في خطوة مفاجئة تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية واسعة، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قراره برفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا، وأوضح أن هذا القرار جاء بعد سلسلة من المشاورات مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب أردوغان.
وقال ترامب خلال مؤتمر صحفي:”قررنا رفع العقوبات عن سوريا لأننا نريد أن نمنحها بداية جديدة، ولقد ناقشنا هذا الأمر مع شركائنا في المنطقة، السعودية وتركيا، واتفقنا على أهمية فتح صفحة جديدة مع دمشق”.
لقاء تاريخي مرتقب بين ترامب والشرع في الرياض
وفي تطور غير مسبوق، كشفت مصادر مطلعة لموقع “أكسيوس” الإخباري أن الرئيس ترامب سيعقد اجتماعاً نادراً مع الرئيس السوري أحمد الشرع غداً في العاصمة السعودية الرياض.
ويعد هذا اللقاء الأول بين رئيس أمريكي وزعيم سوري منذ اندلاع الأزمة السورية قبل 14 عاماً، ما يمنحه أهمية خاصة، ووفقاً للمصادر، سيضم الاجتماع أيضاً الرئيس الفلسطيني محمود عباس والرئيس اللبناني جوزيف عون، حيث سيتم التباحث في ملفات إقليمية محورية، تتعلق بمستقبل العقوبات الأميركية على سوريا وإمكانية إعادة دمجها في النظام المالي العالمي.
اقرأ أيضًا: حكومة سوريا الجديدة بين التحديات والفرص
صفقة اقتصادية مقابل رفع العقوبات عن سوريا
في سياق متصل، أفادت صحيفة “ذا تايمز” البريطانية أن لقاء ترامب المرتقب مع الرئيس السوري قد يشهد مناقشة صفقة اقتصادية كبيرة، تتضمن السماح للشركات الأميركية باستغلال الموارد الطبيعية في سوريا، خاصة في مجالات النفط والمعادن.
وذكرت الصحيفة أن هذه الصفقة المحتملة قد تكون مشابهة للاتفاقيات التي أبرمتها الولايات المتحدة مع أوكرانيا، والتي سمحت للشركات الغربية باستثمار الموارد المعدنية مقابل الحصول على دعم مالي ودبلوماسي.
ووفقاً للتقرير، فإن الرئيس السوري أحمد الشرع قد يسعى لاستخدام هذه الصفقة كوسيلة للضغط على واشنطن لرفع العقوبات، خاصة أن تلك العقوبات تعزل سوريا عن النظام المالي العالمي وتعوق جهود إعادة الإعمار بعد سنوات من الحرب.
هل تنضم سوريا إلى الاتفاقات الإبراهيمية؟
وفي خطوة قد تكون مفاجئة، أشارت صحيفة “ذا تايمز” إلى إمكانية انضمام سوريا إلى الاتفاقات الإبراهيمية، وهي سلسلة من الاتفاقيات التطبيعية التي عقدتها دول عربية مع إسرائيل برعاية أمريكية.
وتقول المصادر إن الرئيس السوري أحمد الشرع قد يعرض على ترامب الانضمام إلى هذه الاتفاقات، مقابل رفع العقوبات وإعادة دمج سوريا في النظام المالي الدولي.
ومن المتوقع أن يتضمن العرض السوري أيضاً الموافقة على إنشاء منطقة منزوعة السلاح في جنوب غرب سوريا، أو السماح لإسرائيل بالحفاظ على وجود أمني محدود في تلك المنطقة القريبة من مرتفعات الجولان المحتلة منذ عام 1967.
اقرأ أيضًا: الاتحاد الأوروبي يرفع عقوبات المصارف والطاقة عن سوريا
دمشق ترحب بتصريحات ترامب
من جانبها، رحبت الحكومة السورية بتصريحات الرئيس الأمريكي حول إمكانية رفع العقوبات، ووصفتها بأنها خطوة إيجابية نحو إعادة بناء الثقة بين واشنطن ودمشق.
وأكدت مصادر حكومية في دمشق استعداد سوريا للدخول في مفاوضات جادة مع الولايات المتحدة لبحث سبل رفع العقوبات، وإعادة إطلاق عملية إعادة الإعمار بمشاركة الشركات الغربية..
ماذا بعد لقاء الرياض؟
من المتوقع أن يكون لقاء الرياض محطة محورية في مسار العلاقات الأميركية السورية، حيث قد يشهد الإعلان عن تفاهمات أولية حول رفع العقوبات مقابل تقديم تنازلات من قبل دمشق.
وفي حال نجاح اللقاء في تحقيق اختراق ملموس، قد يشكل ذلك بداية جديدة لسوريا على الصعيدين السياسي والاقتصادي، خاصة إذا تمكنت من جذب الاستثمارات الأميركية والغربية، وإعادة دمج نفسها في النظام المالي العالمي.
لكن في المقابل، فإن أي خطوة تجاه إسرائيل، سواء من خلال الانضمام إلى الاتفاقات الإبراهيمية أو السماح بوجود أمني إسرائيلي في جنوب غرب سوريا، قد تثير جدلاً واسعاً في الداخل السوري والإقليمي، وتضع النظام السوري أمام اختبار صعب لتحقيق التوازن بين المصلحة الوطنية والعلاقات الدولية.
