وصلت أزمة صناديق الاستثمار في تركيا إلى اعتقال رئيس مجلس إدارة "تيرا ياتيريم هولدينغ"، إمره تيزمن، احتياطياً، بينما يترقب أكثر من 455 ألف مستثمر مصير أموالهم في 131 صندوقاً استثمارياً تقررت تصفيتها.
وتكشف الأزمة مخاطر استثمارات ارتفعت قيمتها مع صعود الأسهم، ثم واجهت صعوبة في تحويل هذه المكاسب إلى سيولة عندما طلب المستثمرون استرداد أموالهم.
وشمل قرار الحبس عضوي مجلس إدارة "تيرا"، كرم ألكين وإمره ألكين، ومدير عام "تيرا بورتفوي" ألبير أوزتورك، ورئيس مجلس إدارة "بوسولا" سردار تورهان، ضمن تحقيقات في معاملات بسوق المال، وجاء القرار بعد استجوابهم أمام النيابة في تركيا وإحالتهم إلى القضاء، فيما تستمر التحقيقات لتحديد المسؤوليات.
كيف تضخمت قيمة صناديق الاستثمار؟
تركزت استثمارات الصناديق محل التحقيق في أسهم ضعيفة السيولة ومحدودة التداول الحر، أي أن الكمية المتاحة منها للبيع والشراء في السوق صغيرة نسبياً، وفي هذه الحالة، تستطيع مشتريات محدودة رفع السعر بصورة كبيرة، لكن بيع كميات مماثلة قد يدفعه إلى الهبوط بالسرعة نفسها.
ووفق خبراء ماليين راجعوا المعاملات، استخدمت بعض الصناديق الأسهم التي تمتلكها ضمانات للحصول على قروض قصيرة الأجل، ثم أعادت استثمار التمويل في الأسهم نفسها.
وتزيد هذه الممارسة اعتماد الصندوق على استمرار ارتفاع الأسعار، فصعود السهم يرفع قيمة المحفظة والضمانات، ويتيح مجالاً لاقتراض إضافي، بينما يضاعف الاقتراض حجم الأموال المعرضة للخسارة إذا انعكس اتجاه السوق، وهنا تظهر مشكلة التقييم، فالسعر الذي تسجله آخر صفقة على سهم ضعيف التداول، قد يصعب الحصول عليه عند بيع حصة كبيرة منه، ولذلك يمكن أن تبدو المحفظة رابحة على الورق، مع صعوبة تسييلها بالقيمة المعلنة.

طلبات الاسترداد تكشف الاختلال في تركيا
برزت أزمة السيولة في 16 سبتمبر الجاري، عندما أعلنت "تيرا" تعثر سداد مستحقات الاسترداد في صندوقين، أحدهما لسوق النقد والآخر للأسهم، ويعني ذلك أن طلب المستثمرين تحويل وحداتهم إلى أموال واجه عجزاً عن السداد في الموعد المحدد.
اقتصادياً، يفسر ضعف السيولة كيف يمكن أن تتفاقم المشكلة، فلتلبية طلبات الاسترداد، يحتاج الصندوق إلى بيع أصول، لكن البيع المكثف يضغط على أسعارها، فتتراجع قيمة المحفظة ويزداد قلق المستثمرين، بما قد يدفع مزيداً منهم إلى طلب الخروج.
وكانت هيئة أسواق رأس المال التركية قد أعلنت في 28 أغسطس الماضي، تعديلات على قواعد الصناديق، تستهدف الحد من مخاطر الاقتراض غير المضمون بين الأطراف المرتبطة، وتحركات الأسعار غير المعتادة، والتلاعب عبر الصناديق، مع منح فترات انتقالية للامتثال، وتوضح هذه الإجراءات أن المخاطر كانت موضع متابعة قبل إعلان تعثر السداد.
اقرأ أيضاً: عاصفة سياسية واقتصادية تضرب تركيا وتربك أردوغان
تحقيقات في الأموال وأساليب شبيهة بـ"بونزي"
امتدت التحقيقات إلى تتبع الأموال، مع فرض قيود تحفظية على التصرفات التي تخفض أصول مسؤولين في شركات مالية، وبعض أزواجهم وأقاربهم، وطلب المدعون سجلات التحويلات المالية والعملات المشفرة إلى الخارج منذ 2024، للتحقق مما إذا كانت أصول قد نُقلت خارج تركيا.
وقال وزير العدل التركي، إن السلطات تحقق في ادعاءات تتعلق بأساليب شبيهة بـ"بونزي"، وهو وصف يرتبط بمخططات تُستخدم فيها أموال المستثمرين الجدد لسداد مستحقات مستثمرين سابقين، ويظل هذا الوصف ضمن الاتهامات والتحقيق الجاري.
في المقابل، أعلنت "بولز ياتيريم" الإفراج عن رئيس مجلس إدارتها، كمال أكايا، بعد الإدلاء بأقواله، وقالت إنه نفى أمام النيابة مشاركة الشركة في هياكل صناديق "بونزي" أو المخططات التسلسلية.
اقرأ أيضاً: لماذا ينسحب المستثمرون الأمريكيون من صناديق الأسهم؟
التصفية تبدأ.. وحصيلة البيع تحدد ما يعود للمستثمرين
قررت الهيئة الرقابية في 17 سبتمبر تصفية 131 صندوقاً تديرها سبع شركات، وأكدت في بيان بتاريخ 23 سبتمبر أن عدد المستثمرين فيها يبلغ 455,758 مستثمراً، وفق سجلات مؤسسة الإيداع المركزي، بعد استبعاد تكرار الأشخاص الذين يستثمرون في أكثر من صندوق.
ومددت الهيئة مهلة التصفية من ثلاثة أشهر إلى ستة، لإتاحة بيع الأصول في ظروف أفضل تراعي طبيعة المحافظ وأوضاع السوق، مع إمكانية إتمام العملية قبل انتهاء المهلة.
وتجري العملية وسط ضغط واسع على الأسهم، إذ تراجع مؤشر بورصة إسطنبول لجميع الأسهم بنحو 12% منذ بداية الأسبوع الماضي، وخسر نحو 50 سهماً داخله 40% أو أكثر خلال الفترة نفسها.
وبالنسبة للمستثمرين، ستحدد الأسعار الفعلية التي تُباع بها الأصول حصيلة التصفية وحجم المبالغ الممكن استردادها، أما المكاسب السابقة المسجلة في حساباتهم، فلا تضمن وحدها توفر الأموال اللازمة للسداد.
