تقرير: باسل محمود
في يوم واحد فقط، تغيّرت قواعد اللعبة في الأسواق المالية العالمية، لتنتقل من نغمة الانهيار إلى نغمة الانتعاش التاريخي، ولم يكن ذلك بفعل نتائج شركات أو تحوّل في أساسيات الاقتصاد، بل بسبب جملة واحدة نطق بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، أعلن فيها تعليق الرسوم الجمركية الجديدة التي كانت مُزمعة على عدد من الشركاء التجاريين، بحسب بلومبرج.
النتيجة؟ قفزة لم يسبق لها مثيل في ثروات أغنى 500 شخص حول العالم، حيث ارتفعت ثروات المليارديرات بما مجموعه 304 مليارات دولار، يوم الأربعاء، وهو رقم لم يُسجّل من قبل في تاريخ مؤشر “بلومبرغ للمليارديرات”.
في جلسة واحدة، تحولت الخسائر التي كبّدت الأثرياء عشرات المليارات في الأيام السابقة إلى مكاسب أسطورية أعادت تشكيل مشهد الثروات العالمي.
تعليق مفاجئ للرسوم الجمركية يدفع الأسواق للانتعاش
تصريحات ترامب التي جاءت في منتصف جلسة الأربعاء فجّرت حالة من الابتهاج الفوري في الأسواق، فقد قفز مؤشر S&P 500 بأكبر وتيرة له منذ الأزمة المالية عام 2008، بينما صعد مؤشر “ناسداك المركّب” بأقوى أداء يومي له منذ أكثر من 24 عامًا.
قرار ترامب لم يكن مُتوقّعًا، خاصة بعد التصعيد الحاد في سياساته التجارية خلال الأسابيع الماضية، لكن هذا التراجع المفاجئ -ولو مؤقتًا- أعاد للأذهان سيناريوهات “التهدئة التكتيكية” التي استخدمها الرئيس الأمريكي في ولايته الأولى لتهدئة الأسواق بعد صدمات كبرى.
وفي المحصّلة، الرسالة التي التقطتها الأسواق كانت واضحة: الحرب التجارية مؤجلة، والمخاطر انخفضت مؤقتًا.
اقرأ المزيد في هذا التقرير: الليلة التي أشعل فيها ترامب أسواق الأسهم
ماسك يقود الموجة.. 36 مليارا في يوم
في قائمة المستفيدين، تصدّر إيلون ماسك المشهد؛ فالرئيس التنفيذي لشركة “تيسلا” أضاف إلى ثروته 36 مليار دولار في يوم واحد، بعد أن قفز سهم شركته بنسبة 23%، في انتعاش عوّض الخسائر التي تكبّدها سابقًا بسبب المخاوف من الرسوم على مكونات سيارات “موديل Y” المُصنّعة خارج الولايات المتحدة.
ماسك الذي كان في صدام علني مع ترامب بسبب سياسات الرسوم وجد نفسه أكبر الرابحين من قرار التهدئة نفسه، وفي هذا السياق، كتب في تغريدة مقتضبة على منصة “X”: “سوق حرة، مكاسب حقيقية”، في إشارة إلى انتصاره المرحلي في المواجهة التجارية.
في المركز الثاني، جاء مارك زوكربيرغ، مؤسس “ميتا”، الذي قفزت ثروته بنحو 26 مليار دولار مع ارتداد سهم شركته بقوة. كما شهد جينسن هوانغ، الرئيس التنفيذي لشركة “نفيديا”، مكاسب بلغت 15.5 مليار دولار بعد تعافي أسهم الشركة بنسبة 19%.
اقرأ تفاصيل أكثر حول خلاف الرسوم الجمركية المحتدم بين ماسك وترامب
قفزات مزدوجة في وادي السيليكون
سوق التكنولوجيا الأمريكية كانت المستفيد الأكبر من التراجع المفاجئ في التوترات التجارية؛ فبعد أيام من الضغط بسبب احتمال فرض رسوم على مكونات تأتي من الصين والهند، تنفّس المستثمرون الصعداء، لتسجّل أسهم الشركات التقنية الكبرى انتعاشة قلّ نظيرها.
حتى الشركات التي لم تكن في صدارة المشهد السياسي أو الإعلامي استفادت من الارتداد. على سبيل المثال، إرنست غارسيا الثالث، الرئيس التنفيذي لشركة “كارفانا”، حقق مكاسب نسبتها 25% في ثروته خلال يوم واحد، بزيادة 1.4 مليار دولار، في إشارة إلى اتساع قاعدة المستفيدين من موجة التفاؤل.
