تقارير اقتصادية

    ترامب يهدد أوروبا برسوم جمركية جديدة بنسبة 50%

    •آخر تحديث •4 دقائق
    ترامب يهدد أوروبا برسوم جمركية جديدة بنسبة 50%

    تقرير: باسل محمود

    في خطوة وُصفت بأنها الأخطر منذ اندلاع الحرب التجارية بين ضفتي الأطلسي، يواجه الاتحاد الأوروبي إنذارًا اقتصاديًا قد يُشعل فتيل الصراع التجاري مع واشنطن مجددًا، فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نيّته فرض رسوم جمركية بنسبة 50% على واردات الاتحاد الأوروبي اعتبارًا من الأول من يونيو، ما أحدث ارتباكًا فوريًا في الأسواق الأوروبية، وفتح باب التساؤلات حول مستقبل العلاقات التجارية بين أكبر كتلتين اقتصاديتين في العالم.

    ورغم الصدمة التي أحدثها الإعلان، امتنعت المفوضية الأوروبية عن الإدلاء بأي رد رسمي، في انتظار نتائج المكالمة المرتقبة بين مفوض التجارة الأوروبي ماروش شيفتشوفيتش ونظيره الأمريكي جيميسون غرير. هذه المكالمة قد تحدد مسارًا حاسمًا لعلاقة تجارية تجاوز حجم التبادل فيها 700 مليار يورو سنويًا.

    هبوط فوري في الأسهم وتراجع اليورو

    الصدمة انعكست مباشرة على أسواق المال الأوروبية، حيث تراجع اليورو عن مكاسبه وشهدت عوائد السندات الحكومية انخفاضًا حادًا في عدة دول. كما تراجعت مؤشرات الأسهم الأوروبية بشكل جماعي متأثرةً بالمخاوف من أن يؤدي القرار الأمريكي إلى تدهور حاد في العلاقات التجارية وعودة “الحرب الجمركية” إلى الواجهة.

    وفي تعليقه على الخطوة، وصف هولغر شميدينغ، كبير الاقتصاديين في بنك “بيرينبيرغ”، الإجراء بأنه تصعيد خطير، قائلاً: “مع ترامب، لا يمكن التنبؤ بشيء، لكنه تهديد لا يمكن تجاهله، وسيتوجب على الاتحاد الأوروبي الرد عليه بحزم”.

    الرسوم السابقة لا تزال قائمة

    التصعيد الجديد يأتي في سياق تراكمات لم تُحل بعد، إذ يواجه الاتحاد الأوروبي منذ سنوات رسومًا أمريكية بنسبة 25% على صادراته من الصلب والألومنيوم والسيارات، بالإضافة إلى رسوم متبادلة بنسبة 10% على معظم السلع الأخرى.

    وكانت واشنطن قد قررت تجميد هذه الرسوم مؤقتًا لمدة 90 يومًا، وهي المهلة التي تنتهي في 8 يوليو المقبل، ما يعني أنَّ الوقت ينفد أمام الطرفين للتوصل إلى تسوية دائمة.

    وترى الإدارة الأمريكية أن هذه الرسوم ضرورية لتقليص العجز التجاري الأمريكي مع أوروبا، الذي بلغ قرابة 200 مليار يورو العام الماضي وفق بيانات مكتب الإحصاء الأوروبي “يوروستات”.

    في المقابل، تمتلك الولايات المتحدة فائضًا تجاريًا كبيرًا في قطاع الخدمات مع أوروبا، ما يُعد مفارقة تُستخدم سياسيًا من الطرفين.

    مطالب أمريكية وصفقة أوروبية لم تكتمل

    في الأسابيع الماضية تبادل الطرفان مسودات مقترحات تفاوضية، حيث طالبت واشنطن بإزالة ما وصفته بـ”العوائق غير الجمركية”، مثل القواعد الأوروبية الصارمة الخاصة بمعايير السلامة الغذائية، وألغت الضرائب الرقمية التي تُفرض على شركات التكنولوجيا الأمريكية.

    الاتحاد الأوروبي من جهته عرض صفقة متوازنة تشمل إلغاء الرسوم على السلع الصناعية من الجانبين، مع التزام أوروبي بزيادة وارداته من الغاز الطبيعي المُسال والفول الصويا الأمريكيَين، بالإضافة إلى تعاون أوسع في ملف الطاقة الإنتاجية الزائدة في قطاع الصلب، وهو ملف تُحمّل واشنطن وبروكسل مسؤوليته للصين.

    ورغم أن المفاوضات لم تنهار رسميًا، إلا أنَّ خطوة ترامب الأخيرة قد تدفعها إلى حافة الانهيار إذا لم تثمر مكالمة اليوم عن أرضية مشتركة تُمهّد لاجتماع حاسم في باريس مطلع يونيو.

    ورقة ضغط تفاوضية أم تهديد فعلي؟

    في بروكسل، تنقسم الآراء بين من يعتبر إعلان ترامب ورقة ضغط تفاوضية محسوبة، ومن يخشى أن تكون بداية لجولة جديدة من العقوبات المتبادلة.

    نائب وزير الاقتصاد البولندي، ميخال بارانوفسكي، الذي تتولى بلاده الرئاسة الدورية للاتحاد الأوروبي، قال إن التصريحات العلنية لا تعني بالضرورة تنفيذًا فوريًا، مؤكِّدًا أنَّ واشنطن تتفاوض على جبهتين؛ واحدة خلف الأبواب المغلقة، وأخرى أمام الكاميرات.

    لكن خبراء التجارة الأوروبية لا يُخفون قلقهم من أن خطاب ترامب غير التقليدي قد يتحوّل إلى سياسات فعلية في أية لحظة، خاصة في سياق استعداداته الانتخابية، حيث تسعى الإدارة الأمريكية لتعزيز صورتها كحامية للصناعات المحلية.

    اقرأ أيضًا: هل بدأت موجة الانكماش العالمي؟ نظرة على تداعيات رسوم ترامب

    خطط الرد الأوروبية

    رغم تمسكها بخيار التفاوض شدَّدَت المفوضية الأوروبية على أنها تحتفظ بحق الرد إذا فشلت المحادثات، علمًا أنّ بروكسل تملك عدة أدوات رد جاهزة، منها رسوم جمركية معلقة على واردات أمريكية بقيمة 21 مليار يورو، وقائمة عقوبات موسعة على سلع بقيمة 95 مليار يورو، تم إعدادها مسبقًا في حال استئناف السياسات العدائية من جانب واشنطن. تلك الإجراءات تشمل منتجات زراعية، وسيارات، ومعدات صناعية، وحتى سلعًا استهلاكية.

    ويخشى مراقبون من أنَّ أيّ خطوة تصعيدية قد تؤدي إلى ردود متبادلة تُفاقم الضرر على الجانبين، وتدفع الشركات الأوروبية والأمريكية إلى حالة من عدم اليقين الاستثماري.

    اقرأ أيضًا: أوروبا تتأهب لصد عاصفة ترامب التجارية

    تصعيد في توقيت حرج

    تتزامن هذه التطورات مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية الأمريكية، حيث يُحاول دونالد ترامب تعزيز خطابه الاقتصادي الوطني، خاصة في ولايات الغرب الأوسط التي تعتمد على الصناعات الثقيلة والزراعة.

    ويُعتقد على نطاق واسع أن التهديدات التجارية هي جزء من استراتيجية انتخابية تهدف إلى إعادة تعبئة قاعدته السياسية، مستفيدًا من انتقادات قديمة للاتحاد الأوروبي بشأن اختلال التوازن التجاري.

    لكن ذلك لا يُقلّل من خطورة الإجراء على شركاء أمريكا التجاريين، إذ يُعدّ الاتحاد الأوروبي ثاني أكبر شريك تجاري للولايات المتحدة بعد الصين، وأي تدهور في العلاقة قد يُهدد مئات الآلاف من الوظائف ويُعقّد تعافي الاقتصاد العالمي بعد سنوات من عدم الاستقرار.

    أوروبا في اختبار

    في هذا السياق، تجد المفوضية الأوروبية نفسها أمام اختبار صعب: كيف تحمي مصالحها الاقتصادية دون الوقوع في فخ التصعيد؟ فبين رغبة حقيقية في تجنّب الحرب التجارية وضغوط داخلية من الصناعات الأوروبية المتضررة، سيكون على بروكسل أن تُحدّد بوضوح الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه.

    وقد تُحدد مكالمة شيفتشوفيتش وغرير الاتجاه الذي ستسلكه أوروبا، إما نحو حلّ تفاوضي مؤقت يُمهّد لصفقة أشمل، أو نحو مواجهة تجارية شاملة ستكون لها تداعيات سياسية واقتصادية بعيدة المدى.

    قد يهمُّك أيضًا: 100 يوم من عهد ترامب الثاني.. تقلبات الأسواق واختبار الثقة الاقتصادية