جدَّد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب دعوته للدول الأوروبية للتوقف عن شراء النفط من روسيا، في خطوةٍ يربطها بزيادة الضغوط الأمريكية على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين لوقف الحرب في أوكرانيا، بحسب وكالة بلومبرغ.
جاءت تصريحات ترامب خلال خطاب عشاء في ماونت فيرنون بولاية فيرجينيا، حيث قال بلهجة قاطعة: “الأوروبيون يشترون النفط من روسيا وهذا أمر غير مسموح به”، ولم يكن هذا الموقف جديداً على ترامب، فلطالما وجّه انتقادات حادة لحلفاء واشنطن في القارة العجوز بسبب استمرار تدفق الطاقة الروسية رغم العقوبات، لكنه هذه المرة اختار التلويح بربط الملف مباشرة بمستقبل العلاقات الاقتصادية والأمنية عبر الأطلسي.
ترامب وملف الطاقة الروسي
منذ حملته الانتخابية الأولى في 2016، جعل ترامب ملف الطاقة الأوروبية ورقة ضغط رئيسة على الحلفاء، ففي 2018 خلال قمة حلف شمال الأطلسي (NATO) انتقد بشدة مشروع خط أنابيب “نورد ستريم 2” الذي يربط روسيا بألمانيا، قائلاً إن برلين “أسيرة للغاز الروسي”.
ورغم أن إدارة بايدن لاحقاً أوقفت المشروع بعد غزو أوكرانيا عام 2022، إلا أنَّ ترامب يعتبر أن الأوروبيين لم يذهبوا بعيداً بما يكفي في تقليص اعتمادهم على موسكو، وبالنسبة له فإنّ استمرار أي تدفقات -مهما كانت محدودة- يُعد خيانة لمساعي الغرب في “خنق ماكينة الحرب الروسية”.
أوروبا.. بين الحظر الرسمي والتدفقات غير المباشرة
بعد الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا، تبنّى الاتحاد الأوروبي حظراً تدريجياً على النفط الخام الروسي المنقول بحراً منذ ديسمبر 2022، وعلى المنتجات المكررة منذ فبراير 2023، ومع ذلك كان هُناك استثناءات مهمة:
- المجر وسلوفاكيا: تواصلان استيراد النفط عبر خط “دروجبا” (Druzhba).
- بعض دول شرق أوروبا الحبيسة: مثل التشيك، تعتمد على واردات محدودة عبر الأنابيب.
- الهند وتركيا: أصبحتا محطات رئيسية لإعادة تكرير النفط الروسي وبيع الديزل والمنتجات المكررة لأوروبا.
تقديرات مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف (CREA) تُظهر أنَّ أوروبا دفعت أكثر من 200 مليار يورو لروسيا مقابل النفط والغاز والفحم منذ فبراير 2022، ورغم التراجع الكبير في الواردات المباشرة، فإن التدفقات غير المباشرة ما زالت قائمة وتثير غضب واشنطن.
أرقام تضع أوروبا تحت المجهر
روسيا كانت قبل العقوبات أكبر مورّد للنفط الخام إلى الاتحاد الأوروبي بنسبة 29% عام 2021، ثم انخفضت هذه الحصة بشكل حاد مع الحظر، لكن البدائل جاءت بكلفة مرتفعة، فوفق بيانات وكالة الطاقة الدولية؛ استورد الاتحاد الأوروبي في 2024 أكثر من 1.2 مليون برميل يومياً من الديزل من الهند وتركيا، في حين يُعتقد أن جزءاً كبيراً من هذه الكميات مصدره الخام الروسي. هذا الالتفاف لا يُرضي ترامب الذي يصرّ على أن استمرار شراء هذه الكميات -حتى لوكان عبر أطراف وسيطة- يُبقي شرايين مالية مفتوحة أمام موسكو.
في خطابه الأخير، خاطب ترامب سفيره لدى حلف الناتو مات ويتكر قائلاً: “عليهم أن يتوقفوا عن شراء النفط من روسيا يا مات.. ومات لن يسمح باستمرار ذلك طويلاً”. هذه العبارة تحمل أكثر من معنى؛ فهي لا تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل تمتد إلى البعد الأمني، فترامب يرى أنَّ على الحلفاء الذين يستفيدون من مظلة الناتو الأمنية، أن يلتزموا بالخط السياسي والاقتصادي نفسه في مواجهة روسيا، وأي تباين -من وجهة نظره- يُضعف وحدة الصف ويقوّض فعالية العقوبات.
