سجلت تحويلات المغاربة بالخارج نحو 103.1 مليار درهم خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026، بزيادة 11.3% عن الفترة نفسها من العام الماضي، ويأتي هذا التدفق في وقت اتسع فيه عجز تجارة السلع إلى 323.94 مليار درهم، مع نمو الواردات بوتيرة أسرع من الصادرات، ما يبرز دور الجالية المغربية كمصدر منتظم للنقد الأجنبي، بحسب بيانات مكتب الصرف المغربي.
ولا تمثل هذه الأموال دعماً مباشراً للأسر المغربية فقط، بل تدخل أيضاً في حسابات الاقتصاد الخارجي، فكل تحويل يصل عبر بنك أو شركة تحويل يضيف عملات أجنبية إلى النظام المالي، ويساعد على تمويل شراء السلع والخدمات من الخارج، ويقلل الاعتماد على الاقتراض الخارجي أو السحب من الاحتياطيات عندما تتسع فاتورة الاستيراد.
تحويلات المغاربة بالخارج تدعم تدفقات العملة الصعبة
تعادل تحويلات المغاربة بالخارج المسجلة حتى سبتمبر نحو 31.8% من عجز تجارة السلع، وهذه ليست مساواة محاسبية بين بندين مختلفين، لكنها توضح حجم التدفق الذي يخفف الضغط الناتج عن الفجوة بين قيمة ما يستورده المغرب وما يصدره، فعندما يرسل مغربي مقيم في الخارج يورو أو دولاراً إلى أسرته، تتوافر سيولة إضافية من العملات الأجنبية لدى البنوك وشركات التحويل، بينما يحصل المستفيد غالباً على المقابل بالدرهم، ويمكن لهذه السيولة أن تدعم تمويل الواردات وتحسين توازن العرض والطلب على النقد الأجنبي داخل القطاع المصرفي.
ولكن التحويلات لا تتحول تلقائياً وبالقيمة نفسها إلى احتياطيات رسمية لدى بنك المغرب، فالاحتياطيات تتأثر أيضاً بحركة الصادرات والسياحة والاستثمار الأجنبي والاقتراض الخارجي وتدخلات البنك المركزي، لذلك، تساهم التحويلات في تقوية الوضع الخارجي، لكنها ليست حساباً مستقلاً يضاف آلياً إلى رصيد الاحتياطيات.

لماذا لا تلغي التحويلات أثر العجز التجاري؟
اتساع العجز التجاري في المغرب يرتبط أساساً بتسارع الواردات إلى 707.99 مليار درهم، بزيادة 17%، مقابل نمو الصادرات 10.7% إلى 384.1 مليار درهم، وتراجعت نسبة تغطية الواردات بالصادرات إلى 54.2 من 57.3% قبل عام، وفق ملخص المؤشرات الخارجية لمكتب الصرف المغربي.
وتظهر فاتورة الطاقة حجم الحساسية الخارجية، إذ ارتفعت 37% إلى 111.6 مليار درهم، وجاءت الزيادة في الأساس من ارتفاع الأسعار بنحو 47.5%، بينما لم تزد الكميات سوى 2.4%، ولذلك، تساعد تحويلات المغاربة في الخارج على امتصاص جزء من أثر صدمة الطاقة، لكنها لا تعالج مصدرها المتمثل في الاعتماد على واردات الطاقة والسلع والمعدات.
كما أن جزءاً من التحويلات يُنفق في الاستهلاك المحلي، وقد يذهب جزء من هذا الاستهلاك إلى سلع مستوردة، ويعني ذلك أن الأثر على النقد الأجنبي يتوقف على كيفية استخدام الأموال داخل الاقتصاد، لا على قيمة التحويل وحدها.
من دخل الأسر إلى ميزان المدفوعات والاحتياطيات
تُسجل التحويلات في ميزان المدفوعات ضمن بند الدخل الثانوي، بينما تُسجل إيرادات السياحة ضمن صادرات الخدمات، وتظهر الاستثمارات الأجنبية المباشرة في الحساب المالي، وهذه التدفقات جميعاً تدعم توافر العملة الأجنبية، لكنها تختلف في طبيعتها ومدى استقرارها، فقد حققت الخدمات فائضاً بلغ 135.8 مليار درهم خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، وسجلت مداخيل السفر 115.3 مليار درهم، وهي جزء من صادرات الخدمات وليست بنداً إضافياً فوق فائضها، وفي الوقت نفسه، بلغ صافي الاستثمار الأجنبي المباشر 35.25 مليار درهم.
وكان صندوق النقد الدولي قد توقع أن يبلغ عجز الحساب الجاري المغربي 2.1% من الناتج المحلي الإجمالي في 2026، مع احتياطيات تغطي نحو 5.1 شهر من الواردات، ويعكس ذلك أن تدفقات السياحة والتحويلات والاستثمار تساعد على تمويل الفجوة الخارجية، حتى مع ارتفاع واردات الطاقة والاستثمار.
دعم مهم لا يغني عن توسيع الصادرات
توفر الجالية المغربية مصدراً أكثر انتظاماً للعملة الأجنبية مقارنة بتدفقات نقدية أخرى قد تتقلب بسرعة، مثل استثمارات المحافظ المالية، كما أن التحويلات تصل مباشرة إلى الأسر، بما يدعم الاستهلاك والتعليم والسكن وقدرة العائلات على مواجهة ارتفاع الأسعار.
ولكن استمرار اتساع الفجوة التجارية، يجعل زيادة الصادرات الصناعية وتقليص كلفة الطاقة ورفع القيمة المحلية في الإنتاج عوامل أكثر حسماً على المدى الطويل، فالتدفقات القادمة من المغاربة بالخارج، تخفف الضغط على سوق العملة، لكنها لا يمكن أن تحل محل قاعدة تصدير قادرة على تمويل الواردات بصورة مستدامة.
اقرأ أيضاً: المغرب وجهة سياحية عالمية تجذب الملايين
