اقتصادات عربية

    بعد خفض الفائدة في مصر .. هل ينجح المركزي في كبح التضخم؟

    •آخر تحديث •4 دقائق
    بعد خفض الفائدة في مصر .. هل ينجح المركزي في كبح التضخم؟

    في خطوة تعكس توجهًا واضحًا نحو تيسير السياسة النقدية واستعادة التوازن في مؤشرات الاقتصاد الكلي، أعلن البنك المركزي المصري أن لجنة السياسة النقدية قررت خفض أسعار الفائدة الأساسية بواقع 200 نقطة أساس (2%).

    وبحسب البيان الرسمي، تم خفض سعر عائد الإيداع لليلة واحدة إلى 22%، وعائد الإقراض لليلة واحدة إلى 23%، وسعر العملية الرئيسية إلى 22.5%، بالإضافة إلى خفض سعر الائتمان والخصم ليصل إلى 22.5%.

    وأوضح البنك أن القرار يستند إلى تقييم شامل لتطورات التضخم داخليًا وخارجيًا؛ فعلى الصعيد العالمي ظهرت بوادر تعافٍ في النمو واستقرار نسبي لتوقعات التضخم، مع توجه البنوك المركزية في الاقتصادات المتقدمة والناشئة نحو سياسات نقدية أكثر تيسيرًا، وإن كان ذلك يتم تدريجيًا بسبب استمرار حالة عدم اليقين الناتجة عن التوترات الجيوسياسية والمخاطر التجارية.

    وفيما يخص أسعار السلع العالمية، فقد شهدت النفط تقلبات طفيفة مرتبطة بعوامل العرض، في حين سجَّلت أسعار السلع الزراعية اتجاهات متباينة، وهو ما أبقى على مخاطر التضخم قائمة عالميًا.

    أسباب خفض الفائدة في مصر

    أظهرت تقديرات البنك المركزي أن الاقتصاد المصري حقق معدل نمو أعلى من المتوقع خلال الربع الثاني من 2025، مدفوعًا بقطاعات الصناعات التحويلية غير البترولية والسياحة.

    وتشير التوقعات إلى توسع النشاط الاقتصادي بمعدل 5.4% في الربع الثاني، ليرتفع معدل النمو الحقيقي في العام المالي 2024-2025 إلى 4.5% في المتوسط، مقارنة بـ 2.4% فقط في العام السابق.

    كما شهدت سوق العمل تحسنًا ملحوظًا، حيث تراجع معدل البطالة إلى 6.1% في الربع الثاني من 2025 مقابل 6.3% في الربع الأول، وهو ما يعكس اتساع النشاط الاقتصادي وتنامي مساهمة القطاعات الإنتاجية والخدمية في خلق فرص عمل جديدة.

    وقد أوضح البنك أن معدل التضخم العام تراجع إلى 13.9% في يوليو 2025 مقابل 14.9% في يونيو، فيما استقر التضخم الأساسي عند 11.6% في يوليو مقابل 11.4% في يونيو. وعلى أساس شهري، سجل التضخم العام سالب 0.5%، والتضخم الأساسي سالب 0.3%.

    وأشار البيان إلى أن تسجيل معدلات تضخم سالبة لشهرين متتاليين يؤكد استمرار المسار النزولي للتضخم، مدعومًا بالسياسة النقدية وتراجع الضغوط السعرية الشهرية.

    كما تباطأ معدل التضخم العام إلى 15.2% في الربع الثاني من 2025 مقابل 16.5% في الربع السابق، مع توقعات بمزيد من التراجع ليبلغ متوسطًا بين 14% و15% خلال العام الجاري.

    توقعات التضخم حتى 2026

    توقع البنك أن يواصل التضخم تراجعه ليقترب من المستهدف البالغ 7% (±2%) بحلول الربع الرابع من 2026، ثم الوصول إلى 5% (±2%) بحلول الربع الرابع من 2028، لكن تبقى التوقعات معرضة لمخاطر صعودية مثل تحركات الأسعار المحددة إداريًا، إضافة إلى احتمالات تصاعد التوترات الجيوسياسية التي قد تؤثر على أسعار الطاقة والسلع عالميًا.

    أكدت لجنة السياسة النقدية أن خفض الفائدة بواقع 200 نقطة أساس يعد “إجراءً مناسبًا” يهدف إلى دعم استقرار الأسعار وترسيخ توقعات التضخم على المدى المتوسط، مع الاستمرار في تقييم التطورات الاقتصادية والمالية بشكل دوري وتحديد وتيرة التيسير النقدي وفقًا للبيانات والمخاطر المحيطة.

    وشددت اللجنة على أنها لن تتردد في استخدام كافة الأدوات المتاحة لضمان استقرار الأسعار وتوجيه التضخم نحو مستهدفه البالغ 7% (±2%) بحلول 2026، و5% (±2%) بحلول 2028.

    بين الاستثمارات المباشرة وتراجع الاعتماد على الأموال الساخنة

    في تعليقه على القرار، قال الدكتور حسين العسيلي، الخبير الاقتصادي، إن قرار خفض الفائدة بمقدار 200 نقطة أساس يعكس توجهًا محسوبًا يستند إلى ثقة في مسار التضخم النزولي، كما أنّه جاء متزامنًا مع إشادة وكالة فيتش بالقطاع المصرفي المصري، ما يخلق مشهدًا اقتصاديًا يجمع بين سياسة نقدية توسعية وإشارة دولية تعزز الثقة.

    فضلًا عن ذلك، فقد أكَّد العسيلي أن القرار يحمل رسائل إيجابية على المستوى المحلي، حيث يخفف عبء التمويل على الشركات والأفراد، ويشجع على الاستثمار والإنتاج، كما أنّه يقلل من تكلفة خدمة الدين المحلي، وهو ما يمنح الموازنة العامة متنفسًا مهمًا.

    وأوضح العسيلي أن خفض الفائدة قد يُقلل من جاذبية أدوات الدين قصيرة الأجل مثل أذون وسندات الخزانة، ما قد يدفع بعض المستثمرين إلى التحول لأسواق ناشئة أخرى أو الدولار الأمريكي إذا استمر الفيدرالي الأمريكي في التشديد النقدي.

    لكنه شدد على أن مصر لم تعد تعتمد بالدرجة الأولى على الأموال الساخنة كما كان في السابق، بل تسعى لتعويضها عبر الاستثمارات المباشرة والاتفاقيات التمويلية وزيادة إيرادات القطاعات الدولارية مثل السياحة والطاقة وقناة السويس.

    وأضاف العسيلي أن شهادة فيتش لم تأتِ من فراغ، فهي تعكس قوة الرسملة والملاءة المالية ومرونة البنوك في مواجهة الصدمات، وقال إن هذه الثقة الدولية تمثل مظلة حماية معنوية تعزز ثقة المستثمرين الأجانب وتجعل السوق المصري جاذبًا على المدى المتوسط، رغم خفض الفائدة.

    تأثيرات خفض الفائدة في مصر على سعر الصرف

    أوضح العسيلي أن قرار خفض الفائدة في مصر سينعكس على سعر الصرف في ثلاث صور:

    • ضغط قصير الأجل على الجنيه نتيجة خروج محتمل لبعض الأموال الساخنة.
    • استقرار نسبي مدعوم بالتدفقات الدولارية من السياحة، وقناة السويس، وتحويلات العاملين بالخارج، وصادرات الغاز.
    • تعزيز الثقة بفضل إشادة فيتش بالقطاع المصرفي المصري، ما يخفف من حدة المخاطر على العملة.

    إعادة التوازن الاقتصادي: خطوة محسوبة وليست مغامرة

    أكَّد العسيلي أن الضغوط على الجنيه قد تكون مؤقتة وقابلة للاحتواء إذا استمرت الدولة في تنويع مصادر النقد الأجنبي وجذب الاستثمارات طويلة الأجل. ولفت إلى أنَّ خفض الفائدة قد يشجع جزئيًا على الاستهلاك، لكنه لن يعطل مسار السيطرة على التضخم، في ظل استقرار أسعار السلع عالميًا والرقابة النقدية الصارمة، وأكد أن السياسة النقدية الحالية تتسق مع المسار النزولي للتضخم، ما يمنح الاقتصاد فرصة لإعادة التوازن.

    اختتم العسيلي بالقول: “قرار خفض الفائدة ليس مغامرة، بل خطوة محسوبة تستهدف إعادة تنشيط الاقتصاد الحقيقي وتحفيز النمو، حتى وإن جاء على حساب جزء من جاذبية الأموال الساخنة، وبين شهادة ثقة من وكالة فيتش وواقع اقتصادي يتطلع للاستقرار، يقف الاقتصاد المصري اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يستثمر هذه اللحظة لبناء دورة نمو جديدة أكثر استدامة، أو أن يعود إلى دوامة الضغوط النقدية المعتادة”.

    قد يهمّك أيضًا: جدل اقتصادي قبل اجتماع المركزي المصري.. خفض الفائدة أم تثبيتها؟