بوتين في مرمى الغضب
لم يكتفِ ترامب بانتقاد أوروبا، بل عبّر عن خيبة أمله من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قائلاً: “أنا محبط جداً من الرئيس بوتين”، وأضاف أنَّ الحرب يمكن أن تتوقف إذا جرى الضغط على أسعار النفط “قليلاً أكثر”، ولعلّ المقصود هنا أن خفض الإيرادات النفطية الروسية إلى مستويات حرجة سيجبر الكرملين على مراجعة حساباته في أوكرانيا.
ورغم أن هذا الطرح يلقى صدى في واشنطن، إلا أن تنفيذه عملياً معقّد، في ظل استمرار الطلب العالمي القوي، وصعوبة تعويض الكميات الروسية بسرعة.
الانقسامات داخل أوروبا
الوحدة الأوروبية تجاه روسيا ليست مطلقة، فألمانيا وفرنسا تميلان إلى مقاربة أكثر تدرجاً، لتقليص الاعتماد على الطاقة الروسية خوفاً من انعكاسات اقتصادية على الصناعة والأسر، والمجر بدورها تتبنى موقفاً صريحاً برفض الانضمام إلى حظر كامل، معتبرة أن مصالحها الوطنية تقتضي استمرار الاستيراد عبر خط الأنابيب، أما بولندا ودول البلطيق فهي الأكثر تشدداً، حيث تطالب بعقوبات أوسع، وهذه الانقسامات تمنح ترامب مادة إضافية للهجوم، إذ يقدّم نفسه كمن يفضح “التراخي الأوروبي” أمام موسكو.
تداعيات تصريحات ترامب
على المستوى المالي، أحدثت تصريحات ترامب تقلبات في أسواق النفط، ففي اليوم التالي ارتفع خام برنت بنحو 1.2% ليصل إلى 86 دولاراً للبرميل، قبل أن يتراجع لاحقاً بفعل بيانات صينية ضعيفة. ويرى المحللون أن تهديدات ترامب قد تزيد من حالة عدم اليقين بشأن الإمدادات، خاصة إذا دفعت أوروبا إلى تشديد العقوبات على روسيا، ما سيؤدي إلى تقليص المعروض ورفع الأسعار عالمياً.
وبينما تضغط واشنطن على أوروبا، تُوسّع بكين وارداتها من النفط الروسي بأسعار مخفّضة، فالصين -التي أصبحت أكبر مشترٍ للخام الروسي- استفادت من خصومات تصل إلى 15 دولاراً للبرميل مقارنة بخام برنت، كما وجدت الهند وتركيا في هذا الوضع فرصة لإعادة التكرير والتصدير، محققة أرباحاً إضافية، وبالتالي فإن أي خطوة أوروبية إضافية لتقليص الواردات ستزيد من اعتماد روسيا على هذه الأسواق الآسيوية، ما قد يُعيد تشكيل خريطة تجارة الطاقة العالمية.
سيناريوهات مستقبلية
أمام أوروبا ثلاثة خيارات رئيسية: الأول هو تشديد الحظر بالكامل، وهو ما يطالب به ترامب وبعض الدول المتشددة، لكنه سيؤدي إلى ارتفاع الأسعار محلياً، أما الثاني فهو الإبقاء على الوضع الراهن مع استمرار التدفقات غير المباشرة، وهو خيار يضمن استقراراً مؤقتاً لكنه يُبقي روسيا على قيد الحياة مالياً. ويتمثل السيناريو الأخير في إيجاد بدائل جديدة عبر زيادة الواردات من الولايات المتحدة والخليج وأفريقيا، وهو مسار يتطلب وقتاً واستثمارات ضخمة في البنية التحتية.
تصريحات ترامب الأخيرة ليست مجرد موقف عابر، بل هي جزء من رؤية أشمل لإعادة صياغة العلاقة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، حيث إن النفط الروسي بالنسبة له ليس مجرد سلعة، بل ساحة اختبار للولاء السياسي.
ومع استمرار الحرب في أوكرانيا، وتصاعد حدتها بعد استهداف أوكرانيا لعدد من مصافي النفط الروسية بالطائرات المسيّرة، ستظل أوروبا عالقة بين مطرقة الحاجة إلى الطاقة وسندان الضغوط الأمريكية المتصاعدة، وفي كل الأحوال يبدو أن “سلاح الطاقة” سيبقى في قلب الصراع الجيوسياسي لسنوات مقبلة.
اقرأ أيضًا: خفض سقف النفط الروسي.. أوروبا تشدد الخناق الاقتصادي على موسكو
