تقارير الطاقة

    مصر تتحرك لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية الإسرائيلية

    •آخر تحديث •7 دقائق
    مصر تتحرك لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية الإسرائيلية

    مع دخول المواجهات بين إسرائيل وإيران أسبوعها الثاني، واستمرار الضربات المتبادلة وارتفاع وتيرة التهديدات الإقليمية، بدأت آثار هذا التصعيد تتسلل إلى الداخل المصري، خصوصًا في ملفات الطاقة واستقرار السوق.

    وفي استجابة سريعة للموقف، ترأس الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، الاجتماع الأول للجنة الأزمات التي تمَّ تشكيلها لمتابعة الوضع الإقليمي وتداعيات الحرب الإيرانية الإسرائيلية والتعامل مع آثارها المحتملة على الاقتصاد الوطني.

    وقد شارك في الاجتماع عدد من الوزراء والمسؤولين، من بينهم الفريق مهندس كامل الوزير، نائب رئيس الوزراء للتنمية الصناعية ووزير الصناعة والنقل، وحسن عبد الله محافظ البنك المركزي، والدكتورة رانيا المشاط وزيرة التخطيط، ووزراء الكهرباء والبترول والتموين والمالية والخارجية، إضافة إلى ممثلين من وزارات الدفاع والداخلية، والمخابرات العامة، وهيئة الرقابة الإدارية.

    تحرك استباقي لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية الإسرائيلية

    استهل مدبولي الاجتماع بالتأكيد على أنَّ تشكيل اللجنة يأتي في توقيت بالغ الحساسية، مع تسارع الأحداث في الشرق الأوسط، وارتفاع احتمالات تأثيرها المباشر وغير المباشر على الداخل المصري.

    وأوضح أنَّ مهمة اللجنة هي الرصد اللحظي لتطورات العمليات العسكرية بين إيران وإسرائيل، ووضع سيناريوهات للتعامل مع أي أزمة اقتصادية أو تموينية أو لوجستية قد تطرأ، والعمل بشكل استباقي على تقليل أثرها على المواطن المصري.

    وأضاف رئيس الوزراء: “نحن لا ننتظر وصول التأثير إلينا، بل نتحرك من الآن لتأمين كل مسارات الاستقرار، سواء في الأسعار، أو في إمدادات الطاقة، أو في توافر السلع الغذائية”.

    توقف صادرات الغاز الإسرائيلي

    أحد أبرز المخاوف التي تمَّت مناقشتها في الاجتماع تمثلت في إعلان إسرائيل تعليق صادراتها من الغاز الطبيعي إلى كل من مصر والأردن، وهو ما يزيد من الضغط على منظومة الطاقة في البلدين، خاصة وأن مصر تعتمد على واردات الغاز الإسرائيلي بنسبة تتراوح بين 15% و20% من إجمالي استهلاكها المحلي، بحسب بيانات “مبادرة البيانات المشتركة للطاقة – جودي”.

    وكان وزير الطاقة الإسرائيلي، إيلي كوهين، قد صرّح قبل ساعات بأنَّ استئناف صادرات الغاز لن يتم إلا بعد الحصول على الضوء الأخضر من الجيش الإسرائيلي، الذي يتولى حاليًا تقييم المخاطر الأمنية على منصات الغاز في البحر الأبيض المتوسط، في ظل استمرار الاستهداف الإيراني.

    وأكد كوهين أنَّ أولويات الحكومة الإسرائيلية حاليًا تتركز في تأمين إمدادات السوق المحلية، مشيرًا إلى أنَّ “الحرب لا تسمح باستخدام المخزون الاستراتيجي للتصدير.

    وبحسب ما نقلته “رويترز”، فإن إسرائيل أوقفت تشغيل اثنين من أهم حقولها البحرية؛ هما “ليفياثان” الذي تديره شركة شيفرون الأمريكية، و”كاريش” المملوك لشركة إنرجيان، في خطوة احترازية تهدف إلى تجنب استهداف هذه المنشآت الحيوية، بينما يستمر تشغيل حقل “تمار” لتلبية احتياجات السوق الإسرائيلي فقط.

    وجاء هذا القرار ليوجّه ضربة مؤقتة لخطوط إمداد الغاز إلى مصر، التي تستخدمه في تشغيل عدد من محطات الكهرباء، بالإضافة إلى اعتماده من قبل عدد من الصناعات الثقيلة، منها مصانع إنتاج الأسمدة التي اضطرت بالفعل إلى تقليص أو وقف عملياتها بشكل جزئي مع بداية توقف الضخ يوم الجمعة الماضي.

    اقرأ أيضًا: التصعيد الإيراني الإسرائيلي يضع الاقتصاد المصري أمام اختبارات قاسية

    الحكومة: الاحتياطي آمن وقرارات لضبط السوق

    رداً على هذه المستجدات، حرص رئيس الوزراء على طمأنة الرأي العام، مشددًا على أنَّ مصر تمتلك احتياطيًا استراتيجيًا آمنًا من السلع الأساسية، وأنَّ الدولة تتحرك على جميع المحاور لتأمين الاحتياجات التموينية والطاقة. وأوضح الدكتور شريف فاروق، وزير التموين، أنَّ الاحتياطي يكفي لفترات آمنة، ولا توجد أية مؤشرات على حدوث نقص وشيك في السلع أو المنتجات الغذائية.

    كما أعلن مدبولي أنه سيتم عقد اجتماع عاجل للجنة العليا لضبط الأسواق من أجل مراقبة أسعار السلع، ومنع أية محاولات استغلال للأزمة من قبل بعض التجار، مؤكدًا أن الأجهزة الرقابية ستكون في الشارع بشكل يومي لضمان الالتزام، وأن البنك المركزي مستمر في توفير العملات الأجنبية اللازمة للاستيراد.

    اقرأ أيضًا: ضغوط الشرق الأوسط تلهب سعر الدولار في مصر 

    ترشيد الكهرباء أولوية وطنية

    أكَّد وزير البترول، المهندس كريم بدوي، خلال الاجتماع أن الوزارة بدأت بالفعل في اتخاذ إجراءات لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية الإسرائيلية عبر تعزيز الاعتماد على بدائل داخلية، بما في ذلك إعادة توزيع الإنتاج المحلي وتفعيل خطط الطوارئ لتوفير الوقود السائل لمحطات الكهرباء.

    كما شدد مدبولي على أهمية استمرار الدولة في تطبيق خطة ترشيد استهلاك الكهرباء، خاصة في المؤسسات الحكومية والمرافق العامة، داعياً إلى وقف استخدام الإضاءة الزائدة واللافتات الإعلانية المضيئة، مع التوسع في الاعتماد على الطاقة المتجددة خلال هذه المرحلة الدقيقة.

    وتزامناً مع هذه القرارات، تلقّى قطاع الطاقة الإسرائيلي ضربة مؤلمة بعد أن أصاب صاروخ إيراني مصفاة نفط في مدينة حيفا، ما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وتوقف مؤقت في عمليات التشغيل، ورغم هذه الحادثة قال كوهين إن الحكومة تأمل في استئناف العمل بالمصفاة خلال شهر، في حين تواصل المصفاة الأخرى في جنوب البلاد عملها بصورة طبيعية.

    هذا التصعيد يثير مخاوف متزايدة لدى حكومات المنطقة، من إمكانية امتداد الصراع، أو استهداف منشآت حيوية أخرى في البنية التحتية للطاقة، وهو ما يهدد برفع أسعار النفط والغاز عالميًا بشكل قد يحدث اضطرابات واسعة في الأسواق.

    حملة إعلامية لترشيد الاستهلاك وتعزيز الوعي

    في ختام الاجتماع، أشار المستشار محمد الحمصاني، المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء، إلى أنه تم الاتفاق على إطلاق حملة توعوية شاملة عبر الإعلام والمنصات الرقمية لحث المواطنين على ترشيد الاستهلاك، سواء في الكهرباء أو الوقود أو المياه، وتعزيز ثقافة الاقتصاد في استخدام الموارد، مع التأكيد على أهمية الشفافية في التواصل مع الجمهور.

    وأوضح أن اللجنة ستظل في حالة انعقاد دائم لمتابعة تطورات الموقف أولاً بأول، والتدخل السريع حال ظهور أية أزمة، مع التأكيد على ضرورة التنسيق بين الوزارات المعنية لتفادي أي اختناقات تموينية أو ضغوط غير مبررة على السوق.

    وأكد المتحدث الرسمي أن هناك إدراكاً عميقاً بجدية المرحلة الراهنة التي تتطلب أعلى درجات التنسيق والجاهزية، ومع توقف إمدادات الغاز من إسرائيل والضغوط المحتملة على أسواق الطاقة والغذاء تعمل الدولة على موازنة كفتي الاستقرار الاقتصادي والحفاظ على الأمن الاستراتيجي.

    مصر تراقب تطورات المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل

    من جانبه، يقول الدكتور محمد عبد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، أنّه في الوقت الذي تراقب فيه مصر من كثب تطورات المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل فإن استراتيجيتها في التحرك الاستباقي، وضبط السوق، وضمان توافر السلع والطاقة، تشير إلى وعي كامل بتعقيدات المرحلة، واستعداد شامل لمواجهة أية تداعيات قد تطال الداخل المصري في هذا الظرف الإقليمي الحرج.

