحسُّن قيمة الليرة السورية، بحسب ما نقلته وكالات الأنباء. كما كشف الشرع عن خطط لزيادة الرواتب بنسبة 400%، وهي خطوة يُنظر إليها على أنَّها جزء من محاولة استعادة الثقة بين الحكومة والمواطنين، وتحفيز الاقتصاد المحلي الذي يعاني من شلل شبه كامل.
جاءت التصريحات وسط سياق اقتصادي وسياسي معقد، حيث تواجه البلاد ضغوطاً هائلة من سنوات الحرب والعقوبات الدولية، ما أدى إلى انهيار العملة الوطنية وارتفاع تكلفة المعيشة بشكل غير مسبوق.
كيف أثرت التحولات السياسية على العملة في سوريا
الليرة السورية لها تاريخ طويل يعكس التحوُّلات السياسية والاقتصادية التي مرت بها البلاد، ففي العهد العثماني كانت الليرة العثمانية هي العملة المتداولة، ومع انتداب فرنسا على سوريا أُسست الليرة السورية عام 1919، وكانت تُعادل 20 فرنكاً فرنسياً.
لاحقاً، تغيَّر تصميم العملة عدة مرات لتعكس الهوية الوطنية، وفي عام 2015 أصدر مصرف سوريا المركزي ورقة نقدية جديدة من فئة 1,000 ليرة تحمل صورة مدرج بصرى الشام الأثري بدلاً من صورة حافظ الأسد، وفي 2021 تمَّ طرح فئة 5 آلاف ليرة بتصميم يعزز مزايا الأمان.
التحركات الأخيرة لليرة السورية
شهدت الليرة السورية خلال الأيام الأخيرة انتعاشاً غير متوقع، حيث ارتفعت قيمتها بنحو 50% أمام الدولار منذ سقوط نظام بشار الأسد، لتصل إلى 16 ألف ليرة للدولار الواحد في دمشق.
هذا التعافي النسبي يعود إلى تدفق السوريين من دول الجوار، مثل لبنان والأردن، وما يحملونه من عملات أجنبية، لكن يظل التحدي الأكبر هو ضمان استقرار هذه التحسينات في ظل غياب رؤية اقتصادية واضحة. وبحسب الشرع، فإنَّ السياسات النقدية السابقة، بما في ذلك طباعة النقود دون غطاء مالي، أدت إلى تفاقم الأزمة.
انتعاش الأسواق السورية وعودة السلع الغربية بعد سقوط الأسد .. اقرأ المزيد!
الهدف من تغيير الليرة السورية
يرى وزير التجارة وحماية المستهلك، لؤي المنجد، أنَّ تغيير الليرة السورية ليس مجرد إجراء اقتصادي، بل هو قرار سياسي في المقام الأول يهدف إلى طي صفحة الماضي وبدء عهد جديد. كما أشار إلى أنَ أولويات الحكومة تشمل إعادة بناء المنازل المهدمة وتهيئة الظروف لعودة اللاجئين.
سوريا ليست الدولة الأولى التي تواجه تحديات مماثلة، ففي العراق تمَّ إصدار عملة جديدة عقب سقوط نظام صدام حسين، وهو ما ساعد في ترسيخ هوية جديدة للبلاد، كما أنّ دول الاتحاد السوفيتي السابق أيضًا اتبعت نهجًا مشابهًا بعد تفكك الاتحاد.
تغيير تصميم العملة يُعدّ رمزاً لمرحلة انتقالية، وهو ما شهدته دول أخرى مثل العراق؛ حيث تمَّ استبدال الدينار العراقي بعملة جديدة تخلو من رموز النظام السابق، وفي سوريا تُعتبر الأوراق النقدية التي تحمل صورة بشار الأسد رمزاً لفترة يرغب العديد من السوريين في تجاوزها.
رغم إعلان المركزي عن استمرار اعتماد الليرة بجميع فئاتها، إلَّا أنَّ الجدل حول مصير العملات التي تحمل صور الأسد مستمر، وفي هذا السياق، يؤكد المصرف أنَّ ودائع المواطنين آمنة، وأنَّه لم يتم سحب أي فئة من التداول حتى الآن، لكنّ لبخبراء يتوقعون أنَّ إصدار عملة جديدة قد يُرافقه سحب تدريجي للعملات القديمة.
رواتب أعلى أم تضخم أعمق؟ سوريا أمام مفترق اقتصادي
تأثير انهيار العملة على معيشة المواطنين
منذ عام 2011، شهدت الليرة السورية انهياراً متسارعاً أمام الدولار الأميركي، وفي بداية عام 2021 كان الدولار يساوي نحو 3 آلاف ليرة، لكنَّ العقوبات الاقتصادية أدَّت إلى تصاعد الأسعار؛ حيث وصلت إلى 16 ألف ليرة في ديسمبر 2024.
هذا التضخم أثَّر بشكل مباشر على حياة المواطنين، حتى أصبح شراء السلع الأساسية عبئاً كبيراً على معظم الأسر السورية، وعلى الرغم من أنّ رفع الرواتب بنسبة 400% قد يبدو خطوة إيجابية، إلا أنّه يثير التساؤلات حول مصدر تمويل هذه الزيادات، خاصةً مع محدودية الإيرادات الحكومية.
يعتقد الخبراء أنّ سوريا تحتاج إلى خطط اقتصادية مدروسة تُركز على مكافحة التضخم واستقطاب الاستثمارات الأجنبية لإعادة الإعمار، فمع أنّ تغيير الليرة السورية يُمكن أن يُشَكِّل بدايةً لعهد اقتصادي جديد، إلا أنّه يتطلب خطوات مدروسة تشمل ضمان استقرار الأسعار، وتوفير السيولة اللازمة، وضمان عدم تأثير التغيير سلباً على القوة الشرائية للمواطنين.
تغيير العملة: بين التحديات والفرص الاقتصادية
تغيير العملة يمثل فرصة لسوريا لتجاوز إرث الماضي وإعادة بناء الاقتصاد، لكنَّه يتطلب استقراراً سياسياً وأمنياً أولاً، إضافة إلى توفير بيئة تشريعية جاذبة للاستثمار، ولا شكّ في أنّ الخطوات التالية يجب أن تشمل إعادة بناء الثقة بين الحكومة والمواطنين، وتعزيز الشفافية في إدارة الموارد، وضمان الاستفادة المثلى من الدعم الدولي لإعادة الإعمار.
بالتزامن مع هذه الجهود، يجب أن تعمل سوريا على تنويع اقتصادها بعيداً عن الاعتماد على التحويلات الخارجية أو المساعدات، حيث إنّ الاستثمار في الزراعة، والصناعة، والطاقة المتجددة يمكن أن يكون مفتاحاً لتحقيق نمو مستدام.
ومع الإعلان عن خطط إصدار عملة جديدة ورفع الرواتب، تقف سوريا عند مفترق طرق اقتصادي، علمًا أنّ النجاح في هذه الخطوة يعتمد على قدرة الحكومة على تنفيذ سياسات مدروسة وشاملة.
التحديات كبيرة، لكن الفرص أيضاً لا تُعد ولا تُحصى، الأمر الذي يجعل المرحلة المقبلة اختباراً حقيقياً لمدى قدرة البلاد على تجاوز ماضيها وبناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.
اقرأ أيضًا: من يدفع رواتب السوريين في مرحلة ما بعد النظام؟
