شنّ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب هجومًا حادًا على مجموعة بريكس التي تضم في عضويتها 11 دولة، من أبرزها البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا، مهددًا بفرض رسوم جمركية إضافية بنسبة 10% على الدول التي تنسجم سياساتها مع توجهات المجموعة.
وفي منشور على منصته الخاصة “تروث سوشيال”، كتب ترامب: “أي دولة تصطف مع سياسات مجموعة بريكس المعادية للولايات المتحدة، ستواجه رسومًا جمركية إضافية بنسبة 10%، ولن تكون هناك استثناءات لهذه السياسة”.
لم يتوقف ترامب عند هذا الحد، بل أعلن في منشور لاحق عزمه البدء بإرسال رسائل رسمية اعتبارًا من يوم الاثنين إلى عدد من الدول، يحثها فيها على التوصل إلى اتفاقات تجارية ثنائية مع واشنطن، ملوّحًا بفرض رسوم جمركية مرتفعة على صادراتها في حال الرفض، وفق ما نقلته وكالة الصحافة الفرنسية.
قمة بريكس في ريو ترد على سياسات ترامب التجارية
بالتزامن مع هذه التصريحات، كان قادة مجموعة بريكس يعقدون قمتهم السنوية في مدينة ريو دي جانيرو البرازيلية، حيث أصدروا بيانًا مشتركًا في يومها الأول، عبّروا فيه عن استيائهم من السياسات التجارية الأمريكية، لا سيما الرسوم الجمركية التي فرضها ترامب على شركاء بلاده.
وقال البيان: “نشعر بقلق بالغ إزاء تصاعد الإجراءات الجمركية وغير الجمركية التي تشوه التجارة العالمية”، وقد اعتبر القادة أن هذه الإجراءات “غير قانونية وتعسفية”، وتهدد بتقليص التجارة الدولية، وتعطيل سلاسل الإمداد، وخلق حالة من عدم اليقين في النشاط الاقتصادي العالمي.
وتضم مجموعة بريكس الموسعة دولاً تمثل نحو نصف عدد سكان العالم، وتساهم بأكثر من 40% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وبينما تتمتع المجموعة بنفوذ متصاعد في الشؤون الاقتصادية الدولية، فإن قادتها يحرصون على عدم توجيه انتقادات مباشرة إلى الولايات المتحدة، خاصة أن عددًا من الأعضاء منخرطون في مفاوضات تجارية نشطة مع واشنطن.
اقرأ أكثر حول تفاصيل قمة مجموعة بريكس في ريو دي جانيرو
ترامب يصعّد ضد بريكس ويهدد برسوم إضافية
من جانبه، أكَّد وزير الخزانة الأمريكي، سكوت بينسنت، أنَّ تطبيق الرسوم الجديدة سيبدأ في الأول من أغسطس، إذا لم تبرم الدول المستهدفة اتفاقيات تجارية جديدة مع الولايات المتحدة، وقد شملت قائمة الدول المعنية كلًا من تايوان، ودول الاتحاد الأوروبي.
وكان ترامب قد أحدث صدمة في الأسواق العالمية خلال أبريل الماضي، عندما أعلن عن رفع كبير للرسوم الجمركية على جميع الشركاء التجاريين الذين يسجلون فائضًا مع الولايات المتحدة، وتراوحت الرسوم بين 10% كحد أدنى و50% كحد أقصى، قبل أن يعلّق تنفيذ القرار مؤقتًا حتى التاسع من يوليو، لإفساح المجال أمام مفاوضات ثنائية.
بريكس تعيد رسم ملامح النظام الاقتصادي العالمي
علق الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، على الأزمة قائلاً إن “مجموعة بريكس باتت تفرض واقعًا جديدًا في النظام العالمي، مستفيدة من توسعها الجغرافي، وضم دول جديدة مثل إندونيسيا، وتعزيز شراكات استراتيجية في آسيا، وأفريقيا، وأمريكا اللاتينية”.
وأوضح الشوربجي أنَّ هذا التقدم يعكس سعي “الجنوب العالمي” للتحرر من القطبية الأحادية التي تهيمن عليها الولايات المتحدة منذ الحرب الباردة، ما يجعل من رد الفعل الأمريكي، بما فيه تهديد ترامب، مؤشرًا على قلق حقيقي داخل واشنطن من تآكل الهيمنة الاقتصادية.
