اقتصاد كلي

    بعد تحرير سعر الصرف في مصر.. قطاعات مستفيدة وأخرى متضررة

    •آخر تحديث •6 دقائق
    بعد تحرير سعر الصرف في مصر.. قطاعات مستفيدة وأخرى متضررة

    أثار وصول الجنيه المصري إلى مستويات الـ 50 جنيهاً مقابل الدولار انقساماً في الرؤى التحليلية حول مآلات هذا القرار على القطاعات المختلفة؛ إذ يرى خبراء الاقتصاد وصناع القرار أن المشهد يحمل في طياته فرصاً وتحديات تتفاوت حدتها بحسب طبيعة كل نشاط وقدرته على المناورة المالية.

    وفي قراءة تحليلية لـ “Econpedia“، وصف الدكتور محمد كيلاني، أستاذ الاقتصاد وعضو جمعية الاقتصاد السياسي، القرار بأنه “سلاح ذو حدين”، موضحاً أن التأثير ليس موحداً بمسطرة على كافة الأصول، فالأصول التي تمتلك “قوة تسعيرية” وقدرة ذاتية على تدبير النقد الأجنبي تظل بمعزل عن الصدمات العنيفة، حيث تمتلك هذه الكيانات آليات مرنة لتعويض فروق الصرف من خلال دورات الإنتاج والبيع المباشر. وتأتي في مقدمة هذه القطاعات الصناعات التحويلية والقطاعات الإنتاجية، والقطاعات الخدمية الكبرى، وقطاع السلع الاستهلاكية المرتبط مباشرة بالمصنع.

    من زاوية أخرى، يقدم الدكتور وليد جاب الله، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد والإحصاء والتشريع، رؤية مغايرة تتشابك فيها المؤشرات الإيجابية والسلبية في آن واحد، متخذاً من “رحلات العمرة والحج” مثالاً شارحاً لهذا التباين.

    على حد تعبيره، ساهم القضاء على “السوق الموازية” في خفض التكلفة التي كانت تُسعر سابقاً بناءً على أرقام مضاربية مبالغ فيها، مما أدى إلى تراجع أسعار برامج العمرة ظاهرياً، لكن في المقابل أصبح تدبير مصروفات الجيب تحديًا للمواطن؛ إذ ارتفعت تكلفة الحصول على النقد الأجنبي من القنوات الرسمية (كشراء الريال السعودي) بنحو 60% بعد تحرك السعر الرسمي من مستويات الـ 31 جنيهاً إلى مشارف الـ 50 جنيهاً، ما يضع ميزانية المسافر تحت ضغط حقيقي رغم استقرار أسعار البرامج.

    عصر “الجنيه المرن”: من هي القطاعات التي ركبت موجة التعافي؟

    يرى مراقبون أن قرار تحرير سعر الصرف لم يكن مجرد إجراء نقدي اضطراري، بل كان مثل “قبلة حياة” لقطاعات استراتيجية كانت تعاني من الجمود. وفي هذا الصدد، يحدد الباحث الاقتصادي رامي الجالي ملامح المستفيدين من المشهد الجديد، واضعاً تحويلات المصريين بالخارج، والاستثمار الأجنبي المباشر، السياحة، والصادرات على رأس قائمة الرابحين.

    وتأتي أهمية هذا التحول بعد أن كشفت بيانات البنك المركزي عن تراجع تحويلات المغتربين إلى 22.1 مليار دولار في العام المالي (2022/2023) مقارنة بـ 31.9 مليار دولار في العام السابق؛ نتيجة ترقب السوق الموازية، وهو ما يُنتظر أن يتلاشى مع توحيد السعر الرسمي.

    اقرأ أيضًا: ما هو تعويم العملة وكيف يتم تطبيقه؟

    تنافسية التصدير وجاذبية الأصول

    من جانبه، يشير الدكتور أحمد سعيد البكل، أستاذ الاقتصاد بجامعة السويس، إلى أن خفض قيمة الجنيه منح “رصاصة انطلاق” للصادرات المصرية في الأسواق العالمية عبر تعزيز تنافسيتها السعرية. ولم يتوقف الأثر عند السلع، بل امتد ليشمل جاذبية الديون السيادية (السندات) واستقطاب رؤوس الأموال الأجنبية نحو قطاعات حيوية كالطاقة والبنية التحتية.

