شهدت أسواق المعادن النفيسة موجة هبوط عنيفة توصف بأنها الأقسى منذ عقود، حيث اتجهت عقود الذهب الآجلة لتسجيل أسوأ أداء يومي لها منذ أوائل ثمانينيات القرن الماضي، بالتوازي مع خسائر تاريخية غير مسبوقة للفضة، ما مثّل انعكاسًا حادًا لمسار صعود قوي سيطر على السوق منذ بداية العام.
في هذا السياق، قال أسامة زرعي، خبير أسواق الذهب، إن سوق الذهب شهد خلال الساعات الأخيرة هبوطًا حادًا وغير مسبوق في قوته الزخمية، واصفًا ما جرى بأنه أحد أقوى التحركات الهابطة التي يسجلها المعدن النفيس منذ فترة طويلة، وهو ما استدعى إعادة تقييم المشهد الفني بالكامل، خاصة على الأطر الزمنية المتوسطة والطويلة.
وأوضح زرعي أن هذا الهبوط لم يكن مفاجئًا بالنسبة للمتابعين للتحليل الموجي والسلوك السعري، مشيرًا إلى أنه كان قد حذّر في وقت سابق من الدخول في صفقات شراء طويلة الأجل للذهب، مؤكدًا أن الأسعار كانت تتحرك في مناطق قمم تاريخية مرتفعة لا تسمح ببناء مراكز آمنة دون حدوث تصحيح واضح.
وأضاف أن قراءته لحركة الذهب على الإطار الزمني الشهري أظهرت بوضوح أن السوق كان بحاجة إما إلى تصحيح عميق يعادل موجة صعود سابقة أو إلى تصحيح مماثل لموجة فرعية أخرى، قبل الحديث عن أي استئناف محتمل للاتجاه الصاعد، موضحًا أن أي فرص تداول في تلك المرحلة كانت تتركز بشكل أساسي على جانب البيع وليس الشراء.
انهيار الذهب والفضة.. حركة تصحيحية مؤقتة
أشار زرعي إلى أن التحرك الذي شهده الذهب في بداية الجلسة الأخيرة بدأ بمرحلة تهيئة سعرية واضحة، أعقبها هبوط قوي، ثم ارتداد تصحيحي، تم استغلاله كنقطة بيع، لافتًا إلى أن هذا الارتداد لم يكن سوى حركة تصحيحية مؤقتة داخل اتجاه هابط أكبر، وهو ما أكدته سرعة استكمال الهبوط لاحقًا.
وبيّن خبير أسواق الذهب أنه قام بإدارة الصفقة تدريجيًا، حيث تم الخروج بجزء من المراكز عند تحقيق أهداف مرحلية، مع تحريك وقف الخسارة إلى نقطة التعادل، تحسبًا لأي انعكاس مفاجئ، مؤكدًا أن إدارة المخاطر كانت العامل الحاسم في التعامل مع هذا الهبوط العنيف.
وحول السيناريوهات المقبلة، شدد زرعي على أن السؤال المطروح حاليًا ليس ما إذا كان الذهب قد هبط بالفعل، بل كيف سيتصرف السعر بعد هذا الهبوط، موضحًا أن هناك احتمالين رئيسيين: الأول أن يدخل الذهب في تصحيح عرضي أو متعرج قد يستمر لأسابيع أو حتى أشهر، والثاني أن يشهد ارتدادات متكررة داخل نموذج تصحيحي كبير قبل استئناف الاتجاه الصاعد لاحقًا.
متى يعود التوازن إلى الأسواق؟
أكد أن الهبوط الحالي رغم قوته، لا يعني بالضرورة انهيارًا شاملًا للذهب، موضحًا أن مؤشرات الزخم لا تزال تشير إلى وجود قوة شرائية كامنة، وأن الانخفاض الحالي يصنّف فنيًا ضمن إطار التصحيح وليس الانهيار، ما لم تظهر إشارات معاكسة تتمثل في تصحيحات ضعيفة يعقبها تسارع هابط بزخم أعلى.
وأضاف زرعي أن الانهيار الحقيقي يتطلب نمطًا مختلفًا من السلوك السعري، يتمثل في تصحيحات قصيرة يعقبها تسارع هابط متزايد في الزخم، وهو ما لم يظهر حتى الآن، مشيرًا إلى أن السوق لا يزال يتحرك ضمن نطاق يسمح بإعادة التوازن قبل اتخاذ اتجاه حاسم.
وأوضح أن الذهب قد يشهد خلال الفترة المقبلة موجات صعود وهبوط متبادلة داخل النطاق التصحيحي، وهي تحركات يمكن للمتداول المحترف استغلالها، شريطة الالتزام الصارم بإدارة رأس المال وعدم الانجراف خلف العاطفة أو التوقعات غير المدعومة فنيًا.
وأضاف أن الهبوط الأخير تميز بقوة وسرعة غير معتادتين، وهو ما يعزز فرضية الدخول في مرحلة تصحيح كبيرة على الإطارين اليومي والشهري، معتبرًا أن هذه المرحلة قد تمثل في المستقبل فرصة استراتيجية لإعادة بناء مراكز شرائية، لكن فقط بعد اكتمال النموذج التصحيحي وظهور إشارات فنية واضحة.
وختم أسامة زرعي تصريحاته بالتأكيد على أن المرحلة الحالية تتطلب أقصى درجات الحذر والانضباط، موضحًا أن الأسواق لا تتحرك بالعاطفة بل بالزخم والسيولة، وأن فهم البنية الموجية للسعر هو السبيل الوحيد للتعامل مع تحركات الذهب المعقدة، سواء في فترات الصعود أو أثناء التصحيحات العنيفة.
اقرأ أيضًا: أداء الذهب والفضة 2025.. عام الاستثناء وتحطيم الأرقام القياسية
كيف تتحرك أسواق المعادن النفيسة؟
من جانبها قالت ندى حسن، خبيرة أسواق المال، إن أسواق المعادن الثمينة تشهد حاليًا واحدة من أعنف موجات التراجع في تاريخها الحديث، مشيرة إلى أن ما يحدث في أسعار الذهب والفضة خلال الأيام الأخيرة يعد انهيارًا سعريًا نادر التكرار لم تشهده الأسواق سوى مرات محