تواجه أنقرة أزمة اقتصادية متفاقمة بعد انهيار الليرة التركية، وتراجعها بقيمة 14% في يوم واحد، في أعقاب اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، مما أثار مخاوف واسعة حول استقرار الاقتصاد التركي، حيث لم يكُن هذا الانخفاض مجرَّد تقلب عابر، بل نتج عن مجموعة من العوامل الاقتصادية والسياسية التي أدَّت إلى تفاقم الأزمة، بدءًا من التضخم المرتفع والسياسات النقدية غير المستقرة، وصولًا إلى تراجع ثقة المستثمرين وارتفاع العجز التجاري.
من جهتها، أكَّدت الدكتورة مروى خضر، الخبيرة الاقتصادية، أنَّ الاضطرابات السياسية والتدخلات الحكومية المتكررة في السياسة الاقتصادية أثرت سلبًا على ثقة المستثمرين الأجانب، وأنَّ قرارات مثل إقالة رؤساء البنك المركزي وتدخل الدولة في تحديد أسعار الفائدة أدَّت إلى تخوف المستثمرين وهروب رؤوس الأموال من السوق التركي.
وأشارت إلى أنَّ الليرة التركية شهدت تراجعًا حادًا أمام الدولار، مما استدعى تدخل البنوك التركية للحد من الخسائر، ودفع السلطات إلى تعليق التداول مؤقتًا في البورصة التركية، وسط تراجع حاد في سوق الأسهم.
ما الذي أدى إلى انهيار الليرة التركية؟
أوضحت الخبيرة الاقتصادية أنَّ هذه الأزمة جاءت عقب اعتقال السلطات التركية لعمدة إسطنبول المعارض أكرم إمام أوغلو، وهو ما أدى إلى مخاوف واسعة لدى المستثمرين من تصاعد التوترات السياسية وتأثيرها على الاقتصاد. وأضافت: “المستثمرون يتخوفون من التدخلات السياسية التي قد تؤدي إلى فرض إجراءات صارمة على الأصول المالية، مما يدفعهم إلى التخارج من السوق التركية”.
وأشارت إلى أنَّ البنك المركزي التركي سارع لاتخاذ إجراءات لوقف نزيف الليرة، حيث عقد اجتماعًا طارئًا وقرر رفع سعر الفائدة 45%، وذلك بهدف جذب المستثمرين للإبقاء على أموالهم بالليرة التركية بدلًا من اللجوء إلى الدولار، وهو ما ساهم في استعادة العملة بعضًا من خسائرها.
وأضافت: “رفع سعر الفائدة بهذا الشكل الحاد قد يكون له تأثيرات سلبية على الاقتصاد، خاصة أنه يزيد من تكلفة الاقتراض ويضغط على معدلات النمو، لكنه في الوقت نفسه إجراء ضروري لمحاولة السيطرة على الانخفاض السريع للعملة.”
تأثير الأزمة على الاقتصاد والاستثمارات الأجنبية
حذَّرت الدكتورة مروى خضر من أنَّ انهيار الليرة التركية بهذا الشكل قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع والخدمات داخل تركيا، مما يزيد من معدلات التضخم ويؤثر على القوة الشرائية للمواطنين. كما أكَّدت أن الاقتصاد التركي يتمتع بقدرة تصديرية كبيرة، لكن التحديات السياسية والاقتصادية قد تلقي بظلالها على الاستثمارات.
ومن ناحية أخرى، التراجع الحاد في قيمة الليرة التركية يشكل تحديًا اقتصاديًا واسع النطاق، حيث يؤثر بشكل مباشر على معدلات التضخم، وتكلفة المعيشة، والاستثمارات الأجنبية، والسياسات النقدية. ومع استمرار فقدان العملة لقيمتها، تتفاقم الأعباء الاقتصادية على الأفراد والشركات، مما يؤدي إلى اضطراب الأسواق وتعميق حالة عدم اليقين الاقتصادي.
كما يؤدي ضعف الليرة إلى ارتفاع كبير في أسعار السلع والخدمات، خاصة المستوردة، مما ينعكس بشكل مباشر على التضخم، حيث يجد المواطنون صعوبة متزايدة في تأمين احتياجاتهم الأساسية مثل الغذاء والوقود مع تراجع القوة الشرائية، بينما تواجه الشركات تحديات في ضبط الأسعار، الأمر الذي يفاقم الأوضاع الاقتصادية.
ومن الجدير بالذكر أنّ تراجع قيمة الليرة يُقلل من جاذبية السوق التركية أمام المستثمرين الأجانب، حيث يؤثر عدم الاستقرار الاقتصادي والتدخلات السياسية على ثقة المستثمرين، مما يدفع بعضهم إلى سحب رؤوس أموالهم، وهذا بدوره يضعف تدفقات الاستثمار الأجنبي ويزيد من الضغوط على الاقتصاد المحلي.
