اقتصادات عالمية

    أزمة مضيق هرمز: هل تكفي البدائل لتأمين إمدادات النفط؟

    •آخر تحديث •5 دقائق
    أزمة مضيق هرمز: هل تكفي البدائل لتأمين إمدادات النفط؟

    يُعد مضيق هرمز واحداً من أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم، إذ يمثل شرياناً حيوياً لتدفق إمدادات الطاقة من منطقة الخليج إلى مختلف الأسواق العالمية، فعلى الرغم من ضيقه الجغرافي، حيث لا يتجاوز عرضه في أضيق نقاطه نحو 33 كيلومتراً، إلا أن تأثيره الاقتصادي والجيوسياسي يتجاوز حجمه بكثير، نظراً لمرور كميات هائلة من النفط والغاز الطبيعي المسال عبره يومياً.

    سيناريو الإغلاق الطويل لمضيق هرمز

    قال الدكتور مدحت يوسف، خبير أسواق النفط والطاقة، إن أي تعطّل في الملاحة عبر هذا الممر الاستراتيجي ستكون له تداعيات فورية وعميقة على أسواق النفط والغاز العالمية. وأوضح أن مضيق هرمز يمثل بوابة عبور لنحو ربع تجارة النفط العالمية المنقولة بحراً، إضافة إلى قرابة خُمس تجارة الغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم، ومعظمها صادرات قطرية، الأمر الذي يعكس حجم الحساسية الشديدة التي يتمتع بها المضيق في منظومة أمن الطاقة العالمي.

    أشار خبير أسواق النفط إلى أن السيناريو الأخطر يتمثل في إغلاق طويل الأمد للمضيق، مؤكداً أن ذلك سيؤدي إلى صدمة قوية في سوق النفط، وأشد وطأة في سوق الغاز الطبيعي المسال، ولفت إلى أن التقديرات تشير إلى إمكانية تجاوز أسعار النفط حاجز 100 دولار للبرميل في حال استمرار الإغلاق، نتيجة تراجع المعروض وارتفاع تكاليف النقل والتأمين البحري.

    وبيّن يوسف أن الدول الآسيوية ستكون الأكثر تضرراً من أي توقف في الإمدادات، باعتبارها الوجهة الرئيسة لصادرات نفط وغاز الخليج، موضحاً أن الصين والهند واليابان وكوريا الجنوبية تعتمد بشكل كبير على هذه الشحنات لتلبية احتياجاتها الصناعية والاستهلاكية، ما يعني أن أي نقص مفاجئ سينعكس على معدلات النمو والتضخم لديها.

    خريطة المسارات البديلة

    أكد الدكتور مدحت يوسف أن البدائل المتاحة محدودة ولا تكفي لتعويض الكميات الضخمة التي تمر عبر مضيق هرمز يومياً، وأوضح أن السعودية تمتلك خط أنابيب “شرق–غرب” الذي ينقل النفط من رأس تنورة على الخليج العربي إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، وتبلغ طاقته التصميمية نحو 5 ملايين برميل يومياً، إلا أن معدلات التشغيل الفعلية أقل من ذلك بكثير في الظروف العادية، إذ تدور حول مليون برميل يومياً.

    وأضاف أن الاعتماد على البحر الأحمر لا يخلو هو الآخر من المخاطر الجيوسياسية، ما قد يرفع تكاليف الشحن ويعقّد إعادة توجيه الإمدادات نحو الأسواق الآسيوية.

    كما أشار إلى أن الإمارات تمتلك خط أنابيب حبشان–الفجيرة الذي ينقل النفط إلى ميناء الفجيرة خارج مضيق هرمز، بطاقة تقدر بنحو 1.5 مليون برميل يومياً، إلا أن صادرات الدولة تبلغ نحو 3.5 ملايين برميل يومياً، ما يعني أن الخط لا يغطي سوى جزء من الصادرات ولا يمثل بديلاً كاملاً في حال الإغلاق.

    فضلًا عن ذلك، أوضح يوسف أن العراق يعتمد على خط أنابيب لتصدير جزء من نفطه عبر تركيا، غير أن طاقته لا تتجاوز نصف مليون برميل يومياً، وهي كمية محدودة مقارنة بإجمالي صادراته، أما الكويت وقطر والبحرين فلا تمتلك مسارات بديلة فعالة لتصدير النفط بعيداً عن المضيق، ما يجعلها الأكثر عرضة لتداعيات أي إغلاق.

    اقرأ أيضًا: مضيق هرمز.. حين يصبح النفط سلاحًا

    الغاز المسال.. المعضلة الأكبر

    شدد خبير أسواق النفط على أن الجانب الأكثر حساسية يتعلق بصادرات الغاز الطبيعي المسال، لاسيما من قطر التي تحتل المرتبة الثانية عالمياً في تصدير الغاز المسال بعد الولايات المتحدة حالياً، وأكد أنه لا توجد بدائل عملية لنقل هذه الكميات بعيداً عن مضيق هرمز، ما يعني أن أي تعطّل في حركة ناقلات الغاز سيؤدي إلى اضطرابات سريعة وحادة في سوق الغاز العالمية، مع ارتفاعات كبيرة في الأسعار، خاصة في الأسواق الآسيوية والأوروبية.

