تقارير اقتصادية

    تحركات صينية لخفض التصعيد التجاري بإعفاءات جمركية محتملة

    •آخر تحديث •5 دقائق
    تحركات صينية لخفض التصعيد التجاري بإعفاءات جمركية محتملة

    تقرير: باسل محمود

    في توقيت بالغ الحساسية، وبينما تتشابك خيوط الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم، تدرس الحكومة الصينية تعليق الرسوم الجمركية المفروضة على بعض الواردات الأمريكية، في خطوة يُنظر إليها على نطاق واسع كمحاولة لخفض التصعيد التجاري الذي ألقى بظلاله على الأسواق العالمية وأضعف زخم النمو الآسيوي، بحسب بلومبرج.

    مصادر مطلعة أكدت أن السلطات الصينية تتجه نحو رفع الرسوم الإضافية بنسبة 125% عن سلع محددة، بما يشمل المعدات الطبية وبعض المواد الكيميائية الصناعية الحيوية، في ظل تزايد الضغوط الاقتصادية التي تعاني منها قطاعات رئيسية نتيجة استمرار الرسوم المتبادلة.

    هذا التحرك الصيني -وإن كان لا يزال قيد الدراسة- يحمل دلالات استراتيجية عميقة تتجاوز الجانب التجاري، إذ يأتي مع اقتراب زيارات دبلوماسية رفيعة المستوى من مسؤولين أوروبيين إلى بكين، في مسعى لإعادة ضبط إيقاع العلاقات الاقتصادية الدولية ومنع الانزلاق نحو مزيد من التصعيد.

    المعدات الطبية والكيماويات تتصدّر الإعفاءات المقترحة

    بحسب المعلومات المسربة، يتركز التوجه الصيني على إعفاء المعدات الطبية من الرسوم، وهي منتجات تعد أساسية لشبكة المستشفيات الصينية التي تعتمد بشكل كبير على الأجهزة الأمريكية المتطورة، مثل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي والتصوير بالموجات فوق الصوتية، المنتجة من شركات رائدة كـ”جي إي للرعاية الصحية”.

    كما يشمل الإعفاء المرتقب مواد كيميائية صناعية مثل الإيثان الذي تعتمد عليه مصانع البلاستيك الصينية بشكل خاص، وتبرز أهمية هذه الخطوة في ظل صعوبة العثور على بدائل محلية أو من أسواق أخرى بنفس الجودة والأسعار التنافسية التي توفرها الواردات الأمريكية.

    وتناقش السلطات كذلك إعفاء عقود تأجير الطائرات من الرسوم، وهو أمر مهم لشركات الطيران الصينية التي تعتمد على التأجير بنسبة كبيرة لتشغيل أساطيلها، إذ إنّ استمرار فرض الرسوم على هذا البند كان يعني ارتفاعًا هائلًا في تكاليف التشغيل وتآكلًا في هوامش الربحية لشركات الطيران الوطنية.

    الأسواق الآسيوية تستجيب بسرعة لبوادر التهدئة التجارية

    ردّت الأسواق الآسيوية سريعًا على الأنباء المتعلقة بالإعفاءات المحتملة، فارتفعت الأسهم في هونغ كونغ، وشهدت بورصتا الصين واليابان مكاسب ملحوظة، مدفوعة بتزايد الآمال في خفض حدة النزاع التجاري، كما تعافى اليوان الصيني مقابل الدولار، بعد أن كان قد سجل خسائر متتالية في جلسات سابقة.

    كوك هونغ وونغ، رئيس مبيعات التداول المؤسسي في “مايبانك سيكيوريتيز”، أوضح أنَّ هذه التطورات تعطي إشارة قوية على وجود نوايا حقيقية لتخفيف التصعيد التجاري، حتى لو لم تصل الأمور بعد إلى اتفاق نهائي.

    وأضاف: “رغم الحذر السائد، فإن مجرد التفكير في تخفيف الرسوم يعزز شهية المخاطرة في الأسواق، التي كانت تعاني من ضغوط متزايدة خلال الأشهر الماضية”.

    إعفاءات أمريكية متزامنة

    على الضفة الأخرى من المحيط الهادئ، اتخذت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خطوات مشابهة، إذ أعلنت إعفاء بعض الأجهزة الإلكترونية من الرسوم الانتقامية التي بلغت 145%، بهدف تخفيف الأعباء عن المستهلكين الأمريكيين والشركات التكنولوجية الكبرى.

    كما شملت الإعفاءات الأمريكية منتجات حيوية مثل الهواتف الذكية، والحواسيب المحمولة، والمعالجات الإلكترونية، والأقراص الصلبة، والشاشات المسطحة، وقد شكَّل هذا القرار متنفسًا لشركات مثل آبل وإنفيديا التي تعتمد بشكل كبير على مكونات الإنتاج القادمة من الصين.

