يُشكل الطرح العام الثانوي لأسهم شركة أرامكو السعودية أحد أبرز الأحداث الجيواقتصادية في المنطقة؛ إذ تتجه بوصلة الاستثمار الدولي والمحلي نحو أضخم كيان طاقي مُدرج في الأسواق المالية، مدفوعة بفرص جني عوائد استثمارية نوعية ومستدامة.
وقد بدأت المملكة العربية السعودية خطواتها الفعلية لتلقي طلبات شراء أسهم تصل قيمتها الإجمالية إلى 13.1 مليار دولار، في خطوة تُصنف كأكبر عملية طرح على مستوى العالم منذ العام 2019؛ وهو العام الذي شهد الطرح العام الأولي لـ 1.5% من أسهم الشركة، محققاً آنذاك رقماً قياسياً تاريخياً بقيمة 25.6 مليار دولار.
كيف يستقطب طرح أرامكو الصناديق التريليونية؟
في هذا السياق، أكدت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، أن أرامكو تمثل عملاقاً للطاقة بمقاييس عالمية تتجاوز الحدود الإقليمية، وأوضحت أن هذا الطرح يسهم في تأهيل السوق المالية السعودية (تداول) لتصبح منصة ذات كفاءة رأسمالية عالية، قادرة على استيعاب وتدوير تدفقات استثمارية ضخمة لا تقف عند حدود المليارات بل تتعداها إلى التريليونات. وأضافت رمسيس أن هذه الخطوة ستعمل كقوة جاذبة لصناديق الاستثمار العالمية الكبرى -لا سيما من الأقطاب الاقتصادية كأمريكا والصين- بالتزامن مع إعادة التسعير السوقي للشركة وفقاً لمعطيات الطرح الجديد.
ووفقاً للبيانات الرسمية المنشورة على موقع البورصة السعودية (تداول)، يتكون الطرح الثانوي من 1.545 مليار سهم، ما يمثل حوالي 0.64% من أسهم الحكومة في الشركة، بنطاق سعري يتراوح بين 26.7 و29 ريالاً سعودياً للسهم الواحد. وتم تخصيص 154.5 مليون سهم لفئة المكتتبين الأفراد (ما يعادل 10% من إجمالي أسهم الطرح)، في حين حظيت فئة المؤسسات بالكتلة الكبرى البالغة 1.39 مليار سهم.
اقرأ أيضًا:
تخصيص 60% من طرح أرامكو السعودية لمستثمرين أجانب
أرامكو الأعلى من حيث الربحية بين شركات النفط
أبعاد الطرح في ظل تقلبات أسواق النفط العالمية
ربطت حنان رمسيس توقيت الطرح باستراتيجية المملكة لتوفير سيولة نقدية فورية تدعم تنفيذ المشاريع التنموية الكبرى، خاصة في قطاعات العقارات والسياحة؛ وهي الركائز التي تعول عليها الرياض للحد من الاعتماد الهيكلي على النفط. وتأتي هذه الخطوة في ظل التذبذبات السعرية للخام، وقرارات تحالف "أوبك بلس" بالخفض الطوعي للإنتاج للحفاظ على استقرار الأسواق في مواجهة تباطؤ نمو الطلب العالمي المؤثر على الاقتصادين الأمريكي والصيني.
وفي قراءة متطابقة، أشار خبير أسواق النفط ياسين أحمد إلى أن الطرح يدعم "رؤية المملكة 2030" عبر تنويع مصادر الدخل القومي؛ مبيناً أن تعزيز القوة التنافسية لأرامكو في السوق الدولية قد يحمل معه تغيرات استراتيجية في مستويات الإنتاج وآليات التسعير عالمياً.
ووصف أحمد التوقيت الحالي بالفرصة الاستثمارية المواتية لشراء أسهم الطاقة، مستنداً إلى مكرر ربحية جاذب عند 16 مرة، مؤكداً أن نجاح الاكتتاب يمثل ضخاً لسيولة دولارياً إضافية تدعم المتانة المالية للاقتصاد السعودي.
المتانة الهيكلية لأرامكو كصمام أمان للمستثمرين
من جانبه، شدد خبير أسواق المال حافظ سليمان على الأثر الإيجابي البالغ للطرح على عمق سوق الأسهم السعودية، معتبراً إياه نقلة نوعية تتزامن مع وجود مستويات سيولة عالمية تبحث عن قنوات آمنة ومربحة.
واستعرض سليمان الثقل التشغيلي لأرامكو باعتبارها أكبر شركة متكاملة للنفط والغاز في العالم؛ حيث تدير أضخم احتياطي نفطي مؤكد، وتنتج قرابة 10 ملايين برميل يومياً من النفط الخام.
وتتكامل هذه العمليات مع شبكة عالمية واسعة من المصافي ومنشآت البتروكيماويات، فضلاً عن ريادتها في مجالات البحث والتطوير التكنولوجي عبر مراكز بحثية متطورة تسعى لتحسين كفاءة الإنتاج وتقليل الأثر البيئي، إلى جانب التزامها ببرامج المسؤولية الاجتماعية المستدامة.
توقعات توزيعات الأرباح وحركة مؤشر السوق العام
على صعيد العوائد المالية، أفاد خبير أسواق المال حسام عيد بأن الحد الأعلى للنطاق السعري يضع صفقة أرامكو في المرتبة الرابعة كأكبر طرح عام ثانوي عالمياً منذ عام 2019.
وتوقع عيد أن يستفيد المستثمرون من توزيعات أرباح سنوية ضخمة تبلغ قيمتها الإجمالية 124 مليار دولار؛ إذ تشير تقديرات "بلومبرغ إنتليجنس" إلى أن عائد توزيعات الأرباح قد يصل إلى 6.6%، تذهب الحصة الأكبر منه للحكومة السعودية بصفتها المساهم الأكبر.
واختتم عيد بالإشارة إلى أن الطرح سينعكس إيجابياً على مؤشر "تاسي" العام من خلال جذب مستويات سيولة جديدة، متوقعاً أن يتجاوز حجم التغطية التقديرات الأولية نظراً للمكانة المحورية التي تتمتع بها الشركة محلياً ودولياً.