    هذا الزخم الاستثماري تدعمه أرقام رسمية تُظهر نمو الاستثمار الأجنبي المباشر ليتخطى حاجز الـ 10 مليارات دولار، بالتوازي مع قفزة نوعية في إيرادات السياحة التي سجلت 13.6 مليار دولار؛ مما يعكس استعادة القطاع لبريقه كأحد أهم روافد النقد الأجنبي.

    البورصة والقطاع المصرفي

    لم تكن المؤشرات المالية بمعزل عن هذا الحراك؛ فقد وصف خبراءٌ القرار بأنه شهادة استقلال كاملة للبنك المركزي وتنسيق أعمق مع السياسة المالية للدولة. وفي قلب هذا المشهد، تعيش البورصة المصرية حالة من “النشوة التاريخية”؛ حيث حلق المؤشر الرئيس EGX30 فوق مستويات الـ 33 ألف نقطة.

    وفي حديثه لـ “Econpedia”، يعزو محمود عطا، المدير التنفيذي لشركة “الصك” لتداول الأوراق المالية، هذا الأداء القياسي إلى تظافر عدة عوامل:

    • عقدة رأس الحكمة: التدفقات الإماراتية الضخمة التي وفرت غطاءً نقدياً للمناورة.
    • ثقة المؤسسات: تحول نظرة وكالات التصنيف الائتماني لمصر إلى “إيجابية”، ما أعاد الصناديق الأجنبية لساحة الشراء.
    • انتعاش الخدمات المالية: الاستفادة المباشرة للبنوك وشركات الخدمات المالية غير المصرفية من رفع الفائدة بواقع 600 نقطة أساس.

    ويختتم عطا رؤيته بالتأكيد على أن قطاعات البتروكيماويات، والأسمدة، والمواد الغذائية تظل هي “الفرس الرابح” في معادلة التعويم، لقدرتها على التصدير وتحقيق عوائد دولارية تضاعف من قيمتها الرأسمالية في ظل الواقع النقدي الجديد.

    اقرأ أيضًا: رأس الحكمة .. أكبر استثمار إماراتي في تاريخ مصر

    نهاية “كابوس” السوق الموازية وفرص التعافي

    اعتبر مجتمع الأعمال المصري أن تحرير سعر صرف الجنيه يمثل “حجر الزاوية” لاستعادة انضباط السوق الإنتاجي؛ إذ يرى المهندس عمرو فتوح، نائب رئيس لجنة الصناعة بجمعية رجال الأعمال المصريين، أن القرار جاء استجابة لمطلب ملحٍّ طال انتظاره للقضاء على “آفة” السوق السوداء التي أربكت حسابات المصنعين طيلة الأشهر الماضية.

    وأوضح فتوح في تصريحات خاصة لـ “Econpedia” أن الوفرة الدولارية الراهنة ستمنح المصانع ضوءاً أخضر للتوسع، مشيراً إلى أن التقييمات السابقة للإنتاج كانت تُبنى على مستويات وهمية للدولار تجاوزت حاجز الـ 73 جنيهاً، بينما تعكس الأسعار الحالية واقعاً أكثر استقراراً سيلتمس المواطن أثره في انخفاض أسعار السلع النهائية خلال فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر.

    ولم تقتصر رؤية “رجال الأعمال” على الاستقرار النقدي فحسب، بل تمتد للمطالبة بضخ فوائض العملة الأجنبية في مشروعات إنتاجية ذات عوائد مستدامة. ودعا فتوح إلى استنساخ نموذج “صفقة رأس الحكمة” في قطاع الصناعات التحويلية والمواد الخام، مؤكداً أن جذب استثمارات كبرى في هذا المسار هو الضمانة الوحيدة لتعميق التصنيع المحلي وتقليل فاتورة الاستيراد الاستنزافية.

