أعاد تراجع منسوب النيل بمصر والسودان، وظهور مساحات رملية في أجزاء من مجراه، المخاوف بشأن شح المياه وتداعياته المحتملة على الزراعة ومياه الشرب والأمن الغذائي، في وقت تعاني فيه البلاد أوضاعًا إنسانية واقتصادية متفاقمة بفعل الحرب المستمرة في الشرق الأوسط.
وجددت هذه التطورات الجدل بشأن طريقة إدارة وتشغيل سد النهضة الإثيوبي، في ظل استمرار الخلاف بين إثيوبيا من جهة، ومصر والسودان من جهة أخرى، حول قواعد تصريف المياه وآليات التعامل مع فترات الجفاف والجفاف الممتد.
وتطالب مصر والسودان بالتوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم تشغيل السد ويحدد قواعد واضحة لتبادل البيانات والتنسيق بين الدول الثلاث، خصوصًا خلال فترات انخفاض الأمطار والتدفقات المائية، بينما تتمسك إثيوبيا بإدارة السد وفق رؤيتها، ما يبقي ملف الأمن المائي الإقليمي مفتوحًا أمام مزيد من التوتر.
السودان يواجه تداعيات التحكم الأحادي بسد النهضة
وفي هذا الصدد، قال الدكتور أحمد عناني، خبير العلاقات الدولية، إن السودان بدأ يواجه تداعيات التعنت والمماطلة من جانب الإدارة الإثيوبية، وإصرارها على التحكم بصورة أحادية في تدفقات المياه عبر سد النهضة، متجاهلة تحذيرات الخبراء والمنظمات الدولية المعنية بالمناخ والأرصاد الجوية.
وأوضح عناني أن المرحلة الحالية تتزامن، وفق تقديره، مع تأثيرات مرتبطة بظاهرة النينيو وارتفاع درجات حرارة أسطح المياه في مناطق من الجنوب العالمي، بما يزيد احتمالات التعرض لفترات جفاف طويلة.
وأشار إلى أن مخاطر الجفاف لا تهدد السودان وحده، وإنما تمتد إلى المنطقة بأكملها، إلا أن السودان يظل الحلقة الأضعف والأقل استعدادًا لمواجهة مثل هذه الظروف، في ظل انشغال الدولة بملفات وأزمات أخرى دفعت قضية المياه إلى مرتبة ثانوية، رغم خطورتها المباشرة على حياة المواطنين والاقتصاد.
اقرأ أيضًا: موجات الحر في أوروبا تبرز الاعتماد التجاري على الصين
ضرورة إعداد خطة سودانية بديلة
وأضاف عناني أن الحكومة السودانية تؤكد أن انخفاض منسوب المياه مؤقت، وأن الوضع لا يزال تحت السيطرة، إلا أن ذلك لا يلغي ضرورة إعداد خطة بديلة للتعامل مع أي تطورات محتملة في تدفقات المياه.
وأشار إلى أن مصر وإثيوبيا وضعتا، استراتيجيات للتعامل مع التداعيات المحتملة لارتفاع درجات الحرارة وفترات الجفاف، بما يتضمن حماية موارد المياه السطحية والجوفية.
وأكد أن السودان مطالب بالتعامل بشفافية مع مواطنيه، وإعداد خطط واضحة ومعلنة لمواجهة أزمة المياه، بدلًا من الاكتفاء بالتأكيدات المتعلقة بالطبيعة المؤقتة لانخفاض المنسوب.
ولفت إلى إمكانية استفادة السودان من موقعه على البحر الأحمر من خلال التوسع في مشروعات تحلية المياه، بما يسهم في توفير إمدادات أكثر استدامة ويخفف الضغط على الموارد النهرية والجوفية، على غرار ما تطبقه دول عديدة حول العالم.
دعوة إلى تفعيل المسار القانوني
وفيما يتعلق بالتحرك القانوني، أوضح عناني أن التعامل مع إثيوبيا يظل معقدًا، إلا أن الخيار القانوني ما زال متاحًا، ويجب العمل على تفعيله باستخدام جميع الأوراق والوسائل الضاغطة الممكنة.
واعتبر أن تعريض حياة ملايين البشر في المنطقة للخطر يمثل اعتداءً مباشرًا على حقوق الدول وسيادتها، ما يستدعي تصعيد ملف سد النهضة والأمن المائي إلى المنصات القانونية الدولية، لضمان حماية الحقوق المائية لكل من السودان ومصر.
اقرأ أيضًا: كيف يغذي سد النهضة ثورة السيارات الكهربائية في إثيوبيا؟
أزمة سد النهضة تقترب من مرحلة الصدام
ومن جانبه، قال الدكتور حامد فارس، أستاذ العلاقات الدولية، إن التطورات المرتبطة بسد النهضة تشير إلى أن العلاقات بين القاهرة وأديس أبابا دخلت بالفعل مرحلة تقترب من صدام حقيقي، خصوصًا مع بداية سنوات الجفاف والجفاف الممتد، وما قد يترتب عليها من تأثير مباشر في مصر والسودان نتيجة طريقة تشغيل السد الإثيوبي.
وأوضح فارس أن الحديث الإثيوبي عن عدم وجود مواقف أو تصرفات أحادية لا يتوافق مع الواقع والحقائق، كما أنّه يتناقض مع قواعد القانون الدولي المنظمة للأنهار العابرة للحدود.
وأكد أن نهر النيل يُعد من الأنهار الدولية العابرة للحدود، ولذلك لا يمكن لدولة واحدة أن تدعي امتلاك السيادة المنفردة عليه، أو تتصرف في مياهه بصورة أحادية بعيدًا عن مصالح وحقوق بقية الدول المشتركة في النهر.
انتقال الخلاف من ملء السد إلى تشغيله
وأشار أستاذ العلاقات الدولية إلى أن الدولة المصرية، عقب توقيع اتفاق إعلان المبادئ عام 2015، لم تعترض على إقامة سد النهضة الإثيوبي، موضحًا أن السد أصبح أمرًا واقعًا، كما أنّ إثيوبيا قد انتهت بالفعل من عملية ملئه، وهذا يعني تجاوز جزء كبير من المشكلة الرئيسة التي ظلت محل تفاوض ومباحثات على مدار فترات طويلة، وكانت تتمثل في كيفية تنفيذ عملية الملء ومراحلها.
وفي هذا السياق، شدد فارس على أن القضية الأساسية المطروحة في المرحلة الراهنة لم تعد تتعلق بملء السد، وإنما بكيفية إدارته وتشغيله خلال سنوات الجفاف والجفاف الممتد، لما تمثله هذه السنوات من خطورة مباشرة على الأمن المائي المصري والسوداني.
تحذير من المساس بحقوق مصر المائية
وأكد فارس أن الدولة المصرية لن تقبل، بأي حال من الأحوال، تعطيش المصريين أو حجب المياه عنهم، والمساس بحقوق الشعب المصري المائية أو خفض كميات المياه التي تصل إليه خلال سنوات الجفاف.
وأوضح أن خطورة سنوات الجفاف تتمثل في التراجع الكبير في معدلات سقوط الأمطار، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على حجم المياه المتدفقة في نهر النيل والمتجهة إلى دولتي المصب، مصر والسودان.
وأشار إلى أنه من المفترض أن تشهد شهور الفيضان، خصوصًا يوليو وأغسطس، وصول الحصة الأكبر من المياه إلى مصر، إلا أن الخلافات المرتبطة بطريقة تشغيل سد النهضة قد تؤدي إلى انخفاض كميات المياه المتدفقة خلال هذه الفترة.
واختتم الدكتور حامد فارس تصريحاته بالتأكيد على أن استمرار إثيوبيا في إدارة السد وتشغيله بصورة منفردة، بالتزامن مع دخول المنطقة فترات الجفاف والجفاف الممتد، من شأنه زيادة احتمالات التصعيد واقتراب القاهرة وأديس أبابا من صدام مباشر.
قد يهمّك أيضًا: هل يدعم جهاز مستقبل مصر الإنتاج المحلي ويقلل الاستيراد؟
