منذ أن أدى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اليمين الدستورية لولايته الثانية في يناير 2025، شهدت الولايات المتحدة والعالم تحولات دراماتيكية في الملفات الاقتصادية والتجارية والسياسية؛ فخلال 6 أشهر فقط تمكن من فرض أجندة ذات تأثير عميق على أسواق المال، والسياسات النقدية، والهجرة، والعلاقات التجارية العالمية، مستخدمًا مزيجًا من التشريعات المثيرة للجدل، والأوامر التنفيذية السريعة، والخطاب الشعبوي الذي لا يخلو من المفاجآت، بحسب فايننشال تايمز.
وقد اتسمت هذه الفترة القصيرة بقرارات متسارعة قلبت موازين اللعبة التقليدية، وأعادت الولايات المتحدة إلى واجهة الجدل الاقتصادي العالمي، لتثير تساؤلات جوهرية حول مستقبل الاقتصاد العالمي وأمنه المالي.
ما يميز نهج ترامب هذه المرة، هو اعتماده على التحركات المباشرة والسريعة، بعيدًا عن المسارات التشريعية المعقدة، عبر إصدار 170 أمرًا تنفيذيا في غضون ستة أشهر فقط، بمعدل يقترب من أمر واحد يوميًا، متفوقًا على جميع أسلافه في العقود الأخيرة.
وبينما يرى مؤيدوه أن هذه القرارات تجسد وعوده الانتخابية بإعادة القوة لأمريكا، يحذر خبراء الاقتصاد من أن هذه السرعة في سن القرارات قد تُضعف الاستقرار المؤسسي وتؤدي إلى ارتدادات عكسية على الأسواق والاقتصاد الكلي.
الأسواق تحت الضغط والدولار في عين العاصفة
من أبرز الأحداث التي هزت الأسواق خلال النصف الأول من العام، كانت خطوة ترامب المفاجئة في أبريل، حين أعلن فرض رسوم جمركية واسعة النطاق في ما سماه “يوم التحرير”.
هذا الإعلان كان بمثابة صدمة كهربائية أصابت الأسواق العالمية بالشلل؛ إذ شهدت الأسهم الأمريكية أكبر تراجع يومي لها منذ خمس سنوات، فيما ارتفعت المخاوف من حرب تجارية شاملة.
لكن -وكما اعتادت الأسواق في عهده- لم يلبث ترامب أن تراجع عن التنفيذ الكامل لهذه الرسوم، ما أتاح للأسواق فرصة للتعافي وتحقيق مستويات قياسية لاحقًا، في سيناريو يعكس حالة “التأرجح الاستراتيجي” التي تطبع قرارات الإدارة الأمريكية الحالية.
على الرغم من هذا التعافي الظاهري إلا أنَّ الدولار الأمريكي يمر بواحدة من أسوأ فتراته منذ عام 1973، فقد تراجعت قيمته أمام معظم العملات الرئيسية بفعل الضغوط المتزايدة على استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، بعد الهجمات المتكررة من ترامب على سياساته النقدية، إلى جانب المخاوف من تصاعد عجز الموازنة وزيادة مستويات الدين العام.
وباتت الأصول المقومة بالدولار أقل جاذبية للمستثمرين الأجانب الذين بدأوا في البحث عن بدائل آمنة، مثل الذهب واليورو، تحسبًا لأي انهيار مفاجئ في استقرار العملة الأمريكية.
اقرأ أيضًا: من نيكسون إلى ترامب.. الدولار يدفع الثمن
الهجرة.. حملة ترحيل غير مسبوقة
الملف الأكثر حساسية في أجندة ترامب هو ملف الهجرة، فخلال حملته الانتخابية لعام 2024 وعد بالتصدي لما وصفه بـ”الهجرة غير الشرعية” عبر إجراءات صارمة، لكن الواقع تجاوز كل التوقعات؛ فوفقا لبيانات مشروع “Deportation Data Project” في جامعة كاليفورنيا، قفزت الاعتقالات التي تنفذها وكالة الهجرة والجمارك الأمريكية إلى مستويات غير مسبوقة، إذ بلغت في بعض الأيام أكثر من 1,400 حالة يوميًا، مقارنة بمتوسط لم يتجاوز 500 حالة في عهد بايدن.
ورغم أن ترامب برر حملته بأنها تستهدف المهاجرين ذوي السجلات الإجرامية، تكشف البيانات أن معظم الاعتقالات طالت أشخاصًا بلا إدانات، ما أثار موجة من الانتقادات الحقوقية داخليًا وخارجيًا، لا سيّما أنّ هذه السياسة تندرج ضمن خطة أشمل تهدف إلى ترحيل مليون شخص سنويًا، وهو رقم غير مسبوق في تاريخ الولايات المتحدة الحديث.
هذه الخطوة، تُلقي بظلالها على سوق العمل، خاصة في القطاعات التي تعتمد بشكل كبير على العمالة المهاجرة مثل الزراعة والبناء والخدمات، مما قد يؤدي إلى ضغوط إضافية على التضخم وتكلفة الإنتاج.
تعرّف على الموضوع بشكل أوسع في تقريرنا الحصري: قانون الهجرة الجديد في أمريكا
الرسوم الجمركية.. عودة إلى مستويات القرن الماضي
لا يقل الملف التجاري سخونة عن ملف الهجرة، إذ دفع ترامب بالولايات المتحدة، إلى حافة حرب تجارية عالمية من خلال زيادة معدلات الرسوم الجمركية بشكل غير مسبوق منذ قرن من الزمان. ووفقًا لتقديرات فايننشال تايمز، ارتفع معدل التعريفة الفعلية الأمريكية من 2% في يناير إلى 8.8% حتى منتصف يوليو 2025، وهو ارتفاع ضخم يعكس النهج الحمائي المتشدد الذي تتبناه الإدارة الحالية.
هذه الرسوم أضافت حتى الآن نحو 47 مليار دولار إلى الإيرادات الحكومية مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، مع فرض ضريبة قدرها 30% على الواردات الصينية وحدها.
وتذهب التوقعات إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فوفقا لدراسة أعدها مختبر الموازنة بجامعة ييل، إذا ما تم تنفيذ جميع السياسات المعلنة حتى منتصف يوليو، بما في ذلك الرسوم على الاتحاد الأوروبي والمكسيك، فقد يصل معدل التعريفة الفعلية إلى 20.6%، وهو أعلى مستوى منذ عام 1910.
هذا السيناريو لا يهدد فقط العلاقات التجارية الأمريكية، بل يفتح الباب أمام تداعيات تضخمية قد تدفع الاحتياطي الفيدرالي إلى خيارات صعبة بين احتواء الأسعار وتحفيز النمو.
هل بدأت موجة الانكماش العالمي؟ نظرة على تداعيات رسوم ترامب
الأوامر التنفيذية
منذ 20 يناير وحتى منتصف يوليو، أصدر ترامب 170 أمرًا تنفيذيًا، في وتيرة غير مسبوقة تجعل من هذه الأوامر أداة أساسية لإدارة الحكم، متجاوزًا بذلك القيود التقليدية التي يفرضها الكونغرس، وقد شملت هذه الأوامر سياسات مثيرة للجدل، أبرزها فرض رسوم “يوم التحرير”، والطعن في مبدأ حق الجنسية بالولادة، واستهداف النظام القضائي بمبادرات تعيد تشكيل توازن السلطات.
هذه القرارات السريعة، تحقق لترامب مرونة سياسية، لكنها تثير في الوقت نفسه مخاوف من تقويض الضوابط المؤسسية التي تحافظ على توازن القوى في النظام الأمريكي. ويرى خبراء أن هذا النهج يعكس “تحولًا من الديمقراطية التشريعية إلى الرئاسية المطلقة”، بما ينطوي عليه ذلك من مخاطر على المدى الطويل.
مشروع “القانون الكبير والجميل”
إحدى أهم محطات ترامب في هذه الأشهر الستة، كانت توقيعه في الرابع من يوليو على قانون “One Big Beautiful Bill Act” الذي يمثل حجر الزاوية في أجندته الاقتصادية.
هذا القانون مدّد التخفيضات الضريبية التي يستفيد منها الأفراد والشركات، في خطوة تهدف إلى تحفيز النمو الاقتصادي، لكنه في المقابل أجرى تقليصات ضخمة في برامج الرعاية الاجتماعية، خاصة برنامج “Medicaid” المخصص لذوي الدخل المنخفض، ما قد يترك 11 مليون أمريكي بلا تأمين صحي بحلول 2034، بحسب مكتب الموازنة في الكونغرس.
القانون خصَّص أيضًا 170 مليار دولار لتعزيز أمن الحدود وإنفاذ قوانين الهجرة، منها 45 مليار دولار لزيادة الطاقة الاستيعابية لمراكز الاحتجاز، في دلالة واضحة على تداخل الأبعاد الاقتصادية والسياسية في أجندة ترامب.
لكن هذه السياسات جاءت على حساب زيادة متوقعة في عجز الموازنة، مع تحذيرات من إمكانية تجاوز الدين العام الأمريكي مستويات غير مسبوقة.
حملة تقليص الحكومة
في سياق موازٍ، أطلق ترامب مبادرة غير تقليدية لتقليص حجم الحكومة عبر وزارة جديدة حملت اسم وزارة الكفاءة الحكومية “DOGE”، أسندت إدارتها في البداية إلى الملياردير إيلون ماسك، تحت شعار القضاء على الهدر والفساد.
هذه الحملة قادت إلى إغلاق وكالات فيدرالية كبرى، مثل مكتب حماية المستهلك، وتسريح 67 ألف موظف فيدرالي منذ يناير، إضافة إلى تقليص حاد في ميزانيات هيئات حساسة مثل مراكز السيطرة على الأمراض وإدارة الغذاء والدواء.
ورغم مغادرة ماسك منصبه في مايو فإن حملة الخفض مستمرة، وسط جدل حاد بين من يرى أنها خطوة ضرورية لزيادة كفاءة الحكومة، ومن يحذر من تداعياتها على الصحة العامة والرقابة على الأسواق.
إلى أين تتجه أمريكا؟
المشهد الراهن يعكس تناقضات حادة، فمن جهة يسوّق ترامب لإصلاحات تهدف إلى تعزيز التنافسية، وتحقيق أمن اقتصادي وسياسي، ومن جهة أخرى تواجه الأسواق حالة من اللايقين الهيكلي، مع مخاطر متصاعدة لركود تضخمي، وتآكل استقلالية المؤسسات، وارتفاع الدين العام.
في هذا السياق، يبقى سؤال، هل سيؤدي هذا النهج إلى “أمريكا أقوى” كما يروّج ترامب، أم إلى أزمة ثقة قد تعصف بالنظام الاقتصادي العالمي؟
قد يهمّك أيضًا: اشتعال المواجهة بين ترامب وإيلون ماسك.. من التحالف إلى التهديد
