قلّصت صناديق التحوط مراكزها في أسهم التكنولوجيا بأسرع وتيرة منذ بدء "غولدمان ساكس" رصد هذه البيانات عام 2016، في إشارة إلى انتقال المستثمرين من مراكمة رهانات الذكاء الاصطناعي إلى خفض المخاطر بعد موجة هبوط واسعة في القطاع.
وخلال جلسات التداول الخمس المنتهية في 15 أكتوبر، سجلت أسهم التكنولوجيا أكبر خفض نسبي في مراكز صناديق التحوط، فيما هبط مؤشر "ناسداك 100" بنسبة 5.5% في أسبوع، في أكبر تراجع له منذ أبريل 2025، وجاءت المبيعات مع انحسار شهية المستثمرين للأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بحسب بيانات مكتب العملاء الرئيسيين في غولدمان ساكس.
تراجع أسهم التكنولوجيا يبدأ بإزالة الرافعة
لم تكن الموجة مجرد بيع محدود لأسهم بعينها، بل شملت خفضاً في إجمالي المراكز أو ما يعرف بـ"إزالة الرافعة"، ويعني ذلك أن الصناديق تقلص حجم تعرضها للأسهم، سواء عبر تخفيف المراكز الشرائية أو إدارة المراكز البيعية، بهدف تخفيض حساسية المحافظ لتحركات السوق.
وسجلت الأسهم العالمية صافي بيع يعادل انحرافين معياريين مقارنة بتدفقات الاثني عشر شهراً السابقة، وهو مستوى يعكس سرعة غير اعتيادية في تقليص المخاطر، وقاد قطاع تكنولوجيا المعلومات عمليات البيع بفارق واسع، مسجلاً أكبر خفض في إجمالي المراكز خلال شهرين، بينما تلقت أسهم أشباه الموصلات الضربة الأكبر بالقيمة الدولارية.
وتحمل هذه النقطة أهمية خاصة لأن شركات الرقائق تمثل البنية الأساسية لرواية الذكاء الاصطناعي في الأسواق، فمراكز البيانات والنماذج المتقدمة والحوسبة السحابية تحتاج إلى قدرة معالجة هائلة، ما جعل أسهم أشباه الموصلات من أكبر المستفيدين من سباق الاستثمار في الذكاء الاصطناعي خلال الأعوام الماضية.
لكن التراجع الأخير يوضح أن المستثمرين بدأوا يعيدون تسعير العلاقة بين حجم الإنفاق على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والعائد المتوقع منها، فالشركات قد تستثمر مليارات الدولارات في الرقائق والخوادم ومراكز البيانات، بينما يحتاج المستثمر إلى رؤية نمو فعلي في الإيرادات والأرباح يبرر تقييمات الأسهم المرتفعة.
صناديق التحوط ما زالت مثقلة بالتكنولوجيا
رغم حجم البيع، ما زال قطاع التكنولوجيا يحتل وزناً كبيراً في محافظ عملاء غولدمان ساكس الرئيسيين، وبلغ صافي التخصيص للقطاع 23.5% من محفظة العملاء العالمية، وهو مستوى يقع عند الشريحة المئوية التسعين مقارنة بالسنوات الخمس الماضية.
هذا الرقم يوضح أن موجة البيع لم تتحول إلى تخارج كامل من التكنولوجيا، فالصناديق خففت مراكزها بعد ارتفاع طويل في التقييمات، لكنها ما زالت تحتفظ بانكشاف كبير على القطاع، ويعني ذلك أن نتائج شركات التكنولوجيا، وتوقعات الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، وأي تغير في أسعار الفائدة أو شهية المخاطرة، ستبقى عوامل قادرة على تحريك المحافظ بسرعة.
كما انخفض صافي الرافعة المالية إلى 48.6%، وهو أدنى مستوى في عام، ويقيس هذا المؤشر مقدار تفوق المراكز الشرائية على المراكز البيعية المكشوفة، بينما يشير هبوطه إلى أن الصناديق أصبحت أقل استعداداً لتحمل تقلبات إضافية في الأسهم، خاصة في القطاعات التي راكمت مكاسب قوية قبل التصحيح الأخير.
وتعكس هذه التحركات تحولاً في طريقة إدارة المخاطر أكثر من كونها حكماً نهائياً على مستقبل الذكاء الاصطناعي، فالصناديق تتحرك بسرعة عندما تصبح المراكز مزدحمة أو تتراجع الأسهم التي قادت السوق، لأنها تسعى إلى حماية الأرباح وتقليص الخسائر المحتملة.

ماذا حدث لرهانات الذكاء الاصطناعي؟
كانت أسهم التكنولوجيا المحرك الأساسي لارتفاعات الأسواق خلال الفترة الماضية، مستفيدة من توقعات بأن الذكاء الاصطناعي سيعيد تشكيل البرمجيات والحوسبة والخدمات السحابية والإعلان والبحث والقطاع الصناعي، ولكن هذا الصعود وضع كثيراً من الشركات أمام توقعات مرتفعة يصعب تلبيتها باستمرار.
وتظهر موجة البيع أن المستثمرين باتوا يفرقون بصورة أكبر بين شركات تمتلك إيرادات قائمة من منتجات الذكاء الاصطناعي، وأخرى ترتفع تقييماتها استناداً إلى وعود مستقبلية، كما أصبح الإنفاق الرأسمالي الضخم على مراكز البيانات والرقائق موضوعاً محورياً، لأن العوائد التجارية تحتاج إلى مواكبة سرعة الإنفاق.
ويزيد تراجع "ناسداك 100" بنسبة 5.5% في أسبوع حساسية المستثمرين لهذه المسألة، فالهبوط السريع يدفع المحافظ ذات الرافعة المالية إلى تقليص المخاطر، ويشجع المستثمرين على مراجعة مستويات التركّز في أكبر شركات التكنولوجيا وأشباه الموصلات.
وتبقى بيانات غولدمان ساكس مؤشراً على تموضع عملاء خدماته الرئيسيين، وليست إحصاءً لكل المستثمرين في الأسواق العالمية، ولكنها تكتسب وزناً لأنها تكشف سلوك صناديق التحوط التي تستخدم الرافعة المالية وتتفاعل بسرعة مع التقلبات.
اقرأ أيضاً: أرباح قياسية لشركات التكنولوجيا من طفرة الذكاء الاصطناعي
هل انتهى صعود التكنولوجيا؟
البيانات الحالية تشير إلى أن المستثمرين يراجعون حجم الرهان، لا إلى نهاية الاستثمار في الذكاء الاصطناعي، فبقاء التخصيص للتكنولوجيا عند 23.5%، وفي مستوى مرتفع تاريخياً، يوضح أن القطاع ما زال محورياً في محافظ صناديق التحوط.
ويعتمد المسار المقبل على ثلاثة عوامل رئيسية، أولها نتائج الشركات وقدرتها على تحويل الإنفاق على الذكاء الاصطناعي إلى إيرادات وأرباح، وثانيها استمرار الطلب على الرقائق ومراكز البيانات والخدمات السحابية، أما العامل الثالث فهو أسعار الفائدة، لأن ارتفاعها يقلل جاذبية الأرباح المستقبلية التي تعتمد عليها تقييمات أسهم النمو.
وفي الوقت الحالي، أرسلت صناديق التحوط إشارة واضحة للسوق، وهي أن التكنولوجيا ما زالت تملك وزناً ضخماً في المحافظ، لكن المستثمرين لم يعودوا مستعدين لتحمل المخاطر نفسها من دون أدلة أسرع على العائد.
