تقارير اقتصادية

    انهيار عملة إثيوبيا يضع البلاد في مأزق

    •آخر تحديث •6 دقائق
    انهيار عملة إثيوبيا يضع البلاد في مأزق

    أدى انهيار عملة إثيوبيا إلى وضع الدولة في مأزق حاد، حيث تواجه إثيوبيا أزمة اقتصادية كبيرة ناجمة عن تدهور قيمة “البير الإثيوبي”، بعد أن شهد سعر صرفه تراجعاً ملحوظاً مقابل العملات الأجنبية، لاسيما الدولار الأمريكي، مما أدى إلى تفاقم الضغوط المالية على الاقتصاد الوطني وزيادة معاناة المواطنين، وتسبب في انخفاض القدرة الشرائية للمواطنين وارتفاع أسعار السلع الأساسية، كما  أدى إلى تقليص الاستثمارات وانخفاض الثقة في الاقتصاد، مما يزيد من صعوبة تحقيق الاستقرار والنمو في المستقبل.

    أسباب انهيار البير الإثيوبي

    إنّ انهيار العملة الإثيوبية يمثل تحديًا كبيرًا أمام اقتصاد البلاد، وهو يتطلب جهودًا حكومية مكثفة، إلى جانب دعم دولي، للخروج من هذه الأزمة، لكن قبل ذلك لا بد من التعرّف إلى أبرز الأسباب التي أدت إلى هذه النتيجة:

    تعويم سعر العملة الوطنية

    يقول الدكتور سيد قاسم عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، تفاقم الوضع الاقتصادي في إثيوبيا  عندما أعلنت السلطات، تعويم سعر العملة الوطنية، موضحًا أنه قبل هذا القرار، كان سعر صرف البير تحت رقابة صارمة، لكن بعد التعويم أصبح تحديد السعر متروكًا للبنوك التجارية.

    عقب ذلك مباشرة، قام البنك التجاري الإثيوبي، وهو المؤسسة المالية الرئيسية المملوكة للدولة، بتخفيض قيمة البير بنسبة 30% مقابل العملات الرئيسية، ومنذ تلك اللحظة، استمرت قيمة البير في الانخفاض من 55 بيرا مقابل الدولار إلى 112 بيرا في البنك التجاري الإثيوبي، وهو ما يعكس السعر السائد في السوق السوداء النشطة في البلاد.

    الاعتماد الكبير على الواردات

    أشار قاسم إلى أنّه على مدى السنوات الماضية، فرضت الحكومة الإثيوبية قيودًا صارمة على وصول الشركات إلى العملات الأجنبية، مما تسبب في نقص هيكلي بسبب الاعتماد الكبير على الواردات، ففي عام 2023 بلغت قيمة الواردات الإثيوبية من المحروقات والمنتجات المصنعة نحو 23 مليار دولار، بينما حققت عائدات التصدير حوالي 11 مليار دولار، مع التركيز على تصدير الزهور والشاي والقهوة.

    تراكم الديون الخارجية الضخمة على البلاد

    وفقًا لبيانات البنك الدولي، نتيجة للظروف التي تتعرض لها إثيوبيا فإنّ العديد من الشركات لم تتمكن من العمل بكامل طاقتها، مما زاد من تفاقم الأوضاع الاقتصادية في البلاد. كما أوضح عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، أن هناك عدة أسباب أخرى وراء انهيار عملة إثيوبيا، أبرزها  تراكم الديون الخارجية الضخمة على البلاد، مما زاد الضغوط القائمة على احتياطاتها من العملة الأجنبية، وصعّب سداد الديون بعملات أخرى.

    وقد أوضح الدكتور عمرو سلامة الخبير الاقتصادي أنّ تراكم الدين الخارجي يمثل تحديًا كبيرًا لإثيوبيا، فقد شهدت البلاد ارتفاعًا كبيرًا في حجم الديون، نتيجة الاقتراض لتمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية، وهذا الدين يشكل عبئاً على الاقتصاد الإثيوبي، فهو يتطلب تخصيص موارد كبيرة لسداد الفوائد والأقساط، مما يقلل من قدرة الحكومة على تمويل مشاريع تنموية جديدة.

    معدلات تضخم مرتفعة

    عانت إثيوبيا من مستويات مرتفعة جداً من التضخم في السنوات الأخيرة، حيث سجل التضخم ارتفاعات قوية على مدار الأعوام الثلاثة الماضية، ويرجع ذلك إلى عدد من العوامل؛ منها أزمة كوفيد-19، والحرب في أوكرانيا، والجفاف الشديد، والصراع المستمر في إقليم تيغراي، الأمر الذي تسبب في بسبب نقص السلع الأساسية وارتفاع أسعارها، وهذا أدى بدوره إلى تدهور القدرة الشرائية للمواطنين.

    الصراعات الداخلية

    تسببت الصراعات الداخلية التي شهدتها إثيوبيا، خاصة في إقليم تيغراي، في زعزعة الاستقرار السياسي، وتراجع ثقة المستثمرين الأجانب، مما زاد نزوح رؤوس الأموال وهروب الاستثمارات. كما انخفضت الصادرات نتيجة الصراعات، حيث تراجعت معدلات الإنتاج الزراعي والصناعي، مما أثر سلبًا على قطاع الصادرات، والذي كان يشكل مصدرًا رئيسيًا للحصول على العملة الأجنبية.

    فرض قيود على النقد الأجنبي

    تسبب فرض قيود على النقد الأجنبي في تفاقم الأزمة، بعدما فرضت الحكومة الإثيوبية قيودًا على تداول النقد الأجنبي، ما زاد من الطلب على الدولار الأمريكي، وخلق سوقًا سوداء للعملات.

    التوترات الإقليمية

    التوترات الإقليمية مع دول الجوار، خصوصاً مصر والسودان بسبب قضية سد النهضة، قد تؤثر على استقرار الاقتصاد الإثيوبي، فأي نزاعات محتملة حول الموارد المائية قد تؤدي إلى توترات اقتصادية وجيوسياسية تعيق التنمية.

    عوامل بيئية وديموغرافية

    سلط الدكتور عمرو سلامة، الخبير الاقتصادي، الضوء على أهم المشكلات التي يعاني الاقتصاد الإثيوبي، والتي تؤثر على استقراره ونموه المستدام، وقال إن أزمة الجفاف والتغير المناخي من أكبر المشكلات التي تواجه البلاد؛ حيث تعتمد إثيوبيا بشكل كبير على الزراعة التي تسهم بحوالي 34% من الناتج المحلي الإجمالي، وتوظف أكثر من 70% من القوى العاملة. ومع ذلك، يواجه القطاع الزراعي في إثيوبيا تحديات كبيرة نتيجة تغير المناخ، وخصوصاً الجفاف المتكرر، الأمر الذي يؤثر سلباً على المحاصيل الزراعية، ويؤدي إلى انخفاض الإنتاج الزراعي وتزايد حالات انعدام الأمن الغذائي.

    وأضاف الخبير، كما تشهد إثيوبيا صراعات داخلية بين مختلف الجماعات العرقية، وتحديداً في مناطق تيغراي وبني شنقول-غوموز وأوروميا، وهذه الصراعات تتسبب في اضطرابات سياسية واجتماعية تؤدي إلى نزوح السكان وتضر بالنشاط الاقتصادي والاستثمارات، كما أن الحرب في تيغراي، التي اندلعت في 2020، أضرت بالاقتصاد ورفعت معدلات الفقر في تلك المناطق.

    ولفت سلامة إلى ارتفاع معدلات النمو السكاني، فمع عدد سكان يزيد على 120 مليون نسمة، تواجه إثيوبيا ضغطًا كبيرًا لتوفير فرص العمل والخدمات الأساسية؛ حيث إنّ النمو السكاني السريع يزيد من الطلب على الموارد ويضغط على البنية التحتية والخدمات العامة مثل التعليم والصحة والمياه.

    وتابع الخبير، على الرغم من الجهود المبذولة لتحسين البنية التحتية، مثل الطرق والسكك الحديدية والسدود (كسد النهضة)، لا تزال إثيوبيا تواجه نقصاً في البنية التحتية الأساسية، الأمر الذي يعيق التنمية الاقتصادية، ويحد من قدرة البلاد على جذب الاستثمارات الأجنبية التي تحتاج إلى بنية تحتية متطورة.

    تأثير انهيار العملة على الاقتصاد

    وفقًا للدكتور سيد قاسم، عضو الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع، انعكس انهيار العملة الإثيوبية بشكل مباشر على مختلف جوانب الاقتصاد الوطني، وكان من أبرز تأثيراته ما يأتي:

    • زيادة معدلات الفقر وتراجع مستوى المعيشة: ارتفعت أسعار السلع المستوردة بشكل كبير نتيجة لانخفاض قيمة البير، مما أثر على القدرة الشرائية للمواطنين، حتى أنّ السلع الأساسية مثل الغذاء والوقود باتت بعيدة المنال بالنسبة للعديد من الأسر الإثيوبية، وقد دفع هذا التضخم الحاد الكثير من الإثيوبيين لمواجهة صعوبات معيشية كبيرة.
    • تفاقم أزمة البطالة: وذلك بسبب انخفاض الاستثمارات وهروب رؤوس الأموال الأجنبية الذي أدى إلى إغلاق العديد من الشركات والمؤسسات، مما تسبب في فقدان الكثيرين لوظائفهم، وزيادة معدلات البطالة في البلاد.
    • ضغوط  هائلة على الحكومة: تعرضت الحكومة الإثيوبية إلى ضغوط هائلة لاحتواء الأزمة الاقتصادية، وقد لجأت إلى البنك المركزي لتعديل أسعار الفائدة، وإصدار سياسات نقدية جديدة لمحاولة دعم العملة، لكن ذلك لم يحقق الاستقرار المطلوب حتى الآن.
    • أضرار على قطاع الزراعة: تعتمد إثيوبيا بشكل كبير على القطاع الزراعي، وقد أدى انهيار العملة إلى ارتفاع تكلفة المستلزمات الزراعية المستوردة مثل الأسمدة والآلات، مما أثر في الإنتاج الزراعي وزاد من صعوبة تحقيق الاكتفاء الغذائي في البلاد.
    • تدهور العلاقات التجارية: وكان ذلك نتيجة تراجع صادرات إثيوبيا بسبب ضعف العملة وصعوبة الحصول على العملة الصعبة، مما أثر سلبًا على التبادل التجاري مع الدول الأخرى. كذلك، عانى المستثمرون الأجانب من صعوبة تحويل أرباحهم بالعملات الأجنبية، ما أدى إلى انخفاض ثقتهم في السوق الإثيوبي.

    محاولات الحكومة للإصلاح

    في محاولة منها للسيطرة على الأزمة، اتخذت الحكومة الإثيوبية عدة إجراءات، منها:

    • تحرير أسعار الصرف: توجهت الحكومة نحو تحرير سعر صرف البير ليكون أكثر توافقًا مع السوق السوداء، في محاولة للقضاء على الفجوة الكبيرة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي.
    • دعم الصادرات: ركزت الحكومة على تعزيز الصادرات من خلال تقديم تسهيلات للمصدرين، في محاولة لجلب المزيد من العملة الأجنبية إلى البلاد.
    • زيادة الاحتياطات الأجنبية: لجأت إثيوبيا إلى المنظمات الدولية والدول الصديقة لمحاولة الحصول على قروض ودعم مالي يساهم في رفع الاحتياطي النقدي الأجنبي.

    إنّ التحديات الاقتصادية التي تواجهها إثيوبيا تحتاج إلى حلول شاملة ومستدامة، وأن تجاوز هذه المشكلات يتطلب جهوداً حكومية مستمرة، وتعاوناً إقليمياً ودولياً، واستراتيجيات تنموية طويلة المدى.

    اقرأ أيضًا: الدول الخليجية تنافس بقوة في إفريقيا