بداية جديدة أم خطوة تكتيكية؟
وفي تعليقه على القرار، يقول منير أديب خبير العلاقات السياسية، إنه في ظل الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تواجهها سوريا، يبدو أن النظام السوري مستعد لتقديم تنازلات كبيرة مقابل رفع العقوبات الأميركية، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من العلاقات الدولية في الشرق الأوسط.
وأكد أديب، أن قرار الولايات المتحدة برفع العقوبات الاقتصادية عن سوريا يمثل نقطة تحول سياسية واقتصادية هامة، قد تفتح المجال أمام مرحلة جديدة من التعاون الدولي وإعادة الإعمار بعد سنوات من العزلة.
وأوضح أديب أن هذه العقوبات التي فُرضت منذ اندلاع الأزمة السورية في عام 2011 أثرت بشكل كبير على الاقتصاد السوري، وأعاقت جهود إعادة البناء والتنمية، وقال:”قرار رفع العقوبات جاء في توقيت دقيق، حيث تسعى سوريا لإعادة تموضعها إقليمياً ودولياً، ومحاولة تقديم صورة جديدة كنظام سياسي مدني شامل، يسعى إلى إعادة بناء الدولة بعيداً عن الاستقطاب الطائفي والسيطرة الإيرانية”.
وكانت تقارير اقتصادية قد أشارت إلى أن التعافي الاقتصادي في سوريا قد يستغرق عقوداً طويلة، وربما لن تتمكن البلاد من تحقيق نمو اقتصادي مستدام قبل عام 2080، في حال استمرت العقوبات الدولية المفروضة عليها.
طلب سعودي وراء القرار الأميركي
وأشار أديب إلى أن زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى السعودية تلعب دوراً كبيراً في اتخاذ هذا القرار، موضحاً أن ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قد طلب من ترامب إعادة النظر في العقوبات المفروضة على سوريا، في إطار رؤية أوسع لإعادة دمج دمشق في محيطها العربي.
وأضاف أديب:”السعودية تدرك جيداً أن استقرار سوريا لن يتحقق دون إعادة إعمار شاملة، وأن عودة سوريا إلى الحضن العربي ستسهم في تقليص النفوذ الإيراني الذي كان أحد أبرز العوامل التي دفعت واشنطن لفرض العقوبات”.
واعتبر أديب أن رفع العقوبات قد يتيح لسوريا فرصة كبيرة لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية والعربية، خاصة في مجالات الطاقة والبنية التحتية، مضيفاً:”النظام السوري اليوم مطالب بتقديم ضمانات حقيقية للمجتمع الدولي، تتعلق بالانفتاح السياسي ومكافحة الإرهاب، وإقامة دولة مدنية شاملة تحكمها كل الطوائف السورية دون تمييز”.
وأشار أديب إلى أن النظام السوري قدم إشارات إيجابية في الفترة الأخيرة، منها تبني خطاب جديد يتحدث عن الإصلاح السياسي والانفتاح الاقتصادي.
اقرأ أيضًا: تخفيف العقوبات الأوروبية على سوريا.. خطوة اقتصادية أم تحرك سياسي؟
الكرة في ملعب دمشق
وفيما يتعلق بردود الأفعال السورية، يرى أديب أن النظام السياسي السوري رحب برفع العقوبات باعتباره خطوة إيجابية نحو بناء علاقات جديدة مع المجتمع الدولي.
وقال:”النظام السوري يدرك أن الفرصة قد لا تتكرر، وأن المجتمع الدولي يراقب عن كثب خطوات دمشق القادمة. إعادة الإعمار تحتاج إلى مليارات الدولارات، ولن يتحقق ذلك دون طمأنة الدول الكبرى والمستثمرين بأن هناك إصلاحات سياسية جادة، وبيئة اقتصادية مستقرة”.
ومع ذلك، حذّر أديب من أن التحديات ما زالت قائمة، مشيراً إلى أن رفع العقوبات قد لا يكون كافياً لتحقيق الاستقرار الاقتصادي في سوريا، مضيفاً: “ما زالت هناك ملفات شائكة تتعلق بالإرهاب وإعادة الإعمار وإعادة النازحين، فضلاً عن السيطرة الإيرانية على بعض المناطق السورية، وإذا أرادت دمشق استثمار هذه الفرصة، فعليها أن تتخذ خطوات ملموسة لطمأنة المجتمع الدولي بشأن هذه الملفات”.
واختتم منير أديب تصريحاته قائلاً:”رفع العقوبات عن سوريا قد يكون بداية لمرحلة جديدة، لكن نجاحها يعتمد على قدرة النظام على تقديم تنازلات سياسية حقيقية، والانفتاح على الشراكات الاقتصادية مع الدول العربية والدولية. الكرة الآن في ملعب دمشق، وعليها إثبات أنها قادرة على بناء سوريا جديدة بعيداً عن الاستقطاب والهيمنة الإيرانية”.
اقرأ أيضًا: لقاء مرتقب بين الشرع وترامب.. ما هي الإغراءات التي يقدمها الشرع؟
