تقرير: باسل محمود
في خطوة جريئة وغير مسبوقة، كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، عن مقترح جديد لاستبدال برنامج تأشيرة المستثمرين المهاجرين المعروف باسم “EB-5″، حيث يعتزم إطلاق برنامج “البطاقة الذهبية” الذي سيُتيح للأجانب الحصول على الإقامة الدائمة، ومسارًا سريعًا نحو الجنسية الأمريكية مقابل 5 ملايين دولار، بحسب بلومبرج ورويترز.
البطاقة الذهبية.. حلم جديد للأثرياء
أعلن ترامب خلال اجتماع في المكتب البيضاوي أنَّ البرنامج الجديد يهدف إلى جذب المستثمرين الأثرياء من جميع أنحاء العالم، خاصةً أولئك الذين يبحثون عن بيئة استثمارية مستقرة وأبواب مفتوحة للإقامة الدائمة في الولايات المتحدة. وقال: “سنبدأ في بيع بطاقة ذهبية، ونحدد لها سعراً يُقَدَّر بنحو 5 ملايين دولار”، مضيفًا: “هذه البطاقة ستمنح حاملها جميع مزايا البطاقة الخضراء، بالإضافة إلى كونها طريقًا مباشرًا نحو الحصول على الجنسية الأمريكية”.
يأتي البرنامج، في وقت تتزايد فيه المنافسة بين الدول لجذب رؤوس الأموال الأجنبية، حيث تُقَدِّم العديد من البلدان خيارات للإقامة الدائمة أو الجنسية مقابل استثمارات مالية ضخمة، مثل البرتغال ومالطا وسانت كيتس التي تقدم برامج مشابهة، إلا أنّ خطة ترامب تتميز بكونها تمنح مسارًا مباشرًا للجنسية الأمريكية، مما يجعلها واحدة من أكثر الخيارات جاذبية للأثرياء الباحثين عن فرص جديدة.
وداعًا لبرنامج “EB-5”
يأتي هذا الإعلان بعد انتقادات طويلة لبرنامج “EB-5″، الذي أُنشئ عام 1990 لتحفيز الاقتصاد الأمريكي عبر جذب استثمارات أجنبية مباشرة؛ حيث يمنح البرنامج الإقامة الدائمة للمستثمرين الأجانب الذين يستثمرون ما لا يقل عن 800 ألف دولار في مشاريع تجارية أمريكية تخلق وظائف للمواطنين، لكنَّ ترامب وصف البرنامج بأنه “مليء بالاحتيال والخيال”، مؤكِّدًا أنَّ “البطاقة الذهبية” ستكون بديلاً أكثر شفافية وفعالية.
وقد أيَّد وزير التجارة الأمريكي هوارد لوتنيك الفكرة بقوة، قائلاً: “برنامج EB-5 كان وسيلة غير عادلة للحصول على البطاقة الخضراء بسعر منخفض جدًا”. وأضاف: “الآن مع بطاقة ترامب الذهبية، سيكون لدينا برنامج عادل يضمن أن الأثرياء فقط هم من يحصلون على هذه الفرصة”.
منذ سنوات، كانت هناك مزاعم بشأن استغلال برنامج “EB-5” لتمرير الأموال غير المشروعة إلى الولايات المتحدة، كما أنَّه واجه اتهامات، بأنه لم يكن يحقق الأهداف التي وضعها الكونغرس عند إطلاقه.
ووفقًا لتقارير رسمية، كان هُناك تلاعب واسع في المشاريع التي يُستثمر فيها، حيث أُعيد تصنيف العديد من المشاريع لتبدو وكأنها تخلق فرص عمل، في حين أنَّها لم تحقق الأثر الاقتصادي المتوقع.
الجدل حول استقطاب الأوليغارشية
لم يخلُ الإعلان من الجدل، فقد طرح الصحفيون تساؤلات حول مدى استفادة الأوليغارش الروس، وغيرهم من الأثرياء المشبوهين، من هذا البرنامج، فردَّ ترامب بشكل ودي قائلاً: “نعم ربما. بالمناسبة، أنا أعرف بعض الأوليغارش الروس، وهم أشخاص لطيفون جدًا”.
على العموم، لم تتضح بعد المعايير الأمنية والتدقيق الذي سيخضع له مقدمو الطلبات، وفي ظل العقوبات الدولية المفروضة على العديد من رجال الأعمال الروس بسبب الحرب في أوكرانيا، تُثار التساؤلات جديدة حول ما إذا كانت “البطاقة الذهبية” ستكون وسيلة للتحايل على هذه العقوبات.