    اقرأ المزيد: هل ينقذ تعويم الجنيه الاقتصاد المصري؟

    تحديات تنفيذ القرار

    رغم التفاؤل الصناعي تبرز مخاوف جدية لدى المحللين بشأن القطاعات ذات “التسعير الجبري”، فقد حذر الباحث الاقتصادي رامي الجالي من الضغوط التي سيواجهها قطاع الأدوية، كونه يعجز عن تمرير فروق سعر الصرف إلى المستهلك النهائي دون موافقة الجهات التنظيمية، مما يضع هوامش ربح الشركات واستمراريتها على المحك.

    وهو ما أيده الدكتور محمد كيلاني، عضو جمعية الاقتصاد السياسي، موضحاً أن أي قطاع تتدخل الدولة في آليات تسعيره سيقف عاجزاً أمام امتصاص صدمة انخفاض قيمة الجنيه، نظراً لغياب مرونة التحرك السعري لمواجهة ارتفاع تكلفة المدخلات المستوردة.

    وفي قراءة للمشهد الكلي، لفت الجالي الانتباه إلى الأثر الجانبي للقرار على المالية العامة للدولة؛ إذ من المتوقع أن يؤدي تحرير الصرف إلى زيادة ميكانيكية في القيمة الحقيقية للديون المقومة بالعملات الأجنبية، فضلاً عن تعميق عجز الموازنة نتيجة الارتفاع الحتمي في تكاليف التمويل وخدمة الدين، مما يضع الحكومة أمام اختبار صعب لتحقيق التوازن بين الإصلاح النقدي والاستقرار المالي.

    تحديات “الجنيه” تلاحق الموازنة والقطاع الخاص

    لم تكن الأرقام التي أعلنها وزير المالية، محمد معيط، بمعزل عن المشهد النقدي المرتبك؛ إذ كشف عن اتساع الفجوة في الموازنة العامة ليصل العجز الكلي إلى 6.7% من الناتج المحلي خلال الثمانية أشهر الأولى من العام المالي الجاري، صعوداً من 5% في الفترة ذاتها من العام الماضي. هذا التراجع الملحوظ عزاه الوزير بشكل مباشر إلى فاتورة الفوائد المرتفعة، التي أصبحت تلتهم جانباً كبيراً من الإيرادات العامة.

    معضلة “المدخلات المستوردة” وضغوط التكلفة

    في قراءة لتبعات تحرير سعر الصرف على حركة التجارة، قال الدكتور أحمد سعيد البكل، أستاذ الاقتصاد بجامعة السويس، إنّ الهبوط الحاد في قيمة الجنيه يضع الواردات في مواجهة مباشرة مع التضخم السعري، وأكّد أن القطاعين الصناعي والزراعي هما الأكثر عرضة لهذا الاهتزاز، نظراً لاعتمادهما الهيكلي على استيراد مستلزمات الإنتاج والمواد الخام، ما يعني قفزة إجبارية في تكلفة المنتج النهائي.

    وهو ما ذهب إليه أيضاً الدكتور محمد كيلاني، عضو جمعية الاقتصاد السياسي، مشدداً على أن الضرر سيبقى قائماً في كافة الحلقات الإنتاجية التي تعتمد على “المكون المستورد” كعنصر أساسي، وذلك إلى حين الوصول إلى نقطة تعادل جديدة تضبط التكلفة مع القوة الشرائية للمستهلك.

    الاستثمار العقاري.. بين مطرقة الفائدة وسندان التوسع

    من زاوية أسواق المال، يرصد محمود عطا، المدير التنفيذي لشركة “الصك”، وجهاً آخر للأزمة يتمثل في “تكلفة الأموال”؛ إذ يرى أن الشركات التي تعتمد في تمويلها بشكل كثيف على الاقتراض ستجد نفسها أمام عبء تمويلي خانق نتيجة رفع أسعار الفائدة بمستويات تاريخية.

    ويخص عطا القطاع العقاري كأحد أبرز المتضررين على المدى المتوسط والطويل؛ حيث إن ارتفاع الفائدة لا يرفع تكلفة التنفيذ والبناء فحسب، بل قد يشل الخطط التوسعية للشركات العقارية المثقلة بالديون، ويضعف من قدرة المطورين على تقديم تسهيلات ائتمانية للمشترين، مما قد يؤدي إلى حالة من التباطؤ في أحد أكثر القطاعات حيوية في الاقتصاد المصري.

    قد يهمّك أيضًا: مصر تغازل أموال أبنائها المغتربين