ألقت حالة عدم اليقين المتزايدة بشأن السياسات التجارية الأمريكية الجديدة والرسوم الجمركية بظلالها الثقيلة على أسواق المال الخليجية، في وقت تبدو فيه المنطقة شديدة الارتباط بحركة التجارة الدولية وتدفقات رؤوس الأموال العالمية.
وفي ظل هذه التوترات يبدو أن المستثمرين في حالة ترقب حذر لما ستؤول إليه المحادثات المرتقبة بين الولايات المتحدة والصين، وسط تخوف واسع من تصعيد جديد قد يعيد الأسواق الناشئة إلى دوامة من التقلبات الحادة.
تراجعات تضرب الأسواق الخليجية وسط تصعيد أمريكي
شهدت الأسواق الخليجية، خلال جلسة تداول الأحد، موجة من التراجعات، وذلك في أعقاب التصعيد الذي قاده الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث اتهم الصين بخرق اتفاق تجاري ثنائي، معلنًا عزمه مضاعفة الرسوم الجمركية المفروضة على واردات الصلب والألمنيوم من 25% إلى 50%. هذا التوجه الجديد أعاد إلى الأذهان أجواء الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، وهو ما أثار قلق الأسواق العالمية، وخصوصًا الأسواق الخليجية التي غالبًا ما تتأثر بسرعة بالتطورات الاقتصادية الدولية.
وعلى الرغم من تصريحات لاحقة لترامب أكد خلالها نيته التحدث إلى نظيره الصيني بهدف تهدئة الأجواء، فإن هذه التصريحات لم تُفلح في تهدئة حالة الذعر التي انتابت الأسواق، لا سيما في ظل تفاعل المستثمرين مع الأخبار الواردة من القضاء الأمريكي، والتي قضت بإعادة تفعيل بعض الرسوم الجمركية السابقة التي سبق أن فرضها ترامب خلال ولايته الأولى.
وكانت محكمة استئناف فيدرالية قد أصدرت حكمًا يعيد مؤقتًا تطبيق هذه الرسوم، بعد أن أبطلتها محكمة تجارية سابقة بحجة أن الرئيس الأمريكي تجاوز صلاحياته التنفيذية، غير أن الحكم الجديد أعاد الجدل القانوني إلى الواجهة، مما زاد من الغموض الذي يخيّم على المشهد الاقتصادي، وأثار قلقًا متجددًا لدى المستثمرين، وخصوصًا في الأسواق الناشئة.
السوق السعودية تتصدر الخسائر
تأثَّرت السوق المالية السعودية بشكل كبير بالتطورات العالمية، حيث أنهى المؤشر العام “تاسي” تعاملات الأحد على انخفاض حاد بنسبة 1.5%، مغلقًا عند مستوى 10825 نقطة. وتصدر قطاع البنوك قائمة القطاعات الخاسرة، مع تراجع سهم “مصرف الراجحي” بنسبة 2.2%، وسهم “البنك الأهلي السعودي” بنسبة 0.9%.
كما انضم سهم شركة “أرامكو” العملاقة إلى قائمة التراجعات، حيث هبط بنسبة 0.7%، بعد إعلان الشركة نشر نشرة إصدار جديدة ضمن برنامج الصكوك الإسلامية، في خطوة تشير إلى نيتها العودة إلى سوق الدين، وكان من اللافت أن هذا الإعلان جاء بعد أقل من أسبوع على إصدار الشركة سندات دولية بقيمة 5 مليارات دولار بثلاث شرائح، ما أثار تساؤلات حول التوجهات التمويلية لـ”أرامكو” في الفترة المقبلة، واحتمال وجود خطط توسعية تتطلب تمويلاً إضافياً.
قطر تسجل ارتدادًا إيجابيًا محدودًا
شهدت بورصة قطر أداءً إيجابيًا طفيفًا، حيث ارتفع المؤشر العام بنسبة 0.4%، ليغلق عند مستوى 10501 نقطة، وجاء هذا الارتفاع لينهي سلسلة من الخسائر استمرت لخمس جلسات متتالية. وكان المحرك الرئيسي للارتداد هو صعود سهم “بنك قطر الوطني”، أكبر مؤسسة مصرفية في الخليج، بنسبة 1.1%، في إشارة إلى استمرار جاذبية القطاع البنكي القطري لدى المستثمرين حتى في ظل الضغوط العالمية.
تباين أداء الأسواق الخليجية الأخرى
سجلت باقي الأسواق الخليجية أداءً متباينًا، فقد تراجعت بورصة البحرين بنسبة 0.1%، لتغلق عند مستوى 1919 نقطة، في حين حققت بورصة عُمان مكاسب هامشية بنسبة 0.1%، لتنهي الجلسة عند 4565 نقطة.
أما بورصة الكويت، فقد سجلت أداءً إيجابيًا بارتفاع قدره 0.4%، مغلقة عند مستوى 8832 نقطة، في مؤشر على بعض الصمود في وجه موجة البيع التي سادت المنطقة.
السوق المصرية لم تكن بمنأى عن الضغوط
امتدت التراجعات إلى خارج نطاق الخليج لتصل إلى السوق المصرية، حيث تراجع المؤشر الرئيسي EGX30 بنسبة 0.6%، مغلقًا عند 32500 نقطة، بضغط من انخفاض سهم “البنك التجاري الدولي” بنسبة 2.7%، وهو ما أثّر بشكل ملحوظ على الأداء العام للبورصة المصرية، خاصةً أن السهم يمثل وزنًا ثقيلًا في تركيبة المؤشر.
اقرأ أيضًا: رسوم ترامب الجمركية تشعل مواجهة تجارية جديدة مع الصين وأوروبا
قراءة تحليلية: كيف تفاعل المستثمرون مع التصعيد الأمريكي؟
في تعليقها على التطورات، قالت هبة الحسيني، خبيرة أسواق المال، إن ما شهدته الأسواق الخليجية من تراجع حاد يعكس هشاشة الحالة النفسية لدى المستثمرين تجاه أي إشارات سلبية على الساحة الدولية. وأكدت أن السوق استوعب سريعًا خطورة التصعيد في ملف الرسوم الجمركية الأمريكية، خصوصًا بعد تصريحات ترامب بخصوص الصين، والتي أثارت مخاوف من عودة الحرب التجارية إلى الساحة العالمية.
وأشارت الحسيني إلى أنَّ الأسواق لم تكتفِ برد الفعل على التصريحات، بل تأثرت أيضًا بالقرار القضائي الذي أعاد العمل ببعض الرسوم السابقة، وهو ما زاد من حدة الترقب، ودفع المستثمرين نحو التسييل، خاصةً في القطاعات الأكثر تأثرًا بالحركة العالمية مثل البنوك والطاقة.
وأضافت أن السوق السعودية كانت الأكثر حساسية لهذا المشهد، متأثرة بإعلانات “أرامكو” التي فسّرها البعض على أنها محاولة للبحث عن تمويل إضافي، ما دفع المتداولين إلى تقييم المخاطر المستقبلية بشكل أكثر تحفظًا. وفي المقابل، قدّم السوق القطري نموذجًا إيجابيًا، يعكس مرونة القطاع المصرفي وقدرته على امتصاص الصدمات، في ظل وجود دعم مؤسسي قوي.
وفي ختام تصريحاتها، أكدت الحسيني أن أسواق الخليج لا تزال رهينة للتحركات الأمريكية، سواء على صعيد السياسة النقدية أو التجارية، وأن أي تصعيد جديد قد يعيد الأسواق إلى مربع التقلب، خاصة إذا تزايدت وتيرة القرارات المفاجئة من واشنطن، مشيرة إلى أن الحل الوحيد هو وضوح الرؤية في السياسات الأمريكية تجاه التجارة العالمية وأسعار الفائدة.
اقرأ أيضًا: الصين والاتحاد الأوروبي يعززان شراكتهما لمواجهة الضغوط الأمريكية
