تقارير اقتصادية

    بيانات التضخم الأمريكية تطمئن الأسواق.. والنفط يهدد الذهب

    بقلم نهلة فياض••آخر تحديث •6 دقائق
    تمثيل توضيحي لبيانات التضخم الأمريكي.

    أظهرت بيانات التضخم الأمريكية الصادرة خلال اليومين الماضيين تراجعًا ملحوظًا في الضغوط السعرية على مستوى المستهلكين والمنتجين خلال يونيو 2026، ما منح الأسواق دفعة من التفاؤل بشأن احتمال اقتراب التضخم من مسار هبوطي أكثر استدامة.

    وسجل مؤشر أسعار المنتجين تراجعًا شهريًا بنسبة 0.3% خلال يونيو، بعد ارتفاعه 0.6% في مايو، بينما تباطأ معدله السنوي إلى 5.5%. وجاء ذلك بعد إعلان انخفاض مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 0.4% شهريًا، وتراجع التضخم السنوي من 4.2% إلى 3.5%، فيما انخفض التضخم الأساسي إلى 2.6%.

    وقال الدكتور هاني حافظ، الخبير الاقتصادي، إن البيانات الأخيرة منحت المستثمرين ارتياحًا مؤقتًا، إلا أن لهجة كيفن وارش، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، أعادت الحذر إلى الأسواق، بعدما شدد على ضرورة التأكد من استمرار تراجع التضخم قبل تغيير توجه السياسة النقدية.

    وأضاف حافظ أن الأسواق كانت متعطشة إلى قراءة تؤكد انحسار الضغوط السعرية، وهو ما يفسر الارتفاعات القوية التي أعقبت صدور البيانات، لكن هذا التفاؤل تراجع سريعًا مع إدراك المستثمرين أن قراءة إيجابية واحدة لا تكفي لإقناع الاحتياطي الفيدرالي بإنهاء التشديد النقدي.

    أسعار المنتجين والمستهلكين.. ما الفارق؟

    وأوضح حافظ أن مؤشر أسعار المنتجين يقيس تغير الأسعار عند بوابة الإنتاج، قبل انتقال السلع والخدمات إلى المستهلك النهائي، ولذلك يُعد مؤشرًا مبكرًا لاتجاه التضخم خلال الأشهر التالية.

    في المقابل، يقيس مؤشر أسعار المستهلكين التغير المباشر في تكاليف السلع والخدمات التي تتحملها الأسر، ومن ثم يكون تأثيره أوضح في قرارات السياسة النقدية وتوقعات الأسواق.

    وأشار إلى أن تراجع المؤشرين معًا يحمل رسالة إيجابية، لكنه لا يعني بالضرورة انتهاء موجة التضخم، خصوصًا أن انخفاض أسعار الطاقة كان من أبرز العوامل التي دفعت قراءة يونيو إلى التراجع.

    وأظهرت البيانات الرسمية انخفاض مكون الطاقة في مؤشر أسعار المستهلكين بنسبة 5.7% خلال يونيو، بقيادة تراجع أسعار البنزين 9.7% على أساس شهري. ومع ذلك، ظل مكون الطاقة مرتفعًا بنسبة 15.7% مقارنة بيونيو 2025، ما يعكس استمرار الضغوط على أساس سنوي.

    اقرأ أيضًا: حرب إيران ترفع كلفة المعيشة على الأسر الأمريكية

    التضخم الأساسي يتراجع إلى 2.6%

    قال حافظ إن تباطؤ التضخم الرئيس من 4.2% إلى 3.5% يمثل تطورًا إيجابيًا، إلا أن الأهم بالنسبة إلى صناع السياسة النقدية هو تراجع التضخم الأساسي إلى 2.6%، بعد استبعاد أسعار الغذاء والطاقة الأكثر تقلبًا.

    وأضاف أن انخفاض التضخم الأساسي يمنح الأسواق قدرًا أكبر من الاطمئنان، لكنه قد يعكس أيضًا ضعفًا نسبيًا في الطلب داخل الاقتصاد الأمريكي، وليس فقط نجاح الفائدة المرتفعة في كبح الأسعار.

    وأوضح أن قراءة التضخم الأساسي ظلت دون تغيير على أساس شهري خلال يونيو، بينما تباطأت إلى 2.6% سنويًا مقابل 2.9% خلال مايو، وهو ما يشير إلى اعتدال أوسع في الضغوط السعرية.

    وأكد أن الأسواق مطالبة بالنظر إلى أسباب انخفاض التضخم، وليس الرقم النهائي فقط، لأن التراجع الناتج عن انخفاض الطاقة قد يتبدد سريعًا إذا عادت أسعار النفط والوقود إلى الارتفاع.

    النفط يقفز 11 دولارًا ويهدد التحسن

    وأشار حافظ إلى أن أسعار النفط استطاعت خلال أيام قليلة تعويض نحو 11 دولارًا من خسائرها، مسجلة ارتفاعًا تجاوز 20%، رغم أن موجة هبوطها السابقة استغرقت أكثر من أسبوع.

    وأوضح أن هذه السرعة في تعافي أسعار الخام تضع الأسواق والاحتياطي الفيدرالي أمام معادلة شديدة التعقيد، لأن استمرار ارتفاع النفط قد يعيد الضغوط التضخمية عبر زيادة تكاليف النقل والتصنيع والشحن والخدمات.

    وقال إن المستثمرين قد يفضلون التركيز على الرسالة الإيجابية التي تحملها بيانات التضخم، لكن الواقع يفرض مراقبة التطورات الجيوسياسية وتأثيرها في إمدادات الطاقة والأسعار العالمية.

    وأضاف أن أي تصعيد جديد قد يدفع أسعار النفط إلى تسجيل ارتفاعات إضافية، ثم ينتقل أثرها تدريجيًا إلى أسعار السلع والخدمات، بما قد يؤدي إلى عودة التضخم للصعود خلال القراءات المقبلة.

    وأوضح الخبير الاقتصادي أن المخزونات النفطية الأمريكية شهدت، وفق البيانات التي استند إليها، سحب أكثر من 50 مليون برميل خلال الأسابيع الأحد عشر الأخيرة، وهو ما يزيد حساسية السوق لأي اضطرابات جديدة في الإمدادات.

    وأكد أن تراجع المخزونات، بالتزامن مع قوة الطلب واستمرار المخاطر الجيوسياسية، قد يؤدي إلى تسارع صعود أسعار النفط عند وقوع أي مفاجآت تتعلق بالإنتاج أو التصدير أو الملاحة.

    وأشار إلى أن النفط قد يشهد موجات تصحيح مؤقتة، لكن عودته إلى الارتفاع ستعيد الضغوط على التضخم، وتضعف احتمالات انتقال الاحتياطي الفيدرالي إلى سياسة نقدية أقل تشددًا.

    اقرأ أيضًا: أسعار النفط بين علاوة مخاطر هرمز وضغوط الطلب

    بيانات التضخم الأمريكية.. لماذا لا تكفي قراءة واحدة؟

    أكد حافظ أن الحكم على مسار التضخم يحتاج إلى عدة قراءات متتالية، وليس إلى شهر واحد، موضحًا أن اقتراب المعدل من مستوى 3% واستمرار تراجعه سيمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر لتخفيف تشدده.

    وأضاف أن الفيدرالي لن يغامر بتغيير السياسة النقدية سريعًا في ظل عدم وضوح مسار النفط والتطورات الجيوسياسية، لأن خفض الفائدة أو التراجع عن التشديد قبل التأكد من احتواء الأسعار قد يؤدي إلى عودة التضخم بقوة.

    وكان مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد أبقى نطاق الفائدة عند 3.5% إلى 3.75% خلال اجتماعه الأخير، فيما أكد وارش أن البنك المركزي لا يتسامح مع استمرار التضخم المرتفع، ويتمسك باستعادة استقرار الأسعار.

    الذهب يتراجع بعد تجاوز 4100 دولار

    وحول تحركات المعدن الأصفر، قال حافظ إن الذهب سجل قفزة تجاوز بها مستوى 4100 دولار للأوقية، قبل أن يتراجع سريعًا ويهبط دون مستوى 4000 دولار.

    وأوضح أن الذهب استفاد في البداية من بيانات التضخم المنخفضة، مع اتجاه المستثمرين إلى تقليص توقعات استمرار الفائدة المرتفعة، إلا أن تصريحات وارش أعادت المخاوف من بقاء السياسة النقدية المتشددة فترة أطول.

    وأضاف أن عوائد السندات الأمريكية تراجعت عقب إعلان البيانات، قبل أن تعاود الارتفاع مع استيعاب الأسواق أن الاحتياطي الفيدرالي لن يغير موقفه استنادًا إلى قراءة واحدة.

    وأكد أن استمرار الفائدة المرتفعة يدعم الدولار وعوائد سندات الخزانة، ويضغط على الذهب الذي لا يمنح حائزيه عائدًا دوريًا، ما يفسر عجز المعدن عن الاحتفاظ بكامل مكاسبه.

    وأشار حافظ إلى أن توقعات رفع أسعار الفائدة على المدى البعيد تراجعت عقب صدور بيانات التضخم، إلا أن تقديرات الأسواق التي استند إليها لا تزال تمنح احتمالًا يتجاوز 50% لرفع الفائدة خلال سبتمبر.

    وأوضح أن الذهب يواجه مفارقة معقدة، إذ يستفيد عادة من التوترات الجيوسياسية باعتباره ملاذًا آمنًا، لكن هذه التوترات نفسها قد ترفع النفط والتضخم وتدفع الفيدرالي إلى زيادة الفائدة، وهو ما يضغط على المعدن.

    وقال إن التداخل بين المخاطر الجيوسياسية وأسعار الطاقة والتضخم وعوائد السندات يجعل تحركات الذهب أكثر تقلبًا، ويحول دون تكوين اتجاه صاعد مستقر في الوقت الراهن.

    لماذا لم يسجل الذهب ارتدادًا قويًا؟

    أكد حافظ أنه إذا اتسعت خسائر الذهب لتصل إلى نحو 30% من قمته، فإن هذه المستويات يفترض أن تصبح جذابة للمستثمرين وتدعم حدوث ارتداد قوي، بشرط وجود عوامل أساسية مساندة.

    وأوضح أن الأرضية الداعمة للأسعار لم تكتمل حتى الآن، في ظل استمرار الخوف من رفع الفائدة، وارتفاع الدولار والعوائد، وعدم وضوح مسار النفط والأوضاع الجيوسياسية.

    وأضاف أن ارتفاع المخاطر لا يدعم الذهب بصورة آلية، لأن تأثيرها يختلف وفق انعكاساتها على الطاقة والتضخم والفائدة؛ فإذا أدت الأزمة إلى ارتفاع النفط وتشديد السياسة النقدية، فقد تكون النتيجة مزيدًا من الضغط على المعدن الأصفر.

    كما لفت الدكتور هاني حافظ إلى أن سيناريو وصول الذهب إلى مستوى 3500 دولار للأوقية لا يمكن استبعاده، لكنه ليس مسارًا حتميًا، بل يتوقف على مجموعة من الشروط الاقتصادية والسوقية.

    وأوضح أن هذا السيناريو قد يصبح أكثر ترجيحًا في حال استمرار صعود الدولار وعوائد السندات، وعودة التضخم إلى الارتفاع بفعل النفط، وزيادة احتمالات رفع الفائدة، إلى جانب فشل الذهب في الاحتفاظ بمستويات الدعم النفسية والفنية الحالية.

    وفي المقابل، قد يتجنب الذهب هذا الهبوط إذا استمر تراجع التضخم الأساسي، وهدأت أسعار النفط، وانخفضت توقعات الفائدة والعوائد، أو تصاعد الطلب على الملاذات الآمنة بصورة تفوق أثر التشديد النقدي.

    واختتم حافظ تصريحاته بالتأكيد على أن بيانات التضخم الأمريكية منحت الأسواق ارتياحًا مهمًا لكنه مؤقت، موضحًا أن اتجاه الذهب والأسواق لن يتضح بصورة كاملة قبل ظهور عدة قراءات تؤكد ما إذا كان التضخم الأمريكي دخل مسارًا هبوطيًا مستدامًا، أم أن ارتفاع النفط سيعيد الضغوط السعرية إلى الواجهة.

    اقرأ أيضًا: البنوك المركزية تعزز احتياطياتها من الذهب