المليارديرات الآسيويون يحققون مكاسب ضخمة
الزخم الإيجابي لم يتوقف عند حدود وول ستريت، بل انتقل سريعًا إلى الأسواق الآسيوية خلال جلسة الخميس؛ حيث سجّل مليارديرات المنطقة مكاسب بالمليارات، وسط تدفقات استثمارية ضخمة على قطاعات التكنولوجيا والسلع الاستهلاكية.
- ماسايوشي سون، رئيس “سوفت بنك”، أضاف 1.7 مليار دولار إلى ثروته، لتصل إلى 11.7 مليار دولار.
- تشو تشونفاي، ثاني أغنى امرأة في الصين، قفزت ثروتها بنسبة 14.3% لتبلغ 9.5 مليار دولار.
- تاداشي ياناي، مؤسس “يونيكلو”، حقق مكاسب بلغت 3.5 مليار دولار.
- تشانغ كونغيوان، رئيس “هُوالي”، قفزت ثروته بنسبة 12.9% لتصل إلى 8 مليارات دولار.
هذه الأرقام تُظهر أنَّ انتعاش الأسواق لم يكن محصورًا في أمريكا، بل كان عالميًا بامتياز، مدفوعًا بالارتياح من تهدئة التوترات الأمريكية مع شركائها التجاريين.
أسوأ الأسابيع ينتهي بتعليق!
اللافت في هذا التحوّل، أنه جاء بعد أسبوع وُصف بأنه من أسوأ الأسابيع على الإطلاق لثروات المليارديرات منذ 2013، حيث أدت القرارات الجمركية السابقة لترامب إلى هبوط جماعي في الأسواق، وخسائر تجاوزت 200 مليار دولار خلال أيام قليلة.
لكن بمجرد إعلان تعليق الرسوم الجمركية انعكست المعادلة، فالثقة عادت إلى الأسواق، والمستثمرون عادوا للرهان على الأصول الخطرة، والمليارديرات حصدوا نتائج التحوّل الدراماتيكي في السياسات.
الرقم القياسي السابق لأكبر مكاسب يومية في ثروات الأثرياء كان 233 مليار دولار في مارس 2022، بعد رفع الفيدرالي للفائدة مع تطمينات بشأن متانة الاقتصاد الأمريكي، واليوم تحطّم هذا الرقم بفارق كبير، لتُسجّل 304 مليارات في جلسة واحدة.
ارتداد مؤقت أم بداية انتعاش؟
رغم حالة النشوة في الأسواق، يرى مراقبون أن هذه المكاسب قد لا تكون مستدامة، في ظل غياب وضوح طويل الأجل بشأن السياسة التجارية الأميركية، إذ لم يُعلن ترامب عن إلغاء الرسوم بل عن تعليقها، ما يعني أن شبح الحرب التجارية ما زال قائمًا. كما أن الأسواق باتت حساسة لأي تغيير في النغمة السياسية، وقد تعود إلى التراجع إذا صدر تصريح واحد يُغيّر اتجاه التوقعات.
في هذا السياق، كتب الخبير الاقتصادي محمد العريان على حسابه: “ما نراه ليس انتعاشًا حقيقيًا، بل ارتداد تقني مدفوع بتراجع التوترات.. لكن ما لم تتّضح خريطة الطريق للسياسات التجارية، فستبقى الأسواق في حالة هشّة”.
اقرأ أيضًا: تصعيد حاد.. الصين ترفع رسومها على أمريكا ردًا على تعريفات ترامب
كيف يجب أن تستعد الاقتصادات العربية؟
بالنسبة للاقتصادات الناشئة -خاصة العربية- فإن هذا التحوّل يُعد فرصة مؤقتة لإعادة ترتيب الأوراق، حيث إنّ ارتفاع شهية المخاطرة قد يدفع تدفقات مالية جديدة إلى الأسواق الناشئة، لكن استمرار هذه الفرصة يعتمد على استقرار السياسة التجارية الأمريكية.
على صعيد الأفراد، فإن ما حدث يُؤكد مجددًا أن الثروة العالمية تتغيّر بشكل سريع ومدفوع بقرارات سياسية، لا اقتصادية فحسب؛ فبينما تتراجع الأسواق بسبب فرض رسوم، تقفز بفعل تعليقها، ويُسجّل المليارديرات مكاسب لا تتحقق في أشهر.
في عالم مترابط يعتمد على الثقة والإشارات يمكن لتصريح واحد أن يُعيد تشكيل الثروات، فما حدث يوم الأربعاء لم يكن بسبب توقيع اتفاقيات أو إصدار نتائج أرباح استثنائية، كما لم يحدث اختراق تقني مفاجئ، كل ما حدث أن رجلًا في البيت الأبيض قال: “سنُعلّق الرسوم”.
قد يهمّك أيضًا: رسوم ترامب.. هل تحمي الاقتصاد أم تُشعل نار الأسعار؟
