اقتصادات عربية

    تخفيف العقوبات على سوريا.. تحدٍ جديد للمرحلة الانتقالية

    •آخر تحديث •5 دقائق
    تخفيف العقوبات على سوريا.. تحدٍ جديد للمرحلة الانتقالية

    بعد سنوات طويلة من المعاناة الاقتصادية والسياسية التي عاشتها سوريا بسبب العقوبات الدولية المفروضة، برزت تحركات دولية جديدة تهدف إلى تخفيف العقوبات على سوريا، مما يفتح باب التساؤلات حول إمكانية تحقيق انفراجة في الأزمة السورية. وبينما تأتي هذه الخطوة في سياق إنساني، فإن آثارها الاقتصادية والسياسية تُثير جدلًا واسعًا حول مدى قدرتها على دعم المرحلة الانتقالية، التي تواجه تحديات هائلة تشمل الفساد، والانقسام الطائفي، وضغوط العقوبات المستمرة.

    تخفيف العقوبات على سوريا

    أكَّد الدكتور علي الإدريسي، الخبير الاقتصادي، أن قرار تخفيف العقوبات المفروضة على سوريا يمثل تحولًا مهمًا في المشهد السياسي والاقتصادي في المنطقة، مشيرًا إلى أن هذه الخطوة جاءت نتيجة جهود دبلوماسية مكثفة لإعادة دمج سوريا في المجتمع الدولي.

    وأوضح الإدريسي في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia” أن تخفيف العقوبات يفتح الباب أمام مشاريع إعادة الإعمار التي تقدر تكلفتها بمليارات الدولارات، وهو ما سيوفر فرصًا كبيرة للاستثمار الداخلي والخارجي، ويسهم في تحسين أوضاع الاقتصاد السوري الذي عانى بشدة خلال السنوات الماضية.

    وأشار إلى أن الحكومة السورية تنظر إلى القرار كفرصة لاستعادة الاستقرار والتنمية الاقتصادية، موضحًا أن عودة الاستثمارات الأجنبية وعودة الشركات الدولية للعمل داخل سوريا سيكون لها تأثير إيجابي مباشر على المواطنين السوريين من حيث تحسين الخدمات وخلق فرص العمل.

    وأضاف الدكتور الإدريسي: “رغم الفرص الواعدة التي يوفرها تخفيف العقوبات، فإن هناك تحديات كبيرة يجب التعامل معها، مثل ضمان توجيه هذه المكاسب الاقتصادية نحو تحقيق إصلاحات سياسية حقيقية وتحقيق العدالة والمصالحة الوطنية”.

    واختتم الإدريسي تصريحاته بالتأكيد على أن نجاح سوريا في استثمار هذه الخطوة يتطلب سياسات اقتصادية مدروسة تركز على تحقيق التوازن بين إعادة الإعمار وتعزيز الاستقرار السياسي، بما يضمن استفادة جميع فئات الشعب السوري من هذه الانفراجة الاقتصادية.

    تأثير العقوبات على الاقتصاد السوري

    من جانبه، أكَّد الدكتور مازن إرشيد، الخبير الاقتصادي، أن الخطوة الأمريكية بتخفيف بعض العقوبات على سوريا تعكس “رغبة في تخفيف الأزمة الإنسانية دون تقديم دعم سياسي أو اقتصادي مباشر للحكومة الانتقالية”، مشيرًا إلى أن هذا التحول يعبر عن استعداد أمريكي لإجراء تغييرات محدودة في سياستها تجاه سوريا، لكنه لا يعني بأي حال إنهاء العقوبات الاقتصادية الواسعة المفروضة على البلاد.

    وأوضح في تصريحات خاصة لموقع “Econ-Pedia” أن العقوبات الاقتصادية كانت أداة ضغط سياسية فعالة، لكنها ألحقت أضرارًا كبيرة بالاقتصاد السوري والمجتمع أكثر مما أضرت بالنظام نفسه، وأضاف أن تراجع الاقتصاد أدى إلى انهيار العديد من القطاعات الحيوية مثل الجيش السوري والبنية التحتية، مما خلق فجوة كبيرة تحتاج لسنوات طويلة لإصلاحها.

    ومن ناحية أخرى، لفت اخبير إلى أن العقوبات، وخاصة “قانون قيصر”، أدت إلى انكماش اقتصادي حاد وحالة من العجز المالي جعلت الاستثمار الأجنبي والمحلي شبه مستحي، ورغم ذلك فإن تخفيف القيود الإنسانية قد يوفر متنفسًا صغيرًا لإعادة بناء الثقة في الاقتصاد.

    اقرأ أيضًا: تخفيف العقوبات على سوريا.. فرصة لتقوية الاقتصاد عبر النفط

    التحديات التي تواجه الحكومة الانتقالية

    أكد إرشيد أن الحكومة الانتقالية السورية تواجه تحديات كبيرة، أبرزها تركة الفساد والانقسام الطائفي الذي يزيد من صعوبة تحقيق المصالحة الوطنية، وأوضح أن العقوبات الاقتصادية تظل عقبة رئيسية أمام جذب الاستثمارات الأجنبية وإعادة الإعمار.

