شهدت الأسواق الخليجية الرئيسة يوم الأربعاء حالة من الاضطراب الواضح، تراجعت خلالها غالبية المؤشرات، في أعقاب الغارة الجوية الإسرائيلية التي استهدفت العاصمة القطرية الدوحة مساء الثلاثاء، حيث انعكس هذا الحدث الأمني غير المسبوق في المشهد القطري مباشرة على المزاج الاستثماري في المنطقة، وتحركت الأسواق على وقع القلق والتوترات السياسية.
قطر: السوق الأكثر تأثرًا بالحدث
تصدرت بورصة قطر المشهد من حيث التأثر المباشر بالغارة، إذ تراجع المؤشر العام بنسبة 0.20% ليغلق عند 11084.95 نقطة، فاقدًا نحو 22.50 نقطة مقارنة بجلسة الأمس. وبلغت السيولة المتداولة 47.09 مليون ريال، توزعت على 18.75 مليون سهم عبر 1.97 ألف صفقة.
وقالت حنان رمسيس، خبيرة أسواق المال، إن السوق القطرية كانت الأكثر حساسية للتطور الأخير، مشيرة إلى أن خمسة قطاعات رئيسية قادت التراجع، في مقدمتها قطاع النقل الذي خسر 1.07%، فيما ارتفع قطاع الاتصالات بنسبة طفيفة بلغت 0.53%، واستقر قطاع البنوك والخدمات المالية. وأكدت أن هذه التركيبة تعكس طبيعة السوق التي غالبًا ما تتأثر بشكل مباشر بالتوترات السياسية نظرًا لانفتاحها على الاستثمارات الأجنبية.
السعودية: انعكاس فوري على السوق الأكبر
في المملكة العربية السعودية، التي تمثل السوق الأضخم في المنطقة، انخفض المؤشر الرئيس بنسبة 0.42% أي ما يعادل 44 نقطة، ليصل إلى مستوى 10484 نقطة، وبلغت قيمة التداولات الإجمالية نحو 7 مليارات ريال، وهو ما اعتبرته رمسيس انعكاسًا لحالة الحذر الشديد لدى المستثمرين في سوق تُعد الأكثر ارتباطًا بالتطورات الإقليمية، وأوضحت أن التراجع شمل أسهم قيادية مثل «مصرف الراجحي» الذي فقد 0.2% من قيمته، و«أرامكو» التي تراجعت بنسبة 0.3%.
ولفتت الخبيرة إلى أن السوق السعودية دائمًا ما تكون مرآة حساسة للتوترات الجيوسياسية، مستشهدة بأزمات سابقة مثل الهجمات على منشآت «أرامكو» في بقيق عام 2019، التي تسببت حينها في هبوط حاد بالأسواق قبل أن تستعيد توازنها مع استقرار الأوضاع.
الكويت: الاستثناء الوحيد
على خلاف المسار العام في المنطقة، تمكنت بورصة الكويت من الإفلات من الضغوط، حيث ارتفع مؤشر الكويت 50 بنسبة 0.57% (49 نقطة) ليغلق عند 8125 نقطة، مع تداولات تجاوزت 45 مليون دينار.
وأكدت رمسيس أن السوق الكويتية لعبت دور «الملاذ النسبي» في هذه الأزمة، حيث استغل المستثمرون الانخفاضات الإقليمية لضخ سيولة جديدة، ما يعكس عقلية استثمارية انتهازية تحاول الاستفادة من موجات التراجع.
الإمارات: تراجع تحت ضغط البنوك
وفي الإمارات، تحركت المؤشرات في الاتجاه السلبي أيضًا، حيث خسر مؤشر سوق دبي 0.32% (19 نقطة) ليصل إلى 5939 نقطة، فيما انخفض مؤشر سوق أبوظبي 0.11% (10 نقاط) ليغلق عند 9941 نقطة. وبلغ إجمالي التداولات في السوقين أكثر من 3 مليارات درهم، وأوضحت رمسيس أن القطاع المصرفي كان المحرك الأساسي للتراجعات، مع انخفاض سهم “بنك دبي الإسلامي” بنسبة 0.7% و”بنك الإمارات دبي الوطني” بنسبة 0.6%.
أسعار النفط ترتفع مع تصاعد التوترات في المنطقة
لم تتوقف ارتدادات الحدث عند حدود البورصات الخليجية، بل امتدت إلى أسواق الطاقة العالمية، حيث سجَّلت أسعار النفط ارتفاعًا ملحوظًا مدفوعة بمخاوف تصاعد التوترات في منطقة غنية بالموارد الحيوية، وزادت الضغوط على السوق مع تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي دعا أوروبا إلى فرض رسوم على مشتري النفط الروسي، في محاولة لإعادة رسم خريطة تجارة الطاقة.
ولكن ضعف التوقعات الاقتصادية العالمية حال دون استمرار المكاسب عند مستويات مرتفعة؛ إذ بقيت الأسواق حذرة من احتمالات تباطؤ النمو في الاقتصادات الكبرى، خاصة الولايات المتحدة والصين، ما حدّ من قدرة أسعار الخام على تحقيق قفزات كبيرة.
وفي هذا السياق، أوضحت رمسيس أن أسواق المال الخليجية تعكس بوضوح مدى الارتباط بين التطورات السياسية والأمنية في المنطقة والأداء الاقتصادي، وقالت: “ما نشهده اليوم يوضح أن أي تطور أمني كبير قادر على إعادة تشكيل المزاج الاستثماري في غضون ساعات، وهو ما يضع المستثمرين أمام معادلة معقدة تجمع بين العوامل الاقتصادية البحتة والمخاطر السياسية”.
وأضافت أن التجربة التاريخية للأسواق الخليجية تظهر أن مثل هذه الأزمات غالبًا ما تتسبب في هزات قصيرة الأجل، لكنها لا تلغي الأساسيات القوية للاقتصادات المحلية، وأشارت إلى أن أسواق المنطقة سبق أن تعرضت لصدمات مشابهة، مثل حرب الخليج الثانية عام 1990 أو الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، ومع ذلك استعادت توازنها تدريجيًا بمجرد عودة الاستقرار النسبي.
السيناريوهات المستقبلية لأسواق الخليج
ترى رمسيس أن السيناريو الأقرب في المدى القصير هو استمرار التذبذب والضغط البيعي، خاصة إذا استمرت التوترات الأمنية دون بوادر للتهدئة، أما في حال نجاح الجهود الدبلوماسية في احتواء الموقف فقد تعود الأسواق سريعًا لتعويض خسائرها، خصوصًا أن السيولة الأجنبية تبحث دائمًا عن فرص في أسواق ناشئة مثل الخليج.
وأكدت الخبيرة أنَّ أسعار النفط ستظل العامل الأكثر حساسية في المعادلة، موضحة أن أي ارتفاع مطرد في الأسعار قد يخفف من الضغوط على البورصات من خلال زيادة الإيرادات الحكومية وتحسين ثقة المستثمرين، لكنها حذرت من أن استمرار ضعف النمو العالمي قد يحد من تأثير ذلك.
ويتضح من مجمل الصورة أن الأسواق الخليجية وجدت نفسها مرة أخرى أمام اختبار مزدوج يجمع بين المخاطر الجيوسياسية وضبابية الاقتصاد العالمي، فبينما دفعت الغارة الإسرائيلية على قطر المؤشرات إلى التراجع شكَّلت الكويت الاستثناء الإيجابي، فيما ظل النفط يتحرك بين ضغوط التوترات الإقليمية والتباطؤ الاقتصادي العالمي.
وختمت رمسيس تصريحاتها بالقول: “الأسواق ستظل في دائرة التذبذب طالما بقيت المنطقة عرضة للتوترات، لكن الاستقرار السياسي قادر على إعادة الثقة، وفتح الباب أمام موجة صعود جديدة تعوض ما تكبدته المؤشرات من خسائر”.
قد يهمّك أيضًا: مصر تواجه قرار نتنياهو بإلغاء صفقة الغاز بمرونة.. هل تخسر إسرائيل؟