الإدارة الأمريكية لم تقدم تفاصيل بشأن كيفية تعاملها مع هذه المخاوف، لكن يرى بعض المحللين أنَّ التدقيق الأمني قد يصبح أكثر صرامة لتجنُّب أي اتِّهامات بتسهيل دخول الأموال المشبوهة.
فرصة اقتصادية أم باب خلفي للهجرة؟
بينما يرى مؤيدو المشروع أنَّه فرصة لتعزيز الاقتصاد الأمريكي عبر ضخ مليارات الدولارات في خزينة الدولة، يراه منتقدوه بابًا خلفيًا يمنح الأثرياء ميزة لا تتوفر للمهاجرين العاديين.
وفي هذا السياق، وصف أحد المحللين الاقتصاديين الفكرة بأنها “عملية بيع للجنسية الأمريكية”، محذرًا من أنَّ مثل هذا النهج قد يُضعف مبادئ المساواة التي تقوم عليها سياسة الهجرة الأمريكية.
على أية حال، يجادل المؤيدون بأنَّ الأموال التي سيتم جمعها من خلال هذا البرنامج، يمكن استخدامها في مشاريع البنية التحتية وتحسين الميزانية الفيدرالية.
كما أنَّ النظام الجديد سيُقلل من التعقيدات البيروقراطية الموجودة في برنامج “EB-5″، والذي كان يتطلب فترات انتظار طويلة وتقييمات متعددة قبل الموافقة على أي طلب، وفقًا لزعمهم.
اقرأ أيضًا: ترامب يغير قواعد المواطنة.. هل ينهي حق الولادة؟
تداعيات على سياسات الهجرة
منذ بداية ولايته الثانية، كثّف ترامب حملاته ضد الهجرة غير النظامية، مُشَدِّدًا على ضرورة تأمين الحدود الجنوبية وفرض إجراءات أكثر صرامة على دخول المهاجرين، لكنّه في الوقت نفسه، أبدى اهتمامًا بالحفاظ على قنوات الهجرة القانونية التي تُسهم في تحفيز الاقتصاد.
ولعلّ برنامج “البطاقة الذهبية” الذي تم الإعلان عنه مؤخَّرًا يعكس هذا التوجه، حيث إنّه يُوفر طريقًا شرعيًا وسريعًا للإقامة والجنسية، لكن لمن يستطيعون دفع الثمن فقط.
هذه السياسة تضعف فكرة “الحلم الأمريكي” التي تقوم على العمل الجاد والارتقاء بالمجتمع الأمريكي تدريجيًا، حيث أصبح بالإمكان الحصول على الإقامة والجنسية بمجرد دفع مبلغ مالي كبير، مما يُثير جدلاً حول مدى عدالة النظام الجديد، خاصةً مع تشديد ترامب القيود على الهجرة العادية واللاجئين.
تفاصيل مرتقبة حول مستقبل البرنامج
من المُتوقع أن تُعلن الإدارة الأمريكية عن التفاصيل الكاملة للبرنامج خلال الأسبوعين المقبلين، بما في ذلك شروط الأهلية، وآلية التدقيق الأمني، وطريقة الدفع. وفي حال مضى المشروع قدمًا، فإنَّه سيمثل تحولاً كبيرًا في سياسة الهجرة الأمريكية، ويُعيد تعريف كيفية حصول الأفراد على الإقامة والجنسية.
في حين يرى البعض أن هذا القرار خطوة إيجابية ستُساعد في جذب مستثمرين جدد، يرى آخرون أنه يعكس توجهاً نحو جعل الجنسية الأمريكية امتيازًا للأغنياء فقط، لكن الأكيد هو أنَّ هذا البرنامج، في حال تطبيقه، سيكون له تداعيات سياسية واقتصادية واسعة النطاق.
تبقى الأسئلة مفتوحة حول تداعيات هذا القرار على الاقتصاد الأمريكي، ومدى تقبّل الرأي العام لهذه الخطوة الجريئة، فهل سينجح ترامب في تحويل “البطاقة الذهبية” إلى أداة فعالة لتعزيز الاستثمارات، أم أنَّها ستواجه مقاومة سياسية وشعبية تحول دون تنفيذها؟ الإجابة على هذا السؤال قد تحدد مستقبل سياسات الهجرة والاستثمار في الولايات المتحدة لسنوات قادمة.
قد يهمّك أيضًا: تداعيات حرب ترامب التجارية على الأمريكيين
