في خطابٍ حمل دلالات انتخابية صريحة، سعى الرئيس الأمريكي جو بايدن إلى استعراض عضلات إدارته في ولايتها الأولى، موجهاً رسائل متعددة المسارات استهدفت ترتيب البيت الداخلي وتثبيت حضور واشنطن في ملفات الصراع الدولي الشائكة، وعلى رأسها حرب غزة والأزمة الأوكرانية.
وقد غازل بايدن الجبهة الداخلية بلغة الأرقام، محاولاً حسم الجدل حول أهليته لولاية جديدة؛ إذ أكد أن إدارته نجحت في انتشال الاقتصاد الأمريكي من “عنق الزجاجة”، محولةً إياه من اقتصادٍ كان يقف على حافة الهاوية إلى “نموذج يحسده العالم”. واستند بايدن في مرافعته الاقتصادية إلى ضخ 15 مليون وظيفة جديدة خلال ثلاث سنوات، وهبوط معدلات البطالة إلى مستويات تاريخية لم تشهدها البلاد منذ نصف قرن، في محاولة واضحة لتحويل المنجز الاقتصادي إلى وقود لحملته الانتخابية.
التنين الصيني والزحف الروسي
على الصعيد الدولي، لم يخلُ خطاب بايدن من النبرة الحادة تجاه الخصوم التقليديين؛ فقد جدد التزامه بالتصدي للممارسات الاقتصادية “غير العادلة” للصين، مؤكداً استمرار الحظر على وصول التكنولوجيا الأمريكية الحساسة إلى الترسانة العسكرية لبكين. ورغم تشديده على خيار “المنافسة لا الصراع”، إلا أن تمسكه بحماية الاستقرار في مضيق تايوان يفتح الباب أمام فصول جديدة من التوتر التجاري والسياسي.
وفي الملف الأوكراني، شن بايدن هجوماً لاذعاً على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، متهماً إياه ببذر بذور الفوضى في القارة الأوروبية، ومشدداً على ضرورة إقرار تمويلات طارئة لدعم كييف في مواجهة الزحف الروسي، مع ربط هذا الملف داخلياً بهجومٍ مضاد على منافسه الجمهوري دونالد ترامب، متهماً إياه بالخضوع للأجندة الروسية وتبني مواقف “عدائية” تجاه ملف المهاجرين.
اقرأ أيضًا: مليارات روسيا.. هدية من الغرب لأوكرانيا
مأساة غزة.. الميناء المؤقت كمخرج إنساني وسياسي
حاول بايدن في خطابه احتواء الغضب المتصاعد داخل قاعدته الانتخابية والمجموعات المناهضة لموقفه من حرب غزة، مقراً بـ “المأساة الإنسانية” التي يعيشها سكان القطاع. وفي خطوة عكست العجز عن الضغط على الجانب الإسرائيلي لفتح المعابر البرية بشكل كامل، أمر بايدن الجيش الأمريكي بإنشاء ميناء مؤقت لتسهيل تدفق المساعدات الإغاثية.
تأتي هذه الخطوة كمحاولة متأخرة لتدارك خطر المجاعة الوشيك بعد خمسة أشهر من الحملة العسكرية الإسرائيلية، التي خلفت دماراً شاملاً في البنية التحتية وحصيلة ثقيلة تجاوزت 31 ألف شهيد و75 ألف جريح، واضعةً أكثر من مليوني فلسطيني في مهب كارثة إنسانية غير مسبوقة، باتت تضغط بقوة على الأجندة الخارجية والداخلية للإدارة الأمريكية.
وتواجه غزة اليوم اختناقاً معيشياً غير مسبوق؛ فبعد أن كانت شريانات الحياة تتدفق عبر معبر رفح البري، وتسللت ببطء شديد عبر “كرم أبو سالم” منذ ديسمبر الماضي، تسببت العراقيل الإسرائيلية وإجراءات الفحص الشاقة في شلل شبه كامل لمنظومة الإغاثة، ما دفع دولاً كـ “الأردن والولايات المتحدة” نحو خيار الإنزال الجوي، وهو إجراء يصفه خبراء الإغاثة بأنه “استعراضي” ومحدود الأثر مقارنة بحمولة الشاحنات البرية.
الممر القبرصي والميناء المؤقت
في محاولة لكسر هذا الجمود، كشفت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، عن ممر بحري ينطلق من قبرص مطلع الأسبوع المقبل، وبحسب الخطة التي أعلنها الرئيس بايدن سيتولى الجيش الأمريكي بناء رصيف بحري عائم قبالة سواحل القطاع يتصل باليابسة عبر جسر مؤقت.
لكن هذا “الحل البحري” لن يحرر المساعدات من الرقابة الإسرائيلية؛ إذ ستخضع الشحنات لتفتيش دقيق في قبرص من قبل مسؤولين إسرائيليين قبل إبحارها، تماماً كما يحدث في المعابر البرية، لضمان عدم وصول مواد “مزدوجة الاستخدام”.
اقرأ أيضًا: خطة ترامب لغزة.. سلام دائم أم صراع بلا نهاية
تحديات التوقيت والجغرافيا: سباق مع المجاعة
تثير الخطة الأمريكية تساؤلات جوهرية حول الجدوى الزمنية، فبينما يفتك الجوع بأطفال شمال غزة تشير التقارير إلى أن بناء الميناء يحتاج لأسابيع من التخطيط والتنفيذ، مما يجعله “حلًا مؤجلاً” لأزمة تتطلب تدخلاً فورياً.
ومن الناحية الجغرافية، تظل نقطة تمركز الميناء لغزاً، إذ إنّ ساحل غزة يفتقر للموانئ العميقة، ولا يوجد سوى “ميناء صيادين” صغير لا يستقبل السفن الضخمة، وهو ذات الموقع الذي وأدت فيه الانتفاضة الفلسطينية عام 2000 وعوداً أوروبية قديمة ببنائه.
ويزيد الفصل العسكري الذي فرضه الاحتلال بين شمال القطاع وجنوبه من تعقيد المهمة، حيث تظل قوافل المساعدات رهينة نقاط التفتيش الإسرائيلية التي تخنق حركة الوصول إلى المناطق الأكثر تضرراً.
المسؤولية الأمنية.. لغم في طريق الإغاثة
رغم وعود بايدن بأن “أقدام الجنود الأمريكيين لن تطأ أرض غزة”، يظل السؤال الأمني هو الحلقة المفقودة: من سيحمي الرصيف البحري؟ ومن سيؤمن قوافل التوزيع داخل القطاع؟
الجدير بالذكر أنّ عملية التوزيع تحوّلت إلى ساحة للفوضى بعد استهداف القوات الإسرائيلية لعناصر الشرطة الفلسطينية التي كانت تؤمن القوافل، مما دفع السكان اليائسين تحت وطأة الجوع للاستيلاء على الإمدادات في مشاهد تعكس عمق الانهيار الإنساني.
على أرض الواقع، لم يكن قرار بناء الميناء مدفوعاً فقط بتقارير الأمم المتحدة حول “المجاعة الوشيكة”، بل جاء استجابة لضغوط داخلية متصاعدة من الجناح التقدمي في الحزب الديمقراطي، الذي يطالب واشنطن باستخدام أوراق ضغط حقيقية على حليفتها إسرائيل. وفيما تلقي تل أبيب باللوم على “قدرة الأمم المتحدة” في التوزيع، تظل الحقيقة الميدانية تؤكد أن غياب الممرات الآمنة والتعنت في فتح المعابر البرية هما العائقان الأساسيان أمام إنقاذ مليوني إنسان من كارثة محققة.
قد يهمّك أيضًا: أميركا والصين.. رسائل وعيد ومصالحة