    وأضاف أن تعزيز شرعية الحكومة الانتقالية يتطلب القدرة على تحقيق مصالحة وطنية شاملة تمنع الانتقام، وتعيد بناء الثقة بين مختلف مكونات المجتمع السوري، كما أن جذب الدعم الدولي والإقليمي يحتاج إلى سياسات شفافة وخطط اقتصادية واضحة تعزز من فرص الانتقال السلمي.

    دور المجتمع الدولي وأمريكا

    يرى إرشيد أن الولايات المتحدة لا تزال تستخدم العقوبات كأداة ضغط سياسي، وتبدو مترددة في تقديم دعم سياسي كامل للحكومة الانتقالية، مفضلة التركيز على المساعدات الإنسانية. وأضاف أن هناك انقسامات داخل الكونغرس الأمريكي حول كيفية التعامل مع الملف السوري، حيث يدعو البعض إلى تعزيز الدعم الإنساني، بينما ينتظر آخرون تحقيق تقدم ملموس في المصالحة الوطنية.

    وأشار إلى أن “نجاح المرحلة الانتقالية يحتاج إلى توازن دقيق بين رفع القيود الاقتصادية وتعزيز الاستقرار السياسي، مع التأكيد على أهمية المصالحة الوطنية كخطوة أساسية لنجاح أي خطة للإعمار والتنمية”.

    وحذر إرشيد من أن إيران قد تستغل الانقسامات الطائفية والفراغ السياسي لتعزيز نفوذها في سوريا، مشيرًا إلى أن طهران تراهن على فشل الحكومة الانتقالية في تحقيق المصالحة. وأكد أن القضاء على الأحقاد الطائفية يجب أن يكون أولوية، ليس فقط لتعزيز الاستقرار الداخلي، ولكن أيضًا لمنع التدخلات الخارجية التي تزيد من تعقيد المشهد السياسي.

    المستقبل الاقتصادي والسياسي لسوريا

    اختتم الدكتور مازن إرشيد حديثه بالتأكيد على أن الوضع في سوريا هش للغاية، وأن نجاح المرحلة الانتقالية يعتمد على سياسات حكيمة تعيد بناء الثقة وتعزز الوحدة الوطنية. وأكد أن “المجتمع الدولي يمنح الحكومة الانتقالية فرصة محدودة لتحقيق إصلاحات حقيقية، ونجاحها يتطلب تضافر الجهود المحلية والدولية لتحقيق السلم الأهلي والتنمية المستدامة”.

    وأشار إلى أن العقوبات الدولية، رغم تأثيرها الكبير، لا يمكن أن تكون أداة وحيدة لتحقيق الانتقال السياسي، بل يجب أن تترافق مع دعم حقيقي لإعادة الإعمار وبناء مؤسسات قوية تعكس تطلعات الشعب السوري.

    وسبق وأعلنت وزارة الخزانة الأمريكية عن قرار بتخفيف العقوبات المفروضة على سوريا، والتي كانت قد وُضعت خلال فترة حكم الرئيس المخلوع بشار الأسد، وجاء هذا الإعلان في أعقاب التطورات السياسية الكبيرة التي شهدتها البلاد بعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر 2024.

    موضوع ذو صلة: هل توفر خصخصة الشركات الحكومية في سوريا حلاً فعالاً للإصلاح الاقتصادي؟

    الخلفية السياسية والتاريخية

    كانت سوريا تحت وطأة عقوبات دولية شديدة لعقود، خاصة بعد اندلاع الحرب الأهلية في 2011، وفرضت الولايات المتحدة هذه العقوبات ردًا على انتهاكات حقوق الإنسان، ودعم الإرهاب، وزعزعة الاستقرار الإقليمي، فخلال فترة حكم الأسد عانت البلاد من عزلة اقتصادية خانقة أثرت على مختلف القطاعات الحيوية.

    وفي بيان رسمي، أوضحت وزارة الخزانة أن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية أصدر تراخيص جديدة لتوسيع التصاريح المتعلقة بالأنشطة والمعاملات داخل سوريا، وذلك بهدف ضمان عدم عرقلة العقوبات للجهود الإنسانية والخدمات الأساسية.

    من جانبه، صرح نائب وزير الخزانة، والي أدييمو، بأن نهاية “حكم الأسد”، المدعوم من روسيا وإيران، تمثل فرصة جديدة لسوريا وشعبها لإعادة البناء، كما شدد على أن التخفيف لا يهدف إلى دعم النظام القديم بل لتسهيل المساعدات الإنسانية وإعادة هيكلة البلاد. كما أشار البيان إلى أن التراخيص تسمح بإجراء مدفوعات معينة للمؤسسات الحاكمة أو مقدمي الخدمات، بشرط أن تكون مرتبطة بالجهود الإنسانية أو إعادة الإعمار.

    ويعتبر هذا التخفيف خطوة أولى في طريق طويل نحو إعادة دمج سوريا في المجتمع الدولي، لكن يبقى الوضع معقدًا بسبب التحديات السياسية، ووجود الجماعات المسلحة، ومخاوف الدول الغربية من استغلال التراخيص لدعم أطراف محظورة. وقد أكدت وزارة الخزانة أن هذه الخطوة جاءت “لدعم الشعب السوري”، مع الالتزام بمراقبة الوضع من كثب خلال الفترة الانتقالية لتحقيق مستقبل أكثر استقرارًا وأمانًا.

    هل يشهد التعاون الاقتصادي بين الأردن وسوريا انطلاقة جديدة؟ اقرأ التقرير الكامل!