اقرأ أيضًا: تركيا تضع خطة إعادة إعمار سوريا عبر الطاقة
كيف يحاول البنك المركزي التركي إنقاذ الليرة؟
في محاولة لاحتواء التراجع المستمر، يلجأ البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة كما حدث مؤخرًا بوصولها إلى 45%، إلا أن هذه الخطوة تؤدي إلى ارتفاع تكلفة الاقتراض، مما يضغط على الشركات والمستهلكين ويحد من النمو الاقتصادي، وعلى المدى الطويل يمكن أن تؤدي هذه السياسات إلى تباطؤ اقتصادي حاد وارتفاع معدلات البطالة.
من ناحية أخرى، يؤدي انخفاض قيمة الليرة إلى ارتفاع تكلفة خدمة الديون الخارجية، مما يزيد من أعباء الحكومة ويؤثر على العجز المالي، حيث تصبح تكاليف الواردات والالتزامات المالية أكثر صعوبة في السداد. كما يتأثر السوق المالي بشكل مباشر، حيث يؤدي ضعف الليرة إلى تراجع قيمة الأسهم في البورصة، مما يؤثر على المستثمرين المحليين والدوليين، وفي بعض الحالات قد يتسبب هذا في تعليق التداولات عند تسجيل خسائر ضخمة، مما يعكس حالة من عدم الاستقرار المالي.
وفي نهاية حديثها قالت خضر: “في المجمل، لا يمكن اعتبار انهيار الليرة مجرد أزمة نقدية، بل هو تحدٍّ اقتصادي شامل يطال جميع جوانب الاقتصاد التركي، من التضخم إلى الاستثمار والاستقرار المالي، والحكومة تحتاج إلى اتخاذ إجراءات عاجلة وفعالة لاستعادة الثقة في الاقتصاد، وإلا فإن المخاطر ستظل تتزايد، مما قد يؤدي إلى ركود اقتصادي طويل الأمد”.
تأثير تراجع الليرة على الأسواق والمستثمرين
من جهتها صرّحت الخبيرة الاقتصادية ندى حسن بأنَّ الأسواق المالية التركية شهدت اضطرابات غير مسبوقة عقب اعتقال رئيس بلدية إسطنبول، أكرم إمام أوغلو، مؤكدةً أن هذا الحدث أدى إلى ضربة قوية لثقة المستثمرين، مما انعكس سلبًا على أداء الليرة التركية وسوق الأسهم.
وأضافت ندى حسن أن الليرة التركية تراجعت بشكل حاد فور الإعلان عن الاعتقال، حيث ووصلت إلى مستوى 41 ليرة لكل دولار أمريكي، وهو أدنى مستوى سجلته خلال اليوم. وأوضحت أن هذا الانخفاض دفع البنوك التركية إلى التدخل ببيع أكثر من 8 مليارات دولار في محاولة لوقف التدهور، إلا أن هذا لم يكن كافيًا لتهدئة الأسواق، مما زاد من المخاوف بشأن استقرار الاقتصاد التركي على المدى القريب.
وأشارت إلى أنَّ تأثير الاعتقال لم يقتصر على العملة فقط، بل امتد إلى البورصة التركية التي شهدت انخفاضًا حادًا، حيث تم تعليق التداول مرتين خلال اليوم بسبب الخسائر الضخمة، قبل أن تغلق جلسة التداول على تراجع بنسبة 8.7%. كما ارتفع العائد على السندات الحكومية التركية لأجل 10 سنوات إلى 30.29%، وهو ما يعكس قلق المستثمرين من الوضع السياسي والاقتصادي المتوتر في البلاد.
كيف يمكن لأنقرة استعادة الثقة في الاقتصاد؟
أكَّدت حسن أنَّ الأسواق الناشئة، مثل تركيا، تعتمد بشكل أساسي على استقرار البيئة السياسية لجذب الاستثمارات، وأن أي اضطراب سياسي بهذا الحجم يؤدي إلى رد فعل قوي من المستثمرين، خاصة في ظل الأوضاع الاقتصادية العالمية غير المستقرة. وأضافت أنَّ البنك المركزي التركي تدخل لاحقًا لدعم الليرة، مما ساهم في تقليص خسائرها إلى 3% بدلًا من 11%، لكنه لا يزال يواجه تحديًا كبيرًا في استعادة الثقة طويلة الأجل في الاقتصاد.
كما أوضحت أنَّ استمرار التدخلات الحكومية لدعم الليرة يثير قلق المستثمرين بشأن استدامة الاحتياطيات النقدية، خاصة مع وجود سابقة لتدخلات مماثلة في السنوات الأخيرة. وأشارت إلى أن السؤال الأبرز الذي يطرحه المستثمرون حاليًا هو: “إلى متى يمكن للحكومة التركية الاستمرار في هذه السياسة دون أن تؤثر على استقرار الاقتصاد الكلي؟”.
وفي ختام تصريحاتها، شددت ندى حسن على أن الأزمة الحالية ليست مجرد أزمة اقتصادية، بل أزمة ثقة، مشيرة إلى أن الحل الوحيد لاستعادة الاستقرار يكمن في فصل السياسة عن الاقتصاد، وتعزيز استقلالية المؤسسات المالية، وإعادة بناء الثقة بين المستثمرين والحكومة.
قد يهمك أيضًا: التنسيق والتنافس بين تركيا وإسرائيل على الثروات والمياه في سوريا