    هذه الخطوات المتبادلة تُبرز مدى التشابك العميق بين الاقتصادين، وتجعل من سيناريو “الانفصال الكامل” خيارًا مكلفًا ومؤلمًا للطرفين على حد سواء.

    اقرأ أيضًا: الصين تعيد رسم خريطة الرقائق الإلكترونية بقرار “بلد المنشأ” الجديد

    الصين لا تزال بحاجة لبعض الواردات الأمريكية

    رغم الصورة النمطية التي تُظهر الولايات المتحدة كأكبر مستورد من الصين، إلا أن المعطيات تشير إلى اعتماد حقيقي من بكين على بعض السلع الأمريكية، لا سيما في القطاعات التكنولوجية والطبية والصناعية الدقيقة. على سبيل المثال، مصانع البلاستيك تعتمد على الإيثان المستورد لتلبية احتياجاتها الإنتاجية، والمستشفيات الصينية تُفضل المعدات الأمريكية بسبب جودتها وكفاءتها التقنية.

    وهذا يعني أنَّ أي قرار بقطع الواردات أو فرض رسوم عالية عليها يضرب في العمق مصالح صناعية وتجارية حيوية داخل الصين، والتالي فإنّ مقاربة بكين تجاه الإعفاءات تبدو أكثر براغماتية من كونها تنازلات سياسية، حيث تهدف إلى حماية سلاسل التوريد المحلية وضمان استمرارية القطاعات الحساسة.

    اقرأ أيضًا: أين تذهب السلع الصينية بعد أن أدارت أمريكا وجهها لها؟!

    قائمة الإعفاءات الجمركية قيد الإعداد

    حتى اللحظة لم يتم الإعلان رسميًا عن قائمة السلع المعفاة، إذ طلبت السلطات الصينية من الشركات المتضررة تقديم رموز التعرفة الجمركية الخاصة بالسلع التي تستحق الإعفاء.

    وتشير بعض التسريبات إلى أن بكين قد تُعفي أيضًا ثماني فئات إضافية مرتبطة بصناعة أشباه الموصلات، مع استثناء شرائح الذاكرة، وهي خطوة يُعتقد أنها قد تُلحق ضررًا بشركات أمريكية مثل ميكرون تكنولوجي.

    في قراءة أولية لهذه الخطوة، يرى محللو “بلومبرغ إيكونوميكس” أن استثناء السلع التي يصعب استبدالها يعكس نهجًا براغماتيًا، يهدف إلى تخفيف التوتر دون تقديم تنازلات جوهرية، مع الحفاظ على أوراق ضغط استراتيجية في يد بكين للمراحل المقبلة من المفاوضات.

    بين خفض التصعيد والجمود الدبلوماسي

    رغم أنَّ الأجواء الاقتصادية تُظهر بوادر انفتاح إلا أن المسار السياسي لا يزال معقدًا، فقد طالبت الصين بشكل واضح بإلغاء جميع الرسوم الأحادية الجانب كشرط لاستئناف المفاوضات التجارية بشكل رسمي.

    وفي المقابل، حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التواصل مع نظيره الصيني شي جين بينغ بعد عودته إلى منصبه، لكن الأخير رفض حتى الآن إجراء محادثة مباشرة، مفضّلًا أن تُدار الاتصالات عبر القنوات الدبلوماسية الأدنى.

    هذا الجمود السياسي يُبقي احتمالات التصعيد قائمة، رغم المؤشرات الاقتصادية الإيجابية، ويؤكد أن إنهاء الحرب التجارية يحتاج إلى قرارات سياسية صعبة من الطرفين، وليس مجرد إجراءات تخفيفية متفرقة.

    اقرأ أيضًا: ترامب يُشعل سباق التعدين في أعماق البحار ضد الصين

    معركة مفتوحة بمصالح متشابكة

    الخطوات المتبادلة بين واشنطن وبكين تعكس بوضوح هشاشة المشهد التجاري العالمي اليوم، فبينما يُدرك كل طرف أن الاستمرار في التصعيد سيُلحق ضررًا كبيرًا باقتصاده الوطني، فإن الصراع على الزعامة التكنولوجية والاقتصادية يجعل من التوصل إلى تسوية دائمة أمرًا بالغ الصعوبة.

    وفي هذا السياق، فإن أي إجراءات لإعفاء السلع أو تخفيف الرسوم قد تُهدئ الأسواق مؤقتًا، لكنها لن تُغير من حقيقة أن المنافسة بين الولايات المتحدة والصين أصبحت بنيوية وعميقة، تتجاوز مجرد تبادل السلع والخدمات إلى معركة شاملة على قيادة الاقتصاد العالمي للقرن الحادي والعشرين.

    قد يهمّك أيضًا: كيف تؤثر الحرب التجارية على استثمارات الصين في السندات الأمريكية؟