    واختتم الدكتور مدحت يوسف تصريحاته بالتأكيد على أن العالم لم يختبر من قبل إغلاقاً طويلاً لمضيق هرمز في ظل صراع واسع النطاق، محذراً من أن أي إغلاق ممتد سيقود إلى أزمة معروض عالمية، وارتفاع ملحوظ في أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين، قبل أن تمتد آثار الأزمة إلى المستهلك النهائي عبر زيادة أسعار الوقود والسلع والخدمات، بما يفاقم الضغوط التضخمية عالمياً.

    ارتفاع التأمين البحري وأثره على المستهلك النهائي

    من جهته، أكد الدكتور سيد قاسم، الخبير الاقتصادي، أن التهديدات التي يتعرض لها مضيق هرمز تمثل تطوراً بالغ الخطورة على المستويين الاقتصادي والجيوسياسي، مشيراً إلى أن العالم يقف أمام لحظة شديدة الحساسية قد تعيد رسم خريطة أسواق الطاقة والتجارة الدولية إذا ما استمر التصعيد.

    وأشار إلى أن استهداف منشآت نفطية في السعودية، وتعليق قطر لإنتاج أو تصدير الغاز المسال، يمثلان إشارات مقلقة للأسواق، لافتاً إلى أن التجارب السابقة، مثل ما حدث خلال جائحة كورونا، أظهرت كيف يمكن لتعطل سلاسل الإمداد أن يترك آثاراً ممتدة تتجاوز فترة الأزمة ذاتها، مؤكداً أن التعافي في مثل هذه الظروف يكون بطيئاً ومكلفاً.

    وأضاف أن أي تعطّل في عمليات تحميل وتفريغ شحنات النفط أو الغاز، أو تأخير في حركة السفن، يؤدي إلى ارتباك فوري في الأسواق الفورية والعقود الآجلة، موضحاً أن مجرد الإعلان عن توقف أو تعليق في الإنتاج كفيل بدفع الأسعار إلى الارتفاع نتيجة المخاوف من نقص المعروض.

    وفيما يتعلق بحركة الملاحة، أوضح الدكتور سيد قاسم أن تكدّس السفن في موانئ مثل الفجيرة أو مناطق الانتظار القريبة من المضيق أمر طبيعي في أوقات الأزمات، حيث تفضّل شركات الشحن التريث لحين اتضاح الصورة، خاصة في ظل الارتفاع الكبير في أقساط التأمين البحري. وأكد أن علاوات التأمين على السفن العابرة لمناطق النزاع قد ترتفع إلى ما بين 1% و1.5% من قيمة الشحنة، وهو ما يمثل تكلفة ضخمة عند الحديث عن ناقلات تحمل شحنات بمليارات الدولارات.

    ولفت إلى أن هذه الزيادات في تكاليف التأمين والنقل ستنعكس حتماً على الأسعار النهائية للنفط والغاز، وبالتالي على أسعار الوقود والكهرباء والسلع الأساسية حول العالم، مشيراً إلى أن أوروبا بدأت بالفعل تشهد ارتفاعات ملحوظة في أسعار الغاز، وصلت في بعض التقديرات إلى نحو 50% فور تصاعد التوترات.

    اقرأ أيضًا: هل تنضم أوروبا للحرب على إيران؟

    دور الدبلوماسية في كبح موجات التضخم

    في السياق ذاته، أشار قاسم إلى أن اتساع رقعة العمليات العسكرية واستهداف منشآت طاقة أو بنى تحتية مدنية في المنطقة يضيف طبقة جديدة من المخاطر، إذ لم يعد التهديد مقتصراً على الممرات البحرية، بل امتد ليشمل منشآت الإنتاج والنقل ذاتها، ما يضاعف من حالة عدم اليقين في الأسواق.

    وشدد على أن العامل الحاسم في تحديد حجم الأثر الاقتصادي يتمثل في مدة الأزمة؛ فإذا كان التعطّل مؤقتاً ومحدوداً زمنياً فقد تستوعبه الأسواق عبر السحب من المخزونات الاستراتيجية وتعويض جزء من الإمدادات من مصادر أخرى، أما إذا طال أمد الأزمة، فإن العالم قد يواجه موجة تضخمية جديدة مدفوعة بارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن والتأمين.

    واختتم الدكتور سيد قاسم تصريحاته بالتأكيد على أن البعد السياسي يظل العنصر الأهم في احتواء التداعيات الاقتصادية، موضحاً أن أي مسار دبلوماسي ينجح في خفض التصعيد سيمنح الأسواق فرصة لالتقاط الأنفاس، بينما استمرار المواجهات دون أفق زمني واضح سيُبقي الاقتصاد العالمي تحت ضغط شديد، في وقت لا يزال فيه يتعافى من أزمات متتالية شهدها خلال السنوات الماضية.

    قد يهمّك أيضًا: ارتفاع أسعار الذهب.. هل تقترب الأوقية من 6000 دولار؟