اقتصادات عالمية

    ترامب يهدد كندا برسوم 100%.. جدار جمركي بوجه الصين

    •آخر تحديث •5 دقائق
    ترامب يهدد كندا برسوم 100%.. جدار جمركي بوجه الصين

    في لحظة بدا فيها الترابط بين سلاسل الإمداد العالمية أقوى من أي وقت مضى، أقدم دونالد ترامب على إعادة رسم الخريطة بخط أحمر واضح يمنع مرور الصين عبر كندا، حيث لم يكن تهديده بفرض تعريفة جمركية تصل إلى 100% على السلع الكندية في حال أقدمت أوتاوا على إبرام اتفاق تجاري مع بكين مجرد تصريح انتخابي أو مناورة تفاوضية عابرة.

    عكست تصريحات ترامب بوضوح التحول في السياسة التجارية الأمريكية من منطق التنافس الاقتصادي التقليدي إلى منطق الردع الجيو-اقتصادي المباشر، حيث تحوّلت الرسوم الجمركية من أداة للحماية إلى وسيلة لوقف أي إعادة تشكيل للتحالفات التجارية وخنق المحاولات التي قد تمنح الصين نفاذًا تجاريًا عبر أطراف ثالثة.

    دلالات الرقم 100%.. رقم بحمولة سياسية

    في القاموس التجاري، تعريفة بنسبة 100% تعني الإغلاق شبه الكامل للسوق، فهي ليست مجرد زيادة هامشية أو ورقة تفاوضية تقليدية، بل تمثل تهديدًا وجوديًا للاقتصاد المستهدف.

    وحين يلوح ترامب بهذا الرقم في وجه كندا، فإنه يرسل رسالة مزدوجة واضحة، الأولى إلى أوتاوا مفادها أن أي انفتاح على الصين خارج المظلة الأمريكية سيكلفها سوقها الأكبر، والثانية إلى بكين تحذر من أن محاولات بناء شراكات تجارية بديلة في الجوار الأمريكي ستواجه جدارًا جمركيًا صلبًا.

    الحاصل أنّ هذا الرقم يختصر فلسفة ترامب التجارية بالكامل، حيث لا يوجد وسط بين الخيارات، إما الانطواء تحت النظام التجاري الذي تقوده واشنطن أو تحمل كلفة الانفصال عنه.

    موازنة الاعتماد على واشنطن مع طموحات الشراكة الصينية

    تواجه كندا معادلة دقيقة، فهي تعتبر الولايات المتحدة سوقها التصديرية الأهم والجار الذي لا يمكن استبداله بسهولة، وفي المقابل تمثل الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم ومصدرًا محتملاً لتدفقات استثمارية وفرص تنويع تجاري في زمن يتسم بتباطؤ النمو العالمي.

    ولم تأتِ تصريحات رئيس الوزراء مارك كارني التي وصف فيها الصين بـ”الشريك الموثوق ويمكن التنبؤ به” من فراغ، إذ تعكس السعي لاستغلال هذه الفرص بحذر ضمن سياق عالمي متغير.

    ومثل كثير من الاقتصادات المتوسطة تسعى أوتاوا إلى الحفاظ على هامش مناورة يخفف من الاعتماد المفرط على طرف واحد، لكنّ هذا الهامش يصطدم بحدود القوة الأمريكية، حيث يتحول أي مسعى للتنويع ذاته إلى موضع اشتباه ويواجه قيودًا صعبة في ظل السياسة التجارية لواشنطن.

    الصين في قلب المشهد دون أن تتكلم

    اللافت في هذا التصعيد أن الصين حاضرة بوصفها الهدف الضمني وليس الطرف المتكلم، فبكين لم تصدر رداً مباشراً، لكنها تدرك أن الضغط على كندا يمثل جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى منعها من توسيع نفوذها التجاري في محيط الولايات المتحدة.

    ومن المنظور الصيني، لا تعتبر كندا مجرد سوق، بل بوابة تكنولوجية ومواردية وشريكاً في سلاسل قيمة متقدمة، وأي اتفاق تجاري معها يحمل بعداً استراتيجياً، وهو ما يفسر حساسية واشنطن المفرطة تجاه أي خطوة نحو تقوية العلاقات الاقتصادية بين أوتاوا وبكين.

    اقرأ أيضًا: الصين وأمريكا.. من وهم الشراكة إلى حرب النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي

    الهاجس الأمريكي من دخول البضائع الصينية عبر الحدود الكندية

    جوهر التصعيد الأمريكي يتمثل في هاجس واحد يتمثل في التحايل عبر الجوار، إذ تخشى واشنطن أن تتحول كندا إلى ما وصفه ترامب بـ”ميناء إسقاط” للبضائع الصينية، مما يسمح لها بدخول السوق الأمريكية متخفية خلف اتفاقات تجارة حرة قائمة.

    هذا السيناريو ليس جديدًا في تاريخ الحروب التجارية، لكنه يصبح أكثر حساسية اليوم في ظل تشابك سلاسل التوريد وتعدد مسارات التصنيع الجزئي، ومن منظور إدارة ترامب فإن السماح لكندا بتوقيع اتفاق مع الصين دون رد رادع يعني فتح ثغرة واسعة في جدار الرسوم الذي بُني على مدى سنوات، لذلك جاء التهديد قاسيًا ومباشرًا لإغلاق أي مجال للتجريب ومنع أي تجاوز للسيطرة الأمريكية على الأسواق.

    كيف يستخدم ترامب الرسوم لإعادة ضبط ولاء الحلفاء؟

    ما يحدث هنا يتجاوز حدود التجارة ليصبح تسييسًا كاملًا للرسوم الجمركية، إذ لم تعد هذه الرسوم مجرد رد على عجز تجاري أو أداة لدعم حكومي، بل تحولت إلى وسيلة لإعادة ضبط السلوك السياسي للحلفاء، ما يعكس رؤية ترامب للعلاقات الدولية بوصفها صفقات صفرية حيث يعني الربح لطرف خسارة للآخر، والحياد غير مقبول.

    ويأتي انسحاب دعوة كندا للانضمام إلى مبادرة “مجلس السلام” بعد انتقادات كارني لاستخدام الاندماج الاقتصادي كسلاح ضمن هذا السياق نفسه، ليؤكد أن السياسة التجارية أصبحت أداة مباشرة للتحكم في التحالفات والتصرفات الدولية.

    على المدى القصير، يخلق التهديد حالة تجمد سياسي، فكندا ستفكر ملياً قبل الإقدام على أي خطوة قد تستفز واشنطن، خاصة في ظل عدم اليقين التجاري العالمي، والمستثمرون يقرؤون الرسالة أيضًا، فالمخاطرة الجيوسياسية أصبحت عنصرًا حاسمًا في تقييم الفرص.

    لكن على المدى المتوسط، يفتح هذا النهج تساؤلات أوسع: إلى أي مدى يمكن للولايات المتحدة فرض فيتو غير معلن على خيارات شركائها؟ ومتى يتحول الضغط إلى عبء على الثقة نفسها التي يقوم عليها التحالف الغربي؟

    اقرأ أيضًا: طفرة نفط فنزويلا المرتقبة.. كندا في الواجهة

    كلفة التصعيد على الجميع

    التعريفة بنسبة 100% لا تستهدف كندا وحدها، إذ تعني سلاسل الإمداد المتداخلة أن الشركات الأمريكية نفسها قد تتحمل جزءًا من الكلفة، سواء عبر ارتفاع أسعار المدخلات أو فقدان موردين قريبين جغرافيًا، كما أن تصعيدًا بهذا الحجم قد يدفع كندا إلى تسريع بحثها عن بدائل بعيدة المدى حتى لو كانت مكلفة في البداية.

    وفي الوقت ذاته يضيف هذا التهديد طبقة جديدة من عدم اليقين إلى التجارة العالمية في لحظة تشهد فيها الاقتصادات الكبرى تباطؤًا وتراجعًا في شهية المخاطرة، والرسالة الأعمق في هذا المشهد هي أن العالم يتجه نحو كتل تجارية مغلقة نسبيًا حيث يُطلب من الدول الاختيار لا التوازن.

    وكندا بحكم موقعها الجغرافي والاقتصادي تجد نفسها في قلب هذا التحول، وخيارها لن يكون اقتصاديًا خالصًا بل سياسيًا بامتياز، كما أن الدعوة التي وجهها كارني في دافوس لاستقطاب الاستثمارات الصينية عكست رغبة في لعب دور الجسر، بينما يريد ترامب أن تكون الجسور باتجاه واحد فقط.

    ماذا تكسب واشنطن؟

    من منظور إدارة ترامب، هذا التصعيد يعزز صورة الحزم ويمنع تسرب النفوذ الصيني، كما أنه يبعث برسالة ردعية لبقية الحلفاء، مفادها أنّ أي محاولة للالتفاف ستُواجَه بعقوبة قصوى، وهذا قد يحقق انضباطًا قصير الأجل داخل المعسكر الغربي، لكنه في الوقت ذاته يحمل مخاطره أيضًا، فالإفراط في استخدام الرسوم كسلاح قد يُسرّع من محاولات الآخرين بناء أنظمة تجارية ومالية أقل اعتمادًا على الولايات المتحدة، حتى لو استغرق ذلك سنوات.

    بالنسبة لأوتاوا فالخيارات أمامها محدودة، لكنها ليست معدومة، حيث يمكنها تجميد أي مفاوضات علنية مع بكين، مع الإبقاء على قنوات غير رسمية، كما يمكنها أيضًا محاولة انتزاع استثناءات أو تفاهمات ثلاثية تخفف من حدة الصدام، ولكن أي مسار ستختاره سيكون مكلفاً، إما اقتصادياً أو سياسياً.

    تهديدات ترمب بفرض رسوم 100% على كندا بسبب الصين ليس حدثًا معزولًا، بل فصل جديد في قصة إعادة تشكيل النظام التجاري العالمي، وهنا تتحول الأرقام إلى أدوات ردع، وتصبح الاتفاقات التجارية اختبارات ولاء، وكندا وجدت نفسها بين المطرقة الأمريكية والطموح الصيني، فيما يقف العالم يراقب كيف تُستخدم التجارة لرسم السياسة.

    قد يهمّك أيضًا: هل ينهار حلف الناتو؟ تصريحات ترامب تعيد طرح مستقبل التحالف الأطلسي