تقرير: باسل محمود
يشهد الاقتصاد الأمريكي فترة من التحديات الاقتصادية المتزايدة التي تتطلب رؤية استراتيجية وأدوات سياسية فعّالة لمواجهتها، حيث يجد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نفسه أمام ضغوط داخلية وخارجية، تتطلب منه اتخاذ خطوات جريئة وحذرة في الوقت ذاته.
فمن تباطؤ النمو الاقتصادي إلى التضخم الذي لا يزال أعلى من النسب المستهدفة، ومن تزايد الديون الفيدرالية إلى تأثير التوترات التجارية مع الصين وتحالف بريكس، تتشابك هذه العوامل لتضع الاقتصاد الأمريكي أمام اختبار حقيقي.
عودة ترامب.. بداية حقبة جديدة
مع عودة دونالد ترامب إلى الساحة السياسية كرئيس للولايات المتحدة، تنتظر الأسواق والشركات والعالم بأسره انعكاسات هذه الحقبة الجديدة على الاقتصاد الأمريكي والسياسات المالية، خاصةً وأنّ الاقتصاد الأمريكي يمرّ في وقتٍ حرج يواجه فيه تحديات واسعة النطاق من ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو.
وفي ظل هذه الظروف الضبابية، يعتزم ترامب إحداث تغييرات جذرية تشمل اللوائح المالية، وسياسات الطاقة، والعلاقات التجارية مع دول مثل الصين.
وفي هذا السياق، يشير نائب عميد كلية الأعمال بجامعة آل البيت، الأردن، الأستاذ الدكتور عمر خليف غرايبة، في تصريحات خاصة لـ “Econ-pedia” إلى أنَّ الإدارة الأمريكية الحالية، بقيادة الرئيس دونالد ترامب، تواجه تحديات اقتصادية كبيرة ومتداخلة تتطلب رؤية شاملة وتوازنات دقيقة للتعامل معها.
اقرأ أيضًا: هل يلجأ ترامب لإعادة العقوبات على نفط إيران وفنزويلا؟
التباطؤ في النمو الاقتصادي وارتفاع التضخم
يعد التباطؤ الاقتصادي أحد أبرز التحديات أمام الإدارة الأمريكية الجديدة؛ حيث إنَّ معدَّل النمو في الولايات المتحدة لعام 2024 لم يتجاوز في أحسن حالاته نسبة 3%، ويعتبر هذا المعدل منخفضًا إذا ما قورن مع عوائد سندات الخزانة الأمريكية التي تجاوزت 4%، مما يعني أن العائد على النمو الاقتصادي أقل مما تدفعه الحكومة لحاملي السندات، وهو ما يؤثر بشكل سلبي في الاقتصاد.
ومن ناحية أُخرى، يؤكد الدكتور غرايبة أنَّ التضخم يمثل تحديًا آخر يواجه الاقتصاد الأمريكي، حيث بلغ في سبتمبر حوالي 2.4%، وهو قريب من المستوى المستهدف عند 2%، لكن يظل هذا الرقم مرتفعًا في ظل الزيادات في متوسط الأجور ومؤشر أسعار المنتجين.
كما أن التوترات الجيوسياسية وتكاليف الشحن المرتفعة تسهم في رفع أسعار السلع الأساسية مثل الغذاء والطاقة، مما يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطن الأمريكي.
ترامب يفتح الباب أمام طفرة في العملات المشفرة
منذ إعلان فوز ترامب، بدأ الحديث عن تحولات جوهرية في القطاع المالي الأمريكي، وخاصة في مجال الأصول الرقمية والعملات المشفرة؛ حيث أعلن ترامب دعمه الواضح لتلك الأصول في أكثر من مناسبة، متعهدًا بتهيئة البيئة القانونية والتشريعية لتُصبح صديقةً للاستثمار الرقمي.
ومن المتوقع أن يعيَّن ترامب أحد الجمهوريين المؤيدين للعملات المشفرة، مثل هيستر بيرس، رئيسة للجنة الأوراق المالية والبورصات الأمريكية (SEC)، لتخفيف القيود الصارمة التي فرضتها اللجنة في الأعوام الماضية، وهذا قد يفتح الباب أمام طفرة في الاستثمار بالعملات الرقمية، معززة بثقة السوق بوعود الرئيس المنتخب.
تعرّف إلى تفاصيل العلاقة بين ترامب وإيلون ماسك
ارتفاع قياسي لأسعار البتكوين
شهدت أسعار عملة “بتكوين” ارتفاعًا تاريخيًا عقب إعلان نتائج الانتخابات، حيث تخطت حاجز الـ 75 ألف دولار للمرة الأولى، ويعود هذا الارتفاع جزئيًا إلى دعم ترامب للأصول الرقمية وتوقعات المستثمرين بأنَّ تخفيف اللوائح سيحفز السوق.
علاوةً على ذلك، فاز مرشح مؤيد للعملات المشفرة بمقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية أوهايو، مما أضاف زخمًا إضافيًا على توجه السياسات الداعمة لهذه الصناعة.
تصاعد الديون الفيدرالية
يشير الدكتور غرايبة إلى أنَّ الديون الفيدرالية الأمريكية تجاوزت حاجز 35 تريليون دولار، مقارنة بالناتج المحلي الإجمالي الذي يبلغ نحو 25 تريليون دولار، مما يؤدي إلى تضييق خيارات الحكومة في مجال الإنفاق، سواء على البنية التحتية أو الطوارئ، ويجعل التباطؤ الاقتصادي تحديًا أكبر.
إلغاء التنظيمات البيئية ودعم الطاقة التقليدية
يرى ترامب أن القيود البيئية الحالية تًعيق نمو قطاع الطاقة التقليدية وتثقل كاهل الشركات، لذلك يسعى لإلغاء التشريعات المتعلقة بالمناخ التي تم فرضها في عهد بايدن، وتقليص القيود على قطاعات النفط والغاز والفحم؛ مما يتيح لتلك الصناعات زيادة الإنتاج والأرباح، ويعيد هيكلة استثمارات الطاقة التقليدية.
إضافةً إلى ذلك، يعتزم ترامب إلغاء الأموال غير المصروفة ضمن قانون خفض التضخم، والتي كان لها دور كبير في دعم مشاريع الطاقة المتجددة. وعلى الرغم من أن هذه القرارات تحتاج موافقة الكونغرس، إلا أنَّها تحظى بتأييد جزئي بين بعض النواب الجمهوريين، مما يعزز فرص تمريرها.
تأثيرات على الاقتصاد الأخضر
بالرغم من أن إلغاء التشريعات البيئية قد يوفر مكاسب مالية للشركات على المدى القصير، إلا أنَّه يُهدد مستقبل الاستدامة البيئية، ويُثير تساؤلات حول مصير الشركات المستثمرة في الطاقة النظيفة.
الأموال التي تم تخصيصها لدعم مشروعات مثل الطاقة الشمسية والرياح مهددة بالزوال، مما قد يؤدي إلى تراجع الاستثمارات الجديدة في هذا القطاع، ويعيد التركيز نحو الطاقة الأحفورية.
السياسة النقدية التيسيرية
يقول الدكتور غرايبة: “بسبب انخفاض معدلات الفائدة، يواجه الاقتصاد الأمريكي احتمالية خروج “الأموال الساخنة” من البنوك الأمريكية باتجاه دول تقدم معدلات فائدة أعلى، مما يؤثر في قوة الدولار”.
أضاف: “قد يؤدي هذا الوضع إلى تباطؤ اقتصادي، بسبب ارتفاع تكاليف التمويل وتأثيره السلبي في القطاعات التصنيعية والخدمية، إلى جانب قطاع الإسكان الذي يعاني بالفعل من ارتفاع أسعار الإيجارات ونقص في العرض”.
إعادة تشكيل السياسة التجارية
من المتوقع أن تتخذ سياسة ترامب التجارية طابعًا حمائيًا أكثر مما كانت عليه، مع نية استئناف الحروب التجارية مع الصين وفرض تعرِفات جديدة على المنتجات الأوروبية، هذا التوجه من شأنه أن يعيد هيكلة التجارة العالمية ويجعل الولايات المتحدة في موقف اقتصادي دفاعي أمام الاقتصادات الكبرى الأخرى.
كما أنّ فرض تعرِفات بنسبة 10% على المنتجات الأوروبية سيضع ضغوطًا جديدة على التجارة الأمريكية الأوروبية، مما قد يزيد من العجز في الميزان التجاري الأمريكي.
من جهة أخرى، سيتعين على الشركات الأمريكية دفع تكاليف إضافية لتوريد المواد الخام من أوروبا وآسيا، ما قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار المنتجات المحلية وتقليل تنافسية السلع الأمريكية في الأسواق العالمية.
بريكس تهدد هيمنة الدولار
تُمثل دول بريكس 40% من سكان العالم و30% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وبالتالي فإنَّ إقامة نظام مالي بديل قد يعيد تشكيل النظام المالي الدولي ويؤثر في قيمة الدولار الأمريكي، مما يجعل هذا التحالف تهديدًا طويل الأمد لاستقرار النظام الاقتصادي الأمريكي.
وفي هذا السياق، ينوِّه الدكتور غرايبة إلى أن التوترات التجارية مع الصين وتحالف “بريكس” تمثل تحديات خارجية ضخمة؛ فالدول الأعضاء تسعى إلى إنشاء نظام مالي بديل قد يضعف من هيمنة الدولار.
قد يهمّك أيضًا: هل ينهي ترامب الحرب الروسية الأوكرانية؟
استراتيجية ترامب المطلوبة
خلص الدكتور غرايبة إلى أنَّ الرئيس ترامب بحاجة ماسة إلى توازنات دقيقة بين النمو والتضخم، ومرونة أكبر في التعامل مع التوترات التجارية والمخاطر الجيوسياسية، وأنّ عودته إلى الرئاسة أتت مع تحديات اقتصادية كبيرة تتطلب حلولًا متوازنة تتناسب مع تعقيد المشهدين الداخلي والخارجي.
وبينما تعهدت الإدارة المقبلة بتطبيق سياسات تهدف إلى دعم النمو الاقتصادي على المدى القصير، فإن تأثير هذه السياسات على المدى البعيد يظل غير مؤكد، في ظل وجود قوى خارجية وتحديات محلية تُهدد استقرار الاقتصاد الأمريكي.
عودة ترامب إلى البيت الأبيض تؤثّر في قطاع الطاقة الأمريكي! اقرأ المزيد
