رفع بنك اليابان سعر الفائدة الرئيس إلى 1%، في خطوة كانت متوقعة على نطاق واسع، لكنها تمثل محطة لافتة في خروج ثالث أكبر اقتصاد في العالم من عقود الفائدة شديدة الانخفاض.
وقرر البنك المركزي -عقب اجتماع استمر يومين- زيادة سعر الفائدة على القروض غير المضمونة لليلة واحدة بمقدار ربع نقطة مئوية، ليصل إلى أعلى مستوى منذ 1995، وكانت هذه الزيادة هي الخامسة منذ إنهاء سياسة أسعار الفائدة السلبية في مارس 2024.
وجاء القرار في وقت يحاول فيه بنك اليابان استباق ضغوط التضخم الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة، ودعم الين الذي تعرض لضغوط ممتدة أمام الدولار، كما جاء بعد اتفاق سلام مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، يُتوقع أن يخفف تدريجياً أزمة الطاقة التي أشعلها الصراع وإغلاق مضيق هرمز.
وكانت الأسواق قد سعّرت القرار شبه بالكامل، إذ أظهرت بيانات "توتان ريسيرش" و"توتان آي كاب" أن احتمال رفع الفائدة في يونيو بلغ 99%.
تصويت شبه جماعي ورسالة حذرة
غاب المحافظ "كازو أويدا" عن الاجتماع بسبب تلقيه العلاج في المستشفى، فتُرك قرار السياسة النقدية للأعضاء الثمانية الآخرين. وأيد 7 أعضاء رفع الفائدة، بينما عارض عضو واحد القرار، معتبراً أن مخاطر تراجع الإنتاج والتوظيف تفوق مخاطر ارتفاع الأسعار بسبب صراع الشرق الأوسط.
وقال بنك اليابان في بيانه، إن الاقتصاد لا يزال مدعوماً بمستويات مرتفعة من أرباح الشركات، وتحسن أوضاع التوظيف والدخل، إضافة إلى إجراءات حكومية تستهدف تخفيف عبء ارتفاع أسعار الطاقة على الأسر.
لكن البنك حذر في الوقت نفسه من خطر انحراف التضخم الأساسي صعوداً فوق هدفه البالغ 2%، وأشار إلى أن تمرير ارتفاع أسعار النفط إلى أسعار الشركات يمضي بوتيرة سريعة نسبياً، وقد يمتد لاحقاً إلى أسعار المستهلكين في نطاق أوسع من السلع.
وتفاعلت سوق الأسهم بإيجابية مع القرار، فقد قلصت الأسهم اليابانية خسائرها السابقة، وتجاوز مؤشر "نيكي" لفترة وجيزة مستوى 70 ألف نقطة للمرة الأولى، بينما ظل الين مستقراً إلى أضعف قليلاً أمام الدولار.
السندات تحت رقابة البنك المركزي
إلى جانب قرار الفائدة، أعلن بنك اليابان أنه سيوقف اعتباراً من أبريل 2027 تقليص مشترياته من السندات الحكومية، وحتى ذلك الحين سيواصل خفض مشترياته بمقدار 200 مليار ين كل ربع سنة حتى الفترة من يناير إلى مارس المقبل، قبل أن يثبت مشترياته الشهرية عند نحو تريليوني ين.
وكان البنك قد بدأ في 2013 برنامج تيسير كمي واسعاً عبر شراء كميات ضخمة من السندات الحكومية لضخ السيولة في الاقتصاد، وحتى ديسمبر 2025 ظل بنك اليابان أكبر حامل لسندات الحكومة، بحصة بلغت 49% من إجمالي هذه السندات.
ومع خروجه من أسعار الفائدة السلبية في 2024، بدأ البنك تقليص اعتماد السياسة النقدية على مشتريات السندات، لكنه ترك لنفسه مساحة للتحرك، مؤكداً أنه قد يستجيب بمرونة إذا حدث ارتفاع سريع في أسعار الفائدة طويلة الأجل، بما في ذلك زيادة مشتريات السندات عند الحاجة.
وتأتي هذه المرونة بعد ضغوط صعودية تعرضت لها عوائد السندات في السنوات الأخيرة، مدفوعة بمخاوف بشأن السلامة المالية لليابان، والتضخم، واختلالات العرض والطلب.
وفي مايو، ارتفع عائد السندات القياسية لأجل 10 سنوات فوق 2.8%، مسجلاً أعلى مستوى في أكثر من 29 عاماً.
تعرّف إلى: السندات ذات العائد السلبي.. رغبة في خسارة أم ملاذ آمن؟
الأسواق تترقب الإشارة التالية
قال كريشنا بهيمافارابو، خبير اقتصاد آسيا والمحيط الهادئ في "ستيت ستريت إنفستمنت مانجمنت"، إن وصول الفائدة الأساسية إلى 1% يمثل مستوى نفسياً مهماً، مضيفاً أن الأسواق ستراقب ما إذا كان بنك اليابان سيلمّح إلى رفع آخر هذا العام.
وأضاف أن مثل هذه الإشارة ستكون مهمة جداً للين، مشيراً إلى أنه ما زال يتوقع زيادة أخرى للفائدة في الربع الرابع.
وتتجه الأنظار أيضاً إلى الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الذي يختتم اجتماعه اليوم، وسط توقعات واسعة بأن يُبقي أسعار الفائدة دون تغيير.
ويأتي قرار بنك اليابان في وقت تتباين فيه مسارات البنوك المركزية الكبرى، بين من يواصل التشديد لمواجهة تضخم الطاقة، ومن يفضل الانتظار لقياس أثر اتفاق واشنطن وطهران على أسعار النفط والنمو العالمي.
وقال تاكاهيدي كيوتشي، الخبير الاقتصادي التنفيذي في معهد "نومورا" للأبحاث، إن بنك اليابان يبدو مقتنعاً بأن أداء سوق السندات الحكومية يتحسن مع تراجع حيازاته، ما يقلل الحاجة الملحة إلى خفضها بوتيرة أسرع.
وأضاف أن الإبقاء إلى حد كبير على سياسة تقليص المشتريات الحالية قد يسمح للبنك بترك ارتفاع الفائدة طويلة الأجل يؤدي دوراً في تعزيز الانضباط المالي للحكومة.
اقرأ أيضًا: ماذا يجب أن تفعل عند ارتفاع معدل الفائدة؟
