تشهد خريطة تدفقات رؤوس الأموال في الشرق الأوسط تحولًا لافتًا، تقوده السعودية والإمارات، مع انتقال المنطقة تدريجيًا من كونها مصدرًا رئيسيًا للأموال المتجهة إلى الأسواق العالمية إلى وجهة متنامية لجذبها وتوظيفها محليًا، بدعم من برامج التحول الاقتصادي وزيادة الإنفاق على البنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي.
وكشف تقرير صادر عن منظومة "ألادين" التابعة لشركة "بلاك روك" ، بعنوان "تطور الأسواق: الشرق الأوسط" ، أن السعودية والإمارات تقودان نمو أسواق رأس المال الخاص في المنطقة، في ظل اتساع الفرص الاستثمارية وزيادة توظيف الأموال محليا.
وأشار التقرير إلى أن الطاقة والمرافق والنقل ومراكز البيانات والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي تأتي في مقدمة القطاعات الجاذبة للاستثمارات.
الصناديق السيادية تزيد استثماراتها في رأس المال الخاص
وبحسب التقرير، تخصص صناديق الثروة السيادية في الشرق الأوسط التي ترصدها "بريكين" ، المتخصصة في جمع وتحليل بيانات الأسواق الخاصة والتابعة لـ"بلاك روك" ، نحو 43% من انكشافها الاستثماري لرأس المال الخاص، مقابل متوسط يبلغ 35% لدى نظيراتها في بقية أنحاء العالم.
ويغطي التقرير الفترة من بداية عام 2026 وحتى يونيو، وأظهر ارتفاع نسبة المستثمرين من الشركاء المحدودين في المنطقة الذين يتبنون نظرة إيجابية تجاه الاستثمار في الأسهم الخاصة أو يدرسون الدخول إليها إلى 83% خلال 2026، مقابل 70% في 2019، بينما لم تشهد النسبة لدى المستثمرين من خارج المنطقة تغيرًا يُذكر.
السعودية تتصدر نشاط جمع رؤوس الأموال في الشرق الأوسط
وتصدرت السعودية نشاط جمع رؤوس الأموال في الشرق الأوسط، بعدما استحوذت على 359 صندوقًا من أصل 590 صندوقًا تتخذ من المنطقة مقرًا لها وأُغلقت منذ عام 2015، بما يعادل نحو 61% من إجمالي عدد الصناديق، مقابل 143 صندوقًا في الإمارات.
ويعكس ذلك تنامي دور السعودية والإمارات كمركزين رئيسيين لنشاط رأس المال الخاص والاستثمار البديل في المنطقة.
وأشار التقرير إلى أن صندوق الاستثمارات العامة السعودي سرّع وتيرة صفقاته المباشرة داخل الشرق الأوسط، ليتجاوز نشاطه الإقليمي حجم صفقاته خارج المنطقة منذ عام 2023، قبل أن يواصل توسيع الفارق خلال العامين التاليين.
كما أدى الصندوق دورا رئيسيا في دعم صناديق ومنصات تركز على السعودية والمنطقة، وتستثمر في الملكية الخاصة والائتمان الخاص والبنية التحتية والطاقة والأسهم المدرجة.
اقرأ أيضًا: الاستثمارات الأجنبية في السعودية تقفز إلى 20 مليار ريال
2.1 تريليون دولار استثمارات خليجية حتى 2030
وقال أيمن ضيف، المدير العام ورئيس تطوير أعمال "ألادين" في الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وأفريقيا والهند، إن المنطقة تشهد تحولا هيكليا، مع زيادة توظيف رأس المال محليًا بالتوازي مع تطوير المؤسسات والمنظومات الداعمة للاستثمار.
وأضاف أن أبحاث معهد بلاك روك للاستثمار تشير إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي ستستثمر نحو 2.1 تريليون دولار بحلول عام 2030، مع توجيه جانب من الإنفاق لتعزيز مرونة الاقتصادات في مواجهة الاضطرابات التي قد تؤثر على التجارة والشحن وأسواق الطاقة.
وأوضح أن المرحلة المقبلة ستعتمد على استمرار التعاون بين الصناديق السيادية والمكاتب العائلية ومديري الاستثمار العالميين، إلى جانب التوسع في استخدام التكنولوجيا ومنهجيات الاستثمار القائمة على البيانات.
المكاتب العائلية تتصدر المستثمرين النشطين
وكشف التقرير أن المكاتب العائلية أصبحت أكبر فئة من المستثمرين النشطين في رأس المال الخاص بالشرق الأوسط، إذ تمثل قرابة نصف المستثمرين النشطين خلال 2026.
وتستحوذ الملكية الخاصة على 27% من توجهاتها الاستثمارية المستقبلية، تليها العقارات بنسبة 19%، ثم الائتمان الخاص 16%، والبنية التحتية 14%.
وشكل رأس المال الجريء نحو 90% من صفقات مديري الاستثمار العالميين في الشرق الأوسط منذ عام 2020، فيما بلغ متوسط قيمة هذه الصفقات نحو 2.4 مليار دولار سنويًا بين عامي 2021 و2025.
وحافظ النشاط على استقرار نسبي خلال تلك الفترة، رغم البيئة التمويلية الأكثر صعوبة التي شهدتها الولايات المتحدة وأوروبا.
مراكز البيانات والذكاء الاصطناعي تقودان المرحلة المقبلة
ورجح التقرير أن تقود البنية التحتية ومراكز البيانات والذكاء الاصطناعي المرحلة المقبلة من نمو الاستثمارات في الشرق الأوسط، بدعم من السياسات الحكومية وتوافر الطاقة والأراضي واتجاه اقتصادات المنطقة نحو التنويع.
كما توفر برامج الخصخصة وتسييل الأصول الحكومية فرصًا جديدة أمام المستثمرين في قطاعات الطاقة والمرافق والمياه والنقل، بالتزامن مع تزايد دور الائتمان الخاص في تمويل هذه المشروعات.
من جانبه، أكد الدكتور أحمد شوقي، الخبير الاقتصادي، أن المؤشرات الواردة في التقرير تكشف تحولا واضحا في طبيعة النشاط الاستثماري بالشرق الأوسط، مع زيادة قدرة المنطقة على جذب رؤوس الأموال وتوظيفها محليا.
وأوضح أن ارتفاع وزن رأس المال الخاص داخل محافظ الصناديق السيادية، إلى جانب تصدر السعودية نشاط جمع رؤوس الأموال، يعكس تنامي دور الأسواق الإقليمية في استقطاب الاستثمارات.
ولفت إلى أن صعود المكاتب العائلية إلى موقع متقدم بين المستثمرين النشطين يمثل أحد أبرز التحولات في المنظومة الاستثمارية بالمنطقة.
وأكد شوقي أن تزايد دور الصناديق السيادية والمكاتب العائلية ورأس المال الخاص يعكس تغيرا في اتجاهات الاستثمار داخل الشرق الأوسط، بالتزامن مع توسع الفرص المرتبطة بالبنية التحتية والتكنولوجيا والطاقة والذكاء الاصطناعي.
قد يهمّك أيضًا: السعودية تستقطب طلبات اكتتاب تجاوزت 15 مليار دولار
