تقف بنغلاديش على حافة أزمة اقتصادية حادة نتيجة التوترات السياسية التي تعصف بالبلاد، مما يهدد بانهيار الاقتصاد البنغالي، الذي كان سابقًا محط إعجاب الأوساط الاقتصادية العالمية بفضل معدلات النمو المرتفعة والتحرر من الفقر.
يقوم البنك الدولي حاليًا بتقييم تأثير الأحداث الأخيرة في بنغلاديش على برنامج قروضه مع البلاد، وذلك بعد استقالة رئيسة الوزراء الشيخة حسينة وهروبها،ولم يتضح بعد التأثير الاقتصادي الكامل لاستقالتها وهروبها من البلاد.
في يونيو الماضي، وافق البنك الدولي على تمويل مشروعين بقيمة 900 مليون دولار لدعم بنغلاديش في تعزيز سياسات القطاع المالي والنقدي، وتحسين البنية التحتية الحضرية بهدف ضمان تحقيق نمو مستدام ومقاوم للتغيرات المناخية، بلغ إجمالي التزامات مجموعة البنك الدولي في بنغلاديش 2.85 مليار دولار خلال السنة المالية 2024.
منذ يوليو الماضي، شهدت البلاد احتجاجات طلابية واسعة أدت إلى فرار رئيسة الوزراء الشيخة حسينة، التي تعتبر فترة حكمها من أطول الفترات في تاريخ البلاد الحديث، حيث امتدت من عام 2009 حتى 2024.
السياسات الاقتصادية بنغلاديش
وعلى الرغم من الازدهار الاقتصادي الذي تحقق خلال فترة حكمها، إلا أن سياساتها الاقتصادية والاجتماعية تعرضت لانتقادات شديدة، فقد اتُّهمت الحكومة بالانحياز لرجال الأعمال ومؤسسة الجيش، فيما تعرضت المعارضة السياسية للقمع على الصعيدين المعيشي والاقتصادي.
في ظل هذه الاحتجاجات، قدم عبد الرؤوف تالوكدر، محافظ بنك بنغلاديش، استقالته بعد أيام قليلة من اقتحام المتظاهرين لمقر البنك المركزي في العاصمة دكا، وفي أعقاب هذه الاضطرابات، تم تشكيل حكومة مؤقتة برئاسة محمد يونس، الحائز على جائزة نوبل.
ويقول الدكتور ناصر عبد المهيمن، الخبير الاقتصادي، إن بنغلاديش تعاني من أزمة اقتصادية خاصة بعد فشلها في اقتراض 5 مليارات دولار من الصين، وتراجع الاحتياطي الأجنبي المستمر.
وأضاف عبد المهيمن في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia أن حزب رابطة عوامي، بقيادة الشيخة حسينة، رغم تصنيفه كحزب يساري، انحاز إلى مصالح رجال الأعمال ومؤسسة الجيش، متجاهلاً بذلك العديد من المبادئ اليسارية التي تُعنى بمصلحة الفئات الفقيرة والمهمّشة.
ووفقًا للخبير، تواجه بنغلاديش العديد من التحديات الاقتصادية والاجتماعية، فقد كانت قرارات حسينة مثيرة للجدل، خاصة تلك المتعلقة بتخصيص نسبة كبيرة من الوظائف العامة لأبناء المقاتلين وأقاربهم الذين ساهموا في انفصال بنغلاديش عن باكستان.
وأشار عبد المهيمن إلى أن السياسات الاقتصادية التي تبنتها الشيخة حسينة، رغم تصنيفها اليساري، كانت تميل بشكل كبير نحو دعم رجال الأعمال وتقوية مؤسسة الجيش. هذه السياسات أدت إلى تعميق الصراعات السياسية وتزايد القمع ضد المعارضين السياسيين، مما أوجد حالة من الغضب الشعبي بسبب تراكمات الفساد وسوء الإدارة خلال فترة الحكم الطويلة.
المؤشرات الاقتصادية خلال حكم الشيخة حسينة
وسلط الخبير الضوء على أداء المؤشرات الاقتصادية لبنغلاديش، حيث تظهر بعض القراءات تحسنًا في الأداء الاقتصادي الكلي خلال فترة حكم الشيخة حسينة، لكن هذه القراءات قد تكون مضللة.
الناتج المحلي الإجمالي: وفقًا لبيانات البنك الدولي، نما الناتج المحلي الإجمالي لبنغلاديش من 102.4 مليار دولار في عام 2009 إلى 437.4 مليار دولار في عام 2023. ومع ذلك، يجب ملاحظة أن هذه الأرقام تعكس الناتج بالأسعار الجارية، وبالتالي تتضمن تأثيرات التضخم. بلغ معدل التضخم 5.4% في عام 2009 وارتفع إلى 11.4% في عام 2011، بينما سجل 9.9% في عام 2023، مما يدل على أن الزيادة في الناتج المحلي الإجمالي كانت إلى حد كبير نتيجة التضخم وليس بسبب نمو اقتصادي حقيقي.
معدلات البطالة: تشير الأرقام الرسمية إلى أن معدل البطالة كان حوالي 5% في عام 2009 وارتفع إلى 5.1% في عام 2023. ورغم أن هذه الأرقام تبدو مقبولة لدولة نامية، إلا أن العديد من الوظائف في بنغلاديش هي وظائف غير رسمية ذات دخل منخفض، وبالتالي لا تعكس الأرقام الرسمية حقيقة أوضاع البطالة والفقر.
معدلات الفقر والدخل: وفقًا لتقرير التنمية البشرية لعام 2023/2024، احتلت بنغلاديش المرتبة 129 من بين 193 دولة، وكان 24.6% من السكان يعانون من الفقر متعدد الأبعاد، بينما كان 42.3% من السكان يشعرون بشدة الحرمان خلال الفترة من 2011 إلى 2022. كما أن توزيع الدخل يعكس عدم عدالة صارخة، حيث يحصل أفقر 10% من السكان على 3.5% من الدخل، بينما يستحوذ أغنى 10% على قرابة 29%.
٠أداء التجارة الخارجية: تعاني بنغلاديش من عجز كبير في الميزان التجاري السلعي، بسب ضعف البنية الإنتاجية واعتمادها الكبير على القطاعات التقليدية مثل الزراعة وصناعة الملابس الجاهزة. هذه القطاعات لم تشهد تطويرًا حقيقيًا خلال فترة حكم الشيخة حسينة، مما يجعل الاقتصاد البنغلاديشي هشًا وعرضة للصدمات الخارجية.
أقوى الاقتصادات الناشئة
واختلف الدكتور عز الدين فكري، أستاذ الاقتصاد بجامعة الأزهر، مع رأي عبد المهيمن، مؤكدًا أن اقتصاد بنغلاديش يُعدُّ من الاقتصادات الناشئة التي شهدت تطورًا ملحوظًا في العقود الأخيرة، حيث تحولت البلاد من اقتصاد زراعي تقليدي إلى اقتصاد متنوع يعتمد على الصناعة والخدمات والتكنولوجيا، وبفضل مجموعة من السياسات الاقتصادية الحكيمة والاهتمام بالتنمية البشرية، أصبحت بنغلاديش نموذجًا اقتصاديًا جديرًا بالدراسة في جنوب آسيا.
القطاع الصناعي وصناعة الملابس: القطاع الصناعي، وخاصة صناعة الملابس الجاهزة، يمثل العمود الفقري لاقتصاد بنغلاديش التي واحدة من أكبر منتجي ومصدري الملابس في العالم، حيث توفر هذه الصناعة فرص عمل لملايين الأشخاص، معظمهم من النساء، وتسهم بنحو 80% من إجمالي الصادرات الوطنية، ويعود نجاح هذا القطاع إلى تكاليف الإنتاج المنخفضة، والدعم الحكومي، وإمكانية الوصول إلى الأسواق العالمية.
النمو الاقتصادي والتنمية البشرية
النمو الاقتصادي: شهد الاقتصاد البنغالي نموًا ملحوظًا في السنوات الأخيرة، حيث بلغ معدل النمو الاقتصادي نحو 6-7% سنويًا، وعلى الرغم من التحديات الاقتصادية العالمية مثل جائحة كوفيد-19، استطاعت بنغلاديش تحقيق نمو مستدام بفضل سياسات تحفيز الإنتاج والاستثمار في البنية التحتية والتكنولوجيا.
التنمية البشرية: إحدى الركائز الأساسية لنمو الاقتصاد البنغالي هي الاستثمار في التنمية البشرية، وضعت الحكومة برامج لتعزيز التعليم والصحة، مما أدى إلى تحسين معدلات التعليم وخفض معدلات الفقر بشكل كبير، بفضل هذه السياسات، ارتفع متوسط العمر المتوقع وانخفضت معدلات وفيات الأطفال، مما ساعد في خلق قوة عمل منتجة وقادرة على دعم النمو الاقتصادي.
القطاع الزراعي: رغم التحول نحو التصنيع، لا يزال القطاع الزراعي يشكل جزءًا مهمًا من الاقتصاد البنغالي. الزراعة توفر فرص عمل لنسبة كبيرة من السكان، وتساهم في تأمين الغذاء المحلي. المحاصيل الرئيسية تشمل الأرز والجوت والشاي، وتعمل الحكومة على دعم هذا القطاع من خلال تحسين تقنيات الري وتوفير الدعم المالي للمزارعين.
التحديات الاقتصادية
التحديات الاقتصادية: رغم النجاحات، يواجه اقتصاد بنغلاديش عددًا من التحديات. من أبرزها التحديات البيئية مثل الفيضانات والتغير المناخي، التي تهدد القطاع الزراعي والبنية التحتية. كما تواجه البلاد تحديات في تحسين جودة التعليم والصحة لتلبية احتياجات سوق العمل المتزايدة. بالإضافة إلى ذلك، يعد الفساد والتحديات الإدارية من العوائق التي تعرقل التنمية الاقتصادية.
الاستثمار الأجنبي والتجارة: تلعب الاستثمارات الأجنبية المباشرة دورًا مهمًا في تعزيز الاقتصاد البنغالي، تعمل الحكومة على خلق بيئة استثمارية جاذبة من خلال تحسين البنية التحتية وتبسيط الإجراءات الإدارية، كما تسعى بنغلاديش إلى تعزيز تجارتها الخارجية من خلال الانضمام إلى اتفاقيات تجارية دولية وتنويع صادراتها لتشمل سلعًا ذات قيمة مضافة أعلى.
التكنولوجيا والابتكار: تتجه بنغلاديش نحو تعزيز الابتكار واستخدام التكنولوجيا كوسيلة لتعزيز الاقتصاد، تعمل الحكومة على دعم الشركات الناشئة في قطاع التكنولوجيا وتطوير البنية التحتية الرقمية، و تسعى البلاد إلى تعزيز قطاع تكنولوجيا المعلومات، الذي أصبح مصدرًا مهمًا للعملات الأجنبية من خلال خدمات التعهيد الخارجي.
وأضاف فكري في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia : “يمكن القول إن اقتصاد بنغلاديش يُعد قصة نجاح ملهمة في العالم النامي. بفضل التركيز على الصناعة والتنمية البشرية والتكنولوجيا، استطاعت بنغلاديش أن تتحول من دولة فقيرة إلى واحدة من الاقتصادات الناشئة الواعدة. ومع ذلك، فإن استمرار النمو يتطلب معالجة التحديات البيئية والاجتماعية، وتعزيز البنية التحتية، وتحسين جودة الخدمات العامة. ولكن مع هذه الاحتجاجات، سيتراجع اقتصاد بنغلاديش مائة خطوة إلى الخلف.”
الشركات الناشئة
من جهتها، تقول الدكتورة نجلاء عبد المنعم، الخبيرة الاقتصادية: “تظهر بنغلاديش كواحدة من الأسواق الديناميكية سريعة النمو، مدفوعةً بسوق استهلاكية محلية واسعة، وطبقة متوسطة وثرية تشهد توسعًا سريعًا، إلى جانب معدل تبني رقمي مثير للإعجاب.”
وأضافت الخبيرة في تصريحات خاصة لموقع Econ-Pedia : “حاليًا تحتضن بنغلاديش أكثر من 2500 شركة ناشئة، وتتم إضافة حوالي 200 شركة جديدة سنويًا. هذه الشركات تركز على مجموعة واسعة من الصناعات، من بينها التكنولوجيا المالية، والخدمات اللوجستية، والتجارة الإلكترونية، هذا النمو السريع في قطاع الشركات الناشئة يعكس حيوية السوق البنغالية واستعدادها لاستيعاب الابتكار والتطور الرقمي”.
بالإضافة إلى ذلك، تحتفظ بنغلاديش بمجموعة مزدهرة من الشركات والتكتلات التقليدية التي لعبت دورًا حيويًا على مدى أكثر من عقد في سلاسل التوريد المحلية والعالمية، خاصة في قطاعات المنسوجات والملابس والتصنيع الخفيف وتربية الأحياء المائية. هذه التكتلات ليست فقط جزءًا من تاريخ بنغلاديش الاقتصادي، لكنها أيضًا مكون أساسي في بنيتها الاقتصادية الحالية.
سوق غير مستغلة
وترى عبد المنعم، أنه رغم النشاط التجاري البارز في بنغلاديش، إلا أن السوق البنغالية لا تزال غير مستغلة بشكل كبير، ولكن مع استمرار البلاد في إظهار مؤشرات قوية على قدرتها على أن تكون سوقًا قوية ومستدامة، تتزايد الفرص للشركات المحلية والمستثمرين الدوليين على حد سواء.
وأكدت أن هناك العديد من الفرص الاقتصادية الواعدة في بنغلاديش، وأن الموقع الاستراتيجي للبلاد يجعلها قاعدة مثالية للشركات المتعددة الجنسيات للتوسع، سواء بشكل مستقل أو من خلال شراكات مع الشركات المحلية.
ولفتت الخبيرة إلى أن تلك الشركات الناشئة والمتوسطة الحجم التي تحقق نجاحًا في بنغلاديش تتميز بقدرتها على التوسع السريع واستغلال الفرص غير المستغلة في السوق، مما يجعلها نماذج مثالية للشركات الأخرى التي تسعى إلى النجاح في هذا السوق الواعد.
واتفق الخبراء على أن استمرار الاحتجاجات في البلاد سيؤثر سلبًا على الاقتصاد، نظرًا لتعطل الإنتاج، وبالتالي انخفاض معدلات التصدير، وهروب الاستثمارات، وتصفية الشركات، وارتفاع معدلات البطالة، وارتفاع التضخم، وتدمير البنية التحتية.
مخاطر الفوضى على الاقتصاد البنغالي
وأكد الدكتور ناصر عبد المهيمن أن استمرار الفوضى في بنغلاديش قد يعرض العملة الوطنية لضغوط شديدة نتيجة للعجز في الميزانية والتضخم وانخفاض الاحتياطيات النقدية. وبالتالي، سيؤدي ذلك إلى انخفاض قيمة العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية، مما يزيد من تكلفة الاستيراد ويرفع الأسعار بشكل كبير. هذا التضخم المفرط يمكن أن يؤدي إلى تآكل القدرة الشرائية للمواطنين وتدهور مستوى المعيشة.
ويرى الدكتور عز الدين فكري أن استمرار الاحتجاجات سيؤدي إلى تدهور العلاقات التجارية للدولة، مما سيؤدي إلى تقليل حجم التجارة الدولية، ويزيد من العزلة الاقتصادية لها، وينتج عنه تراجع في صادراتها ووارداتها، وبالتالي انخفاض دخلها القومي.
كما يتجنب المستثمرون ضخ أموالهم في الاقتصادات المضطربة، حيث يصبح الاستثمار محفوفًا بالمخاطر، وهذا يؤدي إلى تراجع الاستثمارات المحلية والأجنبية، مما يحرم الدولة من فرص النمو الاقتصادي والتطوير، بالإضافة إلى ذلك تؤدي الاضطرابات إلى هروب رؤوس الأموال إلى خارج البلاد بحثًا عن ملاذات أكثر أمانًا، مما يزيد من ضعف الاقتصاد.
اقرأ أيضًا: هل يحتمل الشرق الأوسط تداعيات حرب شاملة؟
