أسواق السلع

    تعطل الملاحة في هرمز يهدد إمدادات الأسمدة العالمية

    •آخر تحديث •6 دقائق
    تعطل الملاحة في هرمز يهدد إمدادات الأسمدة العالمية

    ظهرت على السطح أزمة جديدة تواجه الأسواق العالمية في ظل تصاعد التوترات العسكرية في منطقة الخليج وتعطل الملاحة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية للتجارة العالمية، فلم تعد المخاوف مقتصرة على أسواق النفط والطاقة فحسب، بل امتدت لتشمل قطاعًا لا يقل أهمية وهو قطاع الأسمدة، الأمر الذي يهدد باضطراب سلاسل الإمداد الزراعية العالمية ويدفع بأسعار الغذاء نحو موجة جديدة من الارتفاع.

    وقد وصفت صحيفة نيويورك تايمز هذا السيناريو بأنه “مرعب”، محذرة من أنَّ استمرار تداعيات الحرب في منطقة الخليج قد يؤدي إلى انتقال الأزمة من أسواق الطاقة إلى أسواق الأسمدة، وهو ما قد ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي العالمي.

    الخليج مركز رئيس لصناعة الأسمدة

    تلعب دول الخليج دورًا محوريًا في منظومة إنتاج الأسمدة العالمية، حيث تعتمد صناعات الأسمدة في هذه الدول بشكل أساسي على الغاز الطبيعي الذي يتم تحويله إلى أسمدة نيتروجينية رئيسة مثل اليوريا والأمونيا، وتعد كل من السعودية وقطر والإمارات وإيران والبحرين من أبرز الدول المصدرة لهذه المنتجات الحيوية إلى الأسواق العالمية.

    وبحسب بيانات الاتحاد الدولي للأسمدة، فإنَّ مضيق هرمز يمثل ممرًا رئيسًا لنقل نسبة كبيرة من تجارة الأسمدة العالمية، حيث يمر عبره نحو ثلث إمدادات اليوريا العالمية، إضافة إلى ربع تجارة الأمونيا الدولية، فضلاً عن خُمس إنتاج الأسمدة الفوسفاتية.

    وبالتالي فإنّ أيَّ تعطيل طويل الأمد للملاحة في هذا الممر البحري الحيوي يعني أنَّ المزارعين في مختلف أنحاء العالم قد يجدون أنفسهم محرومين من المواد الأساسية التي تضمن استمرار الإنتاج الزراعي، إذ تساهم الأسمدة في إنتاج ما يقرب من 50% من الغذاء العالمي.

    قفزة قياسية في أسعار اليوريا

    بدأت مؤشرات الأزمة بالفعل في الظهور على أرض الواقع، ففي الثالث من الشهر الجاري أعلنت شركة قطر للطاقة توقف إنتاجها من اليوريا نتيجة تعطل إمدادات الغاز، وهو ما اعتبره مراقبون إشارة مبكرة على التأثير المباشر للأزمة في قطاع الأسمدة.

    وفي الوقت نفسه، انعكست هذه التطورات بسرعة على الأسعار في الأسواق العالمية، ففي مصر على سبيل المثال ارتفع سعر طن اليوريا من 485 دولارا إلى 665 دولارا خلال أسبوع واحد فقط، مسجلًا زيادة بلغت نحو 37%.

    ويشير هذا الارتفاع الحاد إلى حساسية الأسواق العالمية لأي اضطراب في إمدادات الأسمدة، خاصة في ظل تزايد الطلب العالمي على المنتجات الزراعية.

    اقرأ أيضًا: صناعة الأسمدة في مصر.. إلى أين؟

    الدول الأكثر تأثرًا

    تعد الهند من أكثر الدول عرضة لتداعيات هذه الأزمة، إذ إنّها تستورد نحو 40% من احتياجاتها من الأسمدة من الشرق الأوسط، وهو ما يجعلها شديدة الحساسية لأي اضطراب في الإمدادات القادمة من المنطقة.

    ولا تقتصر التداعيات على الهند وحدها، بل تمتد إلى العديد من الدول الإفريقية التي يعتمد ملايين المزارعين فيها على الأسمدة المستوردة لتعزيز إنتاجهم الزراعي، لا سيّما أنّ الأنظمة الزراعية في العديد من هذه الدول تعاني من ضعف التمويل وقلة الموارد، ما يجعلها أكثر عرضة لتأثير ارتفاع أسعار الأسمدة أو نقصها في الأسواق.

    وفي حال استمرار الأزمة، قد يجد المزارعون أنفسهم أمام خيارين صعبين؛ إما شراء الأسمدة بأسعار مرتفعة تفوق قدرتهم المالية، أو تقليل استخدامها، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض الإنتاج الزراعي.

    الأزمة تمتد إلى الكبريت والصناعات العالمية

    لا تقتصر تداعيات تعطل الملاحة في مضيق هرمز على الأسمدة النيتروجينية فقط، بل تمتد أيضًا إلى الكبريت، وهو أحد المكونات الأساسية في صناعة الأسمدة الفوسفاتية.

    وتشير التقديرات إلى أن نحو نصف تجارة الكبريت العالمية أصبحت عالقة بسبب تعطل الملاحة في المضيق، وهو ما قد ينعكس بشكل مباشر على عدد من الصناعات الحيوية حول العالم.

    ومن المتوقع أن يؤثر هذا الوضع على صناعة الفوسفات في المغرب، وكذلك على إنتاج النيكل في إندونيسيا، إضافة إلى صناعة الأسمدة في الصين التي تعتمد بدرجة كبيرة على استيراد الكبريت من الخارج.

    تأتي هذه التطورات في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للقطاع الزراعي العالمي، إذ تقترب مواسم الزراعة الربيعية في النصف الشمالي من الكرة الأرضية، وفي هذه الفترة يعتمد المزارعون بشكل كبير على توفر الأسمدة لضمان إنتاج جيد للمحاصيل.

    ويحذر الخبراء من أن عدم تمكن المزارعين من شراء الأسمدة في الوقت المناسب قد يؤدي إلى انخفاض الإنتاج الزراعي في المواسم المقبلة، وهو ما قد يتحول سريعًا إلى أزمة غذاء عالمية.

    اقرأ أيضًا: الحرب في الشرق الأوسط.. مخاوف من اتساع عجز الموازنات

    كيف ترفع تكاليف الشحن فاتورة الغذاء العالمي؟

    الدكتور ياسر حسين، الخبير الاقتصادي، يرى أن التركيز العالمي خلال الفترة الماضية كان منصبًا بشكل كبير على أسعار النفط والغاز، بينما لم تحظَ الأسمدة بالاهتمام الكافي رغم أهميتها الكبيرة للأمن الغذائي العالمي.

    وأوضح أن ما بين 20 و30% من الاحتياجات العالمية من الأسمدة تمر عبر مضيق هرمز، وأن دول الشرق الأوسط، وعلى رأسها قطر ودول الخليج الأخرى، توفر جزءًا كبيرًا من هذه الإمدادات.

    وأشار إلى أن الصدمة الأولى في الأسعار لم تكن نتيجة نقص فعلي في الإنتاج الزراعي، بل كانت في الأساس صدمة لوجستية مرتبطة بارتفاع تكاليف النقل والشحن والتأمين، نتيجة المخاطر المرتبطة بالملاحة في المضيق، إلا أن هذه العوامل اللوجستية كفيلة بدفع الأسواق إلى رفع الأسعار تحسبًا لأي نقص محتمل في الإمدادات خلال الفترة المقبلة.

    وأكد الخبير أن ارتفاع أسعار الأسمدة غالبًا ما ينعكس مباشرة على سلاسل توريد الغذاء، لأن المزارعين يعتمدون عليها بشكل كبير لزيادة إنتاجية المحاصيل، وفي حال ارتفاع الأسعار بشكل كبير، قد يضطر المزارعون إلى تقليل استخدام الأسمدة أو البحث عن بدائل أقل كفاءة، وهو ما قد يؤدي إلى انخفاض الإنتاج الزراعي أو تراجع جودة المحاصيل.

    كما أن تأخر عمليات الشحن وصعوبة وصول الأسمدة إلى الأسواق قد يؤديان إلى نقص فعلي في هذه المنتجات، الأمر الذي قد يؤخر عمليات الزراعة ويؤثر على الإنتاج الزراعي في عدد كبير من الدول.

    قد يهمّك أيضًا: هل ينجح الإفراج عن الاحتياطي النفطي في كبح ارتفاع أسعار النفط؟

    هل تستطيع الصين وروسيا سد فجوة إمدادات الخليج؟

    أشار حسين، إلى أن استمرار الأزمة قد يؤدي إلى خسائر اقتصادية ضخمة قد تصل إلى مليارات الدولارات، خاصة في الدول التي تعتمد بشكل كبير على استيراد الأسمدة، وقد تضطر الحكومات في هذه الدول إلى تقديم دعم مالي للمزارعين أو إعانات لتخفيف تأثير ارتفاع الأسعار، وهو ما قد يشكل ضغطًا إضافيًا على ميزانياتها العامة.

    ورغم إمكانية البحث عن مصادر بديلة للأسمدة من دول أخرى مثل روسيا أو الصين، فإن هذه الخيارات تبقى محدودة، فالصين تعد بالفعل من أكبر منتجي الأسمدة في العالم وتؤمن نحو ثلث سلاسل الإمداد العالمية، لكنها في الوقت نفسه تستهلك كميات كبيرة محليًا، كما أن لديها سياسات خاصة بتنظيم صادراتها.

    بالإضافة إلى أنَّ سد الفجوة الناتجة عن تعطل الإمدادات من الشرق الأوسط لن يكون أمرًا سهلاً، إذ قد تحتاج الأسواق العالمية إلى تعويض ما بين 30% و40% من الإمدادات الدولية، وهي فجوة يصعب على أي دولة واحدة أو حتى عدة دول سدها بسرعة.

    إلى جانب ذلك، حذَّر الخبير من أن استمرار تعطل الإمدادات في مضيق هرمز لفترة طويلة قد يؤدي إلى انتقال الأزمة من أسواق الأسمدة إلى أسواق الغذاء بشكل مباشر، فإذا تراجع الإنتاج الزراعي نتيجة نقص الأسمدة أو ارتفاع أسعارها، فإن ذلك سينعكس سريعًا على أسعار الغذاء في الأسواق العالمية.

    كما لفت إلى أنَّه في ظل ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، قد يجد المستهلكون حول العالم أنفسهم أمام موجة جديدة من التضخم الغذائي، الأمر الذي قد يزيد الضغوط الاقتصادية على العديد من الدول، خاصة الدول النامية.

    واختتم الخبير تصريحاته، بالتأكيد على أن استمرار الأزمة في مضيق هرمز قد يشكل أحد أكبر التحديات التي تواجه الأمن الغذائي العالمي في السنوات الأخيرة، لأن اضطراب هذا الممر البحري الحيوي لا يهدد فقط إمدادات الطاقة، بل يمتد تأثيره إلى واحدة من أهم ركائز استقرار الاقتصاد العالمي.

    اقرأ أيضًا: تكلفة الضربات الأمريكية على إيران تتجاوز 6 مليارات