تقارير اقتصادية

    ترامب يصعّد ضد باول.. الفائدة والسلطة على المحك

    •آخر تحديث •4 دقائق
    ترامب يصعّد ضد باول.. الفائدة والسلطة على المحك

    تقرير: باسل محمود

    وسط مشهد سياسي تتصاعد فيه التوترات، واقتصاد أمريكي يُراوح بين تعافٍ هش ومخاوف من الركود، يعود دونالد ترامب إلى واجهة الجدل مجددًا، ليس من بوابة الانتخابات أو الملفات الخارجية، بل من قلب السياسة النقدية.

    في مقابلة تلفزيونية مثيرة عبر شبكة NBC، بدا الرئيس الأمريكي صريحًا كعادته حين قال عن جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي: “هو مجرد موظف جامد، ولن أُقيله الآن لأن أمامي فرصة لاستبداله قريبًا”.

    تصريحات ترامب لم تكن فقط استعراضًا لغضبه القديم من باول، بل جاءت في توقيت حساس للغاية، إذ تستعد الأسواق لاجتماع مرتقب للاحتياطي الفيدرالي، في ظل تصاعد المطالب بخفض أسعار الفائدة لإنعاش النمو وتفادي تباطؤ اقتصادي يلوح في الأفق، بحسب بلومبرج.

    كيف تدهورت علاقة ترامب بجيروم باول؟

    ربما لا يعرف كثيرون أنَّ دونالد ترامب هو من عيّن جيروم باول في منصبه عام 2018، خلفًا لجانيت يلين، لكن العلاقة بين الرجلين سرعان ما تحولت من الثقة إلى التوجس، ثم إلى عداء واضح وصريح على الملأ؛ ففي مناسبات متكررة وصف باول بالفاشل، بل وبالعقبة في طريق “أمريكا عظيمة من جديد”، مستشهدًا برفض الفيدرالي خفض أسعار الفائدة بالسرعة التي يريدها البيت الأبيض.

    وكان آخر هذه الهجمات، منشورًا على منصة “تروث سوشيال”، كتب فيه ترامب: “لا يمكن أن تأتي لحظة إنهاء باول قريبًا بما فيه الكفاية”، ثم عاد ليؤكد للصحفيين: “إذا أردته خارج المنصب فسوف يُغادر بسرعة، صدقوني”، لكن في مقابلة NBC اتخذ ترامب لهجة أكثر اتزانًا، وإن لم تخفِ انتقاداته: “لن أُقيله الآن.. سأستبدله عندما يحين وقت ذلك”.

    علّق مساعدو ترامب، ومن بينهم وزير الخزانة، سكوت بيسنت، بأن هذه التصريحات مقصودة لطمأنة الأسواق التي شهدت تقلبات ملحوظة في الآونة الأخيرة.

    اقرأ أيضًا: الاحتياطي الفيدرالي بين نيران ترامب وضغوط السوق

    الأسواق تترقّب والاحتياطي يُثبّت

    على الجانب الآخر، يبدو مجلس الاحتياطي الفيدرالي متمسكًا بسياسة الحذر، ومن المتوقع، بحسب مصادر بلومبرغ، أن تُبقي لجنة السياسة النقدية على أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعها المرتقب هذا الأسبوع.

    ويأتي ذلك رغم الضغوط السياسية المتزايدة، ومع بيانات توظيف قوية أظهرت إضافة 177 ألف وظيفة في أبريل، ما يعكس صمودًا نسبيا في سوق العمل الأمريكية.

    ويرى مراقبون أن هذه الأرقام قد تمنح باول غطاءً سياسيًا واستراتيجيًا لمواصلة مسار “التثبيت”، خصوصًا أن معدل التضخم ما زال فوق المستهدفات، فيما تُحاول الإدارة الأمريكية تجنّب موجة ركود قد تتزامن مع موسم انتخابي محتدم.

    سياسة الرسوم تعود للواجهة

    في الملف الاقتصادي الأوسع، حرص ترامب خلال اللقاء نفسه على إعادة التأكيد على أحد أبرز أعمدته السياسية، وهو الرسوم الجمركية، حيث قال: “لن أرفعها.. لأنَّ من يعتقد أن هذه الرسوم قد تُلغى، لن يُغامر ببناء مصنع في أمريكا”.

    بهذا المنطق، يرى ترامب أن الإبقاء على الرسوم هو الضمان الحقيقي لعودة المصانع وفرص العمل إلى الداخل الأمريكي، وبينما تُثير هذه السياسات قلق المستثمرين من موجات تضخم جديدة يراهن ترامب على شعبيتها بين قاعدة واسعة من الناخبين، خصوصًا في الولايات الصناعية.

    وتُشير تقديرات معهد بيترسون للاقتصاد الدولي إلى أن الرسوم التي فرضها ترامب منذ 2018 أثرت على ما يزيد عن 360 مليار دولار من التجارة العالمية، ولا تزال تداعياتها قائمة حتى اليوم.

    ولاية ثالثة؟ تلميحات ترامب تفتح باب التكهنات

    لم تخلُ المقابلة من تلميحات سياسية ذات طابع شخصي، فعندما سُئل ترامب عمّا إذا كان يُفكر في السعي لولاية رئاسية ثالثة، وهو ما لا يسمح به الدستور الأمريكي، رد قائلاً: “هذا ليس أمرًا أفكر فيه حاليًا”.

    غير أن الإجابة، التي لم تكن بالنفي القاطع، تُبقي الباب مفتوحًا لمزيد من التكهنات حول طموحات ترامب السياسية، ودوره المستقبلي في توجيه الحزب الجمهوري، فقد أشار إلى نائب الرئيس جاي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو كخلفاء محتملين، مضيفًا: “أرغب في قضاء أربع سنوات عظيمة، ثم تسليم القيادة لشخص جمهوري عظيم يتولّى إكمال المسيرة”.

    من خلال هذه الرسالة، يبدو أنّ ترامب يُحاول تقديم نفسه كعرّاب المستقبل السياسي للحزب، حتى لو لم يكن في مقدمة الصفوف.

    اقرأ أيضًا: 100 يوم من عهد ترامب الثاني.. تقلبات الأسواق واختبار الثقة الاقتصادية

    هل تعيد السياسة المالية رسم مشهد 2026؟

    مع بقاء عام واحد فقط على نهاية ولاية جيروم باول، يبدو أن العلاقة بينه وبين ترامب ستكون إحدى أبرز الملفات التي تُحدّد شكل السياسة النقدية الأمريكية في الأشهر المقبلة؛ فالأسواق لا تنظر فقط إلى أسعار الفائدة، بل تتابع أيضًا توازن القوى بين البيت الأبيض والاحتياطي الفيدرالي، ومدى استقلالية الأخير في بيئة سياسية مشحونة.

    في خضم هذا المشهد المليء بالتجاذبات، لا تبدو تصريحات ترامب مجرّد مواقف عابرة، بل رسائل موجّهة بدقة نحو الداخل الأمريكي والأسواق على حد سواء.

    وبينما يقترب موعد استحقاق سياسي واقتصادي بالغ الحساسية، يظل الترقب سيد الموقف، فهل ستصمد استقلالية الاحتياطي الفيدرالي أمام ضغوط البيت الأبيض؟ وهل يعود ترامب إلى الحكم وهو أكثر حسمًا في توجيه دفة السياسة النقدية؟ الأسابيع المقبلة وحدها كفيلة بالإجابة.

    اقرأ أيضًا: هل يملك ترامب حق إقالة رئيس الفيدرالي؟