تقارير اقتصادية

    ترامب يُشعل سباق التعدين في أعماق البحار ضد الصين

    •آخر تحديث •5 دقائق
    ترامب يُشعل سباق التعدين في أعماق البحار ضد الصين

    تقرير: باسل محمود
    في لحظة فارقة من سباق السيطرة على الموارد الحيوية، أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رصاصة البداية نحو جبهة جديدة، لكن هذه المرة ليست فوق الأرض، بل في أعماق المحيطات.

    عبر أمر تنفيذي وقعّه الخميس، أعلن ترامب عزم بلاده تعزيز صناعة التعدين في أعماق البحار، كخطوة استراتيجية لمواجهة هيمنة الصين على سوق المعادن الحيوية التي باتت تمثل العمود الفقري للصناعات المستقبلية، من بطاريات السيارات الكهربائية إلى تكنولوجيا الطاقة المتجددة، بحسب رويترز.

    بهذا القرار، تدخل الولايات المتحدة رسميًا ميدانًا كان حتى وقت قريب مجالًا للبحث العلمي البحت أو طموحات استكشافية محدودة، لتتحول أعماق البحار إلى ساحة تنافس اقتصادي وجيوسياسي واسع.

    كنوز مخبأة في أعماق البحار

    يستند القرار الأمريكي إلى معطيات علمية مغرية، فقد قدَّرت الإدارة الأمريكية أنَّ أكثر من مليار طن متري من العُقد متعددة المعادن، وهي صخور غنية بالنيكل والنحاس والمنغنيز تنتظر استخراجها من قاع المياه الأمريكية؛ حيث تُعد هذه المعادن حيوية لصناعة بطاريات الليثيوم، والألواح الشمسية، والتوربينات الهوائية، وغيرها من تكنولوجيا الطاقة النظيفة.

    وتشير تقديرات مسؤولي الإدارة إلى أن استغلال هذه الثروات يمكن أن يُضيف ما يقارب 300 مليار دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي خلال عقد واحد، إلى جانب توفير نحو 100 ألف وظيفة جديدة في قطاعات التكنولوجيا والتعدين والهندسة البحرية.

    وعلى هامش القرار، أوضح مسؤولون في الإدارة أن استخدام مصطلح “العناصر الأرضية النادرة” في نص الأمر التنفيذي، جاء بمعناه العام للإشارة إلى أهمية جميع المعادن الحيوية، وليس للدلالة الدقيقة على احتواء العُقد المعدنية المكتشفة على النيوديميوم أو غيره من العناصر الأرضية النادرة الـ16 المعروفة.

    اقرأ المزيد في التقرير: ترامب يسعى لتقليص هيمنة الصين عبر تخزين المعادن النادرة

    تسريع آليات إصدار تصاريح التنقيب والتعدين

    تضمّن الأمر التنفيذي تسريع آليات إصدار تصاريح التنقيب والتعدين، سواء في الجرف القاري الخارجي للولايات المتحدة أو في المياه الدولية بالتعاون مع الحلفاء، كما نصَّ على تفعيل قانون موارد المعادن الصلبة لقاع البحار العميقة لعام 1980 الذي ظل لعقود طويلة شبه معطل.

    ومن أخطر البنود توجه الإدارة إلى وضع آلية لمراجعة التصاريح في “المناطق الواقعة خارج نطاق الولاية القضائية الوطنية”، وهو ما قد يفتح الباب أمام خلافات قانونية مع المجتمع الدولي بشأن مشروعية استغلال هذه الموارد في المياه الدولية، التي تُعتبر حتى الآن تراثًا مشتركًا للإنسانية وفق اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، والتي لم تصادق عليها الولايات المتحدة.

    فوائد استراتيجية للتعدين في أعماق البحار

    شدد ترامب في نص الأمر التنفيذي على أن “للولايات المتحدة مصلحة قومية واقتصادية أساسية في الحفاظ على ريادتها في علوم وتكنولوجيا أعماق البحار وموارد معادن قاع المحيط”، في إشارة واضحة إلى أهمية هذه الموارد في الصراع العالمي المتصاعد حول سلاسل الإمداد.

    رغم أن العوائد الاقتصادية المتوقعة ضخمة إلا أن الرهان الأمريكي يتجاوز الاقتصاد البحت إلى أبعاد استراتيجية؛ حيث تسعى واشنطن، عبر السيطرة على موارد المعادن في أعماق البحار، إلى تقليل اعتمادها على الصين التي تهيمن حاليًا على أكثر من 70% من سوق المعادن الحيوية عالميًا.

    في الوقت الذي تخوض فيه الولايات المتحدة حربًا تجارية طويلة الأمد مع بكين، تعتبر هذه الموارد عنصرًا حاسمًا لضمان تفوقها في قطاعات الصناعات الدفاعية والطاقة والتكنولوجيا المتقدمة. وترامب -من جهته- يُراهن على أن بناء سلاسل توريد مستقلة للمعادن الحيوية سيُعزز مناعة الاقتصاد الأمريكي في مواجهة أي اضطرابات جيوسياسية قادمة.

    اقرأ أيضًا: حرب ترامب التجارية تُشعل السباق العالمي على المعادن الحيوية

    تحذيرات منظمات بيئية من الخطر البيئي

    تواجه خطوة ترامب معارضة متزايدة من المنظمات البيئية التي تحذر من “كارثة بيئية صامتة” قد تضرب قاع البحار؛ فقد اعتبرت منظمة “غرينبيس” الدولية القرار “انتهاكًا صارخًا للتراث المشترك للبشرية”، محذرة من أن التعدين العشوائي في أعماق البحار قد يؤدي إلى فقدان لا رجعة فيه للتنوع البيولوجي البحري.

    وأوضح آرلو هيمفيل، كبير خبراء البيئة البحرية لدى غرينبيس، أن قاع المحيط يلعب دورًا حاسمًا في دورة الكربون على كوكب الأرض، وأن أي اضطراب في هذه البيئة قد تكون له عواقب بعيدة المدى على المناخ العالمي.

    ومع غياب معايير تنظيمية دولية ملزمة حتى الآن، تتزايد المخاوف من أن يؤدي السباق المحموم نحو قاع البحار إلى تدمير أنظمة بيئية لم تُكتشف بشكل كامل بعد.

    مأزق قانون البحار: الولايات المتحدة خارج الإطار

    تعقيد آخر يُلقي بظلاله على القرار الأمريكي، وهو عدم تصديق الولايات المتحدة على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، ما يُضعف موقفها القانوني في حال نشوب نزاعات مع دول أخرى أو مع الهيئة الدولية لقاع البحار التي تحاول منذ سنوات وضع إطار تنظيمي لعمليات التعدين في المياه الدولية.

    ويخشى دبلوماسيون أن يؤدي التصرّف الأمريكي الأحادي إلى تقويض أي جهود جماعية لتنظيم التعدين البحري بشكل مستدام، مما يفتح المجال أمام فوضى استغلالية قد يصعب احتواؤها لاحقًا.

    اقرأ أيضًا: ترامب يعرض على أوكرانيا الحماية مقابل نصف ثرواتها من المعادن

    شركات تتأهب لحصد الذهب الأزرق

    على الجانب التجاري، تفاعلت الشركات المرتبطة بالتعدين البحري بسرعة مع القرار التنفيذي؛ حيث قفز سهم شركة “ذا ميتالز كومباني” بنسبة 40%، مسجلًا أعلى مستوياته خلال 52 أسبوعًا، مع إعلان الشركة خططها لتسريع عمليات الاستكشاف في منطقة كلاريون-كليبرتون، وهي واحدة من أغنى مناطق العُقد المعدنية في العالم، وتقع بين هاواي والمكسيك.

    بجانب “ذا ميتالز كومباني”، أعلنت شركات مثل “إمبوسيبُل ميتالز” من كاليفورنيا، و“بلو مينيرالز” من جامايكا، وشركة “يوزه مورجيوجيولوجيا” الروسية، عن استعدادها للدخول بقوة في هذا القطاع الناشئ.

    ورغم المنافسة المحتدمة، تُدرك هذه الشركات أن النجاح لن يكون رهين الاستكشاف فقط، بل بالتعامل مع قضايا بيئية وتنظيمية شائكة، قد تحدد مصير الصناعة بأكملها.

    خطوات متزامنة على اليابسة

    لا يقتصر التحرك الأمريكي على أعماق البحار، ففي خطوة موازية، سرَّعت إدارة ترامب إجراءات الموافقة على عشرة مشروعات تعدين جديدة داخل الأراضي الأمريكية، بما في ذلك أكبر منجم نحاس مرتقب في البلاد، كما قامت بتبسيط المعايير البيروقراطية لتسريع استغلال المعادن على الأراضي الفيدرالية.

    تأتي هذه الجهود ضمن رؤية متكاملة لإعادة بناء منظومة تعدين وطنية قوية، قادرة على دعم طموحات البلاد في مجال التصنيع والطاقة المتجددة والدفاع.

    قد يهمك أيضًا: أوروبا تتأهب لصد عاصفة ترامب التجارية.. صراع المعادن يعود للواجهة