أثارت القرارات الاقتصادية الأخيرة للرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، ضجة كبيرة في الأوساط الاقتصادية العالمية، حيث أعلنت كريستالينا غورغييفا، مديرة صندوق النقد الدولي، عن قلقها البالغ إزاء الرسوم الجمركية الجديدة التي أعلن عنها ترامب، مؤكدة أنَّ هذه الرسوم تشكل “خطرًا كبيرًا” على الاقتصاد العالمي.
وفي بيان لها يوم الخميس، شدَّدت غورغييفا على أهمية تجنب اتخاذ إجراءات قد تتسبب في مزيد من الضرر للاقتصاد العالمي في ظل الوضع الراهن. وأوضحت أن شركاء الولايات المتحدة التجاريين يدرسون اتخاذ تدابير انتقامية رداً على الرسوم الجمركية التي أعلنها ترامب يوم الأربعاء، مما يزيد من حالة القلق بشأن التأثيرات المحتملة على الاقتصاد العالمي.
كما أكَّدت أن صندوق النقد الدولي لا يزال يقيم الآثار المحتملة لهذه الرسوم على الاقتصاد الكلي، مشيرة إلى أنها تشكل بوضوح تهديدًا كبيرًا للتوقعات الاقتصادية العالمية، خاصة في فترة من النمو البطيء.
ودعت مديرة صندوق النقد الدولي كلًا من الولايات المتحدة وشركائها التجاريين إلى التعاون بشكل بنَّاء من أجل حل التوترات التجارية وتقليل حالة عدم اليقين التي تسود الأسواق العالمية، مشيرة إلى أن الحوار هو السبيل الأمثل لتجنب المزيد من التصعيد.
الاتحاد الأوروبي والصين يعلنان ردود فعل غاضبة
أثار إعلان ترامب فرض الرسوم الجمركية الجديدة على واردات بلاده ردود فعل غاضبة من مختلف دول العالم، خاصة الصين والاتحاد الأوروبي، إذ اعتبرت أورسولا فون دير لايين، رئيسة المفوضية الأوروبية، أن هذه الرسوم تمثل “ضربة كبيرة” للاقتصاد العالمي، مشيرة إلى أسفها العميق على القرار الأمريكي. وأكدت فون دير لايين أن الاتحاد الأوروبي مستعد للرد إذا فشلت المفاوضات مع الإدارة الأمريكية، ويعمل على إعداد “حزمة جديدة من التدابير المضادة”.
في نفس السياق، أعلنت الحكومة الألمانية دعمها الكامل للاتحاد الأوروبي في مساعيه للتوصل إلى “حل تفاوضي” مع واشنطن، وذكرت برلين أنها مستعدة لاتخاذ إجراءات مضادة إذا لزم الأمر، بينما دعت صناعة الكيميائيات الألمانية، التي تعد الولايات المتحدة أكبر مستورد لمنتجاتها، الاتحاد الأوروبي إلى التحلي بالهدوء في الرد على الرسوم الأمريكية، وأكَّدت أن التصعيد في هذا النزاع التجاري لن يؤدي إلا إلى تفاقم الأضرار على المدى الطويل.
أما الصين، فقد أبدت موقفًا حازمًا ضد الرسوم الجمركية الأمريكية الجديدة على صادراتها، حيث أصدرت وزارة التجارة الصينية بيانًا تعلن فيه “مقاومتها الشديدة” لهذه الرسوم، كما تعهَّدت بكين باتخاذ “تدابير مضادة” لحماية حقوقها ومصالحها في إطار التجارة الدولية، وأكَّدت أن الرسوم الجمركية الأمريكية تتعارض مع قواعد التجارة الدولية، وأنها تشكل تهديدًا كبيرًا لحقوق الأطراف المعنية والمصالح المشروعة للدول.
اقرأ المزيد حول الرد الصيني على الرسوم الجمركية الأمريكية وتداعياته
هل نحن على أعتاب حرب تجارية عالمية؟
تحدثت الأستاذة الدكتورة عالية المهدي، العميد الأسبق لكلية الاقتصاد والعلوم السياسية، عن القرارات الاقتصادية الأخيرة التي اتخذها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وأكَّدت أنَّ هذه القرارات تمثل تهديدًا خطيرًا للنظام التجاري الدولي، وأضافت أنها قد تؤدي إلى تراجع اقتصادي عالمي وتداعيات مؤلمة على كافة البلدان.
وخلال حديثها، وصفت المهدي ما حدث بـ”التسونامي” في المجال التجاري الدولي، واعتبرت أن هذه القرارات قد تقود إلى ما يشبه “الزلزال” في العلاقات التجارية. وقالت إنَّ ترامب قد اتخذ ثلاثة قرارات رئيسية، كل واحد منها يعد بمثابة تغيير جذري في الأسس التجارية الدولية؛ القرار الأول كان فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على كل من كندا والمكسيك، وهما دولتان ترتبطان مع الولايات المتحدة الأمريكية باتفاقية تجارة حرة، وهذه الخطوة تعد خرقًا صارخًا لاتفاقيات التجارة الحرة التي تم التوصل إليها مسبقًا، وهي سابقة لم تشهدها التجارة الدولية من قبل.
أما القرار الثاني، فكان فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على واردات الصلب والألومنيوم من جميع الدول، بما في ذلك الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة، وكان هناك احتمال لفرض رسوم على النحاس، رغم أنه لم يتم التأكد من هذه النقطة بعد. وأوضحت المهدي أن هذا القرار كان مفاجئًا حيث كانت الرسوم الجمركية على هذه المنتجات قبل وصول ترامب إلى الحكم شبه معدومة.
والقرار الثالث كان إعلان ترامب عن سياسة المعاملة بالمثل، حيث قال إنه إذا فرضت دولة ما رسوماً على المنتجات الأمريكية، فإنه سيفرض نفس الرسوم أو ما يعادلها على واردات هذه الدول. وأوضحت المهدي أن هذا النوع من التصعيد التجاري لا يتماشى مع قواعد منظمة التجارة العالمية، حيث كانت الدول تتعامل مع الرسوم الجمركية بشكل منفصل، ولكل دولة الحق في تحديد الرسوم الخاصة بها بناءً على التفاهمات الثنائية أو متعددة الأطراف.
حتى البطاريق لم تسلم.. ترامب يفرض الرسوم على الجزر النائية
مصر في دائرة التأثر: كيف تهدد الرسوم الجمركية صادراتها؟
أكدت المهدي أن هذه القرارات سيكون لها تأثيرات سلبية على جميع دول العالم، على سبيل المثال؛ من المحتمل أن تواجه مصر صعوبات كبيرة في حال تم إلغاء اتفاقية “الكويز” التي تسمح بتصدير المنتجات المصرية مثل الملابس الجاهزة والمنتجات القطنية إلى الولايات المتحدة دون رسوم جمركية، طالما أن الاتفاقية تشمل أيضًا إسرائيل والأردن.
وأضافت أنَّ فرض رسوم بنسبة 10% على المنتجات المصرية في حال إلغاء هذه الاتفاقية سيقلل من قدرة هذه المنتجات على المنافسة في السوق الأمريكية، مما يضعف فرص مصر في تحقيق صادرات قوية في المستقبل.
كما تطرَّقت المهدي إلى تأثير هذه القرارات على صادرات مصر من الحديد والألومنيوم، مؤكدة أن فرض 25% رسومًا جمركية على هذه المنتجات قد يؤدي إلى تراجع كبير في قدرتها التنافسية في السوق الأمريكية. وأوضحت أنه إذا واجهت المنتجات المصرية التي كانت خالية من الرسوم الجمركية سابقًا رسوماً بنسبة 10%، فإن هذا سيؤدي إلى تراجع كبير للقدرة التنافسية للمنتجات المصرية.
اقرأ المزيد حول تأثير رسوم ترامب على الدول العربية
استراتيجيات مقترحة لمواجهة التحديات التجارية الجديدة
أوضحت المهدي أنَّ الدول الكبرى الأخرى ستتخذ إجراءات مضادة أيضًا، فقد يفرض الاتحاد الأوروبي رسوماً جمركية على المنتجات الأمريكية، وهو ما سيؤدي إلى تصاعد الحرب التجارية. كما أضافت أن هذه الإجراءات قد تكون بداية لحرب تجارية عالمية، حيث ستضطر الدول الأخرى إلى اتخاذ تدابير لحماية اقتصاداتها.
وفي ختام حديثها، أكَّدت المهدي أنَّه على مصر أن تكون مستعدة للرد على هذه التحديات بتطوير استراتيجيات لحماية صادراتها، مثل فرض رسوم جمركية مماثلة على المنتجات الأمريكية، وذلك لحماية مصالحها الاقتصادية.
وأشارت إلى أن هذه الحرب التجارية، إذا تصاعدت، ستكون لها آثار بعيدة المدى على الاقتصاد العالمي، وعلى البلدان النامية بشكل خاص، موضحةً أنَّ التوجهات الاقتصادية العالمية تتغير بسرعة، وأن مصر بحاجة إلى التأقلم مع هذه المتغيرات لحماية اقتصادها الوطني.
اقرأ أحدث مستجدات رسوم ترامب: الرسوم الجمركية تهدد الأسواق الناشئة بتباطؤ اقتصادي