وقال: “تهديد ترامب بفرض رسوم على الدول الداعمة لبريكس ليس مجرد تصريح عابر، بل هو أداة ردع سياسية واقتصادية تهدف إلى منع الدول النامية من الانضمام إلى تحالفات بديلة للنظام الغربي”، مٌضيفًا أنَّ هذه السياسات تندرج ضمن فلسفة “الحمائية الاقتصادية” التي ميّزت فترة حكم ترامب، وتستند إلى أدوات مثل العقوبات الجمركية وفرض الكلفة الاقتصادية على الخارجين عن الإطار الغربي.
اطّلع على ملامح مساهمة دول بريكس فى تشكيل مستقبل الأسواق العالمية
تهديدات ترامب تُربك الأسواق وتعزز عدم اليقين
يرى الشوربجي أن مجرد التهديد بفرض الرسوم كافٍ لخلق حالة من الضبابية في الأسواق، ما يدفع الشركات العالمية لإعادة تقييم استراتيجياتها، وقد يحدّ من تدفق الاستثمارات نحو الدول الناشئة، وكلما ازدادت حالة عدم اليقين ازدادت التكلفة الاقتصادية على الجميع، بما في ذلك الشركات الأمريكية نفسها.
والخبير أشار إلى أنَّ قمة ريو دي جانيرو شكلت تحولًا واضحًا في دور “بريكس”، التي أصبحت تقدم نفسها كبديل جاد لمنظومة المؤسسات الغربية التقليدية مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي.
وشدد الإعلان الختامي للقمة على ضرورة إصلاح مجلس الأمن الدولي، وتعزيز تمثيل الدول النامية، ووضع قواعد تنظم الذكاء الاصطناعي، بما يضمن عدم احتكار التكنولوجيا من قبل الدول الغنية.
كما تناولت القمة موضوعات بيئية وتنموية مثل تمويل المناخ، وتوسيع الوصول إلى الخدمات الصحية، وهو ما يعكس اتساع نطاق عمل المجموعة ليشمل ملفات التنمية المستدامة والتقنيات الحديثة.
غياب قادة مؤثرين وصمت دبلوماسي في قمة ريو
شهدت القمة غياب الرئيس الصيني للمرة الأولى منذ 12 عامًا، ما أثار تساؤلات حول الدور الصيني داخل المجموعة، لا سيما في ظل التحديات الإقليمية، كما غاب الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسبب مذكرة توقيف أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بحقه على خلفية ترحيل أطفال أوكرانيين إلى روسيا.
ورغم ذلك، ألقى بوتين كلمة عبر الفيديو أكد فيها أن “دول بريكس أصبحت أحد المراكز الرئيسية للحكم العالمي”، مشيرًا إلى أنَّ عصر الأحادية القطبية “قد ولى وانتهى”.
وفي هذا السياق، قال الشوربجي إنَّ غياب المواجهة المباشرة مع الولايات المتحدة في البيان الختامي لا يعني غياب الرسالة، بل “يعكس وعيًا استراتيجيًا بعدم الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة مع واشنطن قد تكون ذات كلفة مرتفعة”.
وأضاف أنَّ القمة اعتمدت سياسة “التدرج في خلق واقع عالمي بديل”، تقوم على بناء تحالفات واقعية، وتأسيس مؤسسات بديلة بدلًا من الدخول في صدامات رمزية.
واختتم الشوربجي تحليله بالتأكيد على أن مستقبل بريكس كتحالف مؤثر يعتمد على قدرتها على تجاوز التباينات الداخلية بين أعضائها، والتسريع بترجمة مبادراتها إلى مؤسسات وآليات فعّالة.
وقال: “في ظل التغيرات المتسارعة أصبح العالم بحاجة إلى توازن، وبريكس باتت نواة لتحالف دولي يهدف لهذا التوازن، فالتحدي الحقيقي هو الحفاظ على وحدة الصف وتحويل الخطابات إلى أدوات تنفيذية”.
ما هي حصة دول بريكس في الاقتصاد العالمي؟ اقرأ التفاصيل بالأرقام!