    وأكد الخبير الاقتصادي أنَّ الدولة المصرية بدأت تنتهج منهجًا علميًا وتحليليًا في التعامل مع الأزمات، يعكس تطورًا كبيرًا في آليات الإدارة الحكومية ووعيًا واضحًا بمتغيرات المشهد الإقليمي والدولي، مشيرًا إلى أن الأزمة لم تعد مجرد ظرف طارئ، بل هي امتداد لمشكلة لم يُحسن التعامل معها مبكرًا، وبالتالي تتحول إلى وضع استثنائي يهدد الأهداف ويُعطّل حركة النمو.

    وأضاف أنَّ الحكومة المصرية أظهرت تطورًا نوعيًا في السنوات الأخيرة في طريقة إدارتها للأزمات، مشيرًا إلى أن الدولة تعاملت باحترافية كبيرة مع أزمات ضخمة ومتلاحقة، بدءًا من جائحة كورونا، مرورًا بالحرب الروسية الأوكرانية، ووصولًا إلى التصعيد العسكري الحالي بين إيران وإسرائيل.

    وتابع قائلاً: “ما يميز الحكومة حاليًا هو الانتقال من منطق رد الفعل إلى منهج التحليل الاستباقي الذي يقوم على بناء سيناريوهات مختلفة واحتساب كل الاحتمالات، وهو ما يعد أحد أهم أسس الإدارة الرشيدة للأزمات”.

    أهمية تشكيل لجنة الأزمات

    أشار الشوربجي إلى أنَّ القرار الذي اتخذه الدكتور مصطفى مدبولي، بتشكيل لجنة الأزمات لمتابعة تداعيات العمليات العسكرية الإيرانية الإسرائيلية، يعكس وعيًا متقدمًا بضرورة التحرك المبكر لحماية الداخل المصري من أي تأثير خارجي محتمل، خاصة في ملفات الطاقة والأسواق والاستثمار.

    وأوضح أن اللجنة، التي تضم محافظ البنك المركزي وعددًا من الوزراء المعنيين بالقطاعات الاقتصادية، تعتبر مثالاً عمليًا على الإدارة المتكاملة التي تجمع بين الجوانب الاقتصادية والسياسية والأمنية في آن واحد.

    وأضاف الخبير: “هذا النوع من اللجان لا يهدف فقط إلى التعامل مع الأزمة الراهنة، بل إلى حماية مسار الإصلاح الاقتصادي الذي قطعته مصر خلال السنوات الماضية، ومنع أي اضطراب في عجلة التنمية، خصوصًا مع عدم وجود أي تهديد مباشر على الأمن القومي أو السوق المحلي حتى الآن”.

    وقف صادرات الغاز الإسرائيلي لمصر

    علّق الشوربجي على إعلان الحكومة الإسرائيلية وقف صادرات الغاز الطبيعي إلى مصر والأردن قائلًا إنَّ “هذا القرار، وإن كان مؤقتًا، إلا أنه يمثل ضغطًا حقيقيًا على منظومة الطاقة الإقليمية، خاصة أنَّ مصر تعتمد على الغاز الإسرائيلي بنسبة تصل إلى 20% من استهلاكها، وهو ما يؤثر فعليًا على بعض القطاعات الصناعية كصناعة الأسمدة”.

    وأشار إلى أنَّ الحكومة المصرية لم تقف مكتوفة الأيدي، بل تحركت بسرعة لإعادة لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية الإسرائيلية عبر هيكلة موارد الطاقة لضمان استمرارية تشغيل محطات الكهرباء، وتفعيل خطط بديلة لتوفير الوقود السائل، مضيفًا: “إن قدرة الدولة على التعامل مع هذه التحديات أظهرت مرونة المنظومة الاقتصادية والقدرة على التكيف، كما أنَّ اللجنة تتابع هذا الملف بشكل لحظي لاتخاذ الإجراءات الاستباقية المناسبة”.

    وتحدث الدكتور الشوربجي عن الأبعاد الأعمق للأزمات، وأوضح أنَّ الأزمة اختبار حقيقي لصلابة الدولة لأنّها تقودنا دائمًا إلى كشف حقيقة البنية المؤسسية والمجتمعية، فالأزمات ليست مجرد تحدٍ، بل فرصة لإعادة تقييم السياسات وبناء أدوات حماية مستقبلية”.

    وأكَّد أخيرًا أنَّ إعداد سيناريوهات بديلة قبل وقوع الأزمات ضرورة وطنية، رغم صعوبة التنبؤ الدقيق بكل أبعاد الأزمة، مضيفًا أنَّ الإدارة الرشيدة هي التي تضع أهدافًا محددة، وتستخدم الوقت والإمكانات بشكل فعال، وتنسّق بين كافة الجهات المعنية لحماية المكتسبات الوطنية.

    قد يهمّك أيضًا: قراءة تحليلية في موازنة مصر 2025/2026.. أرقام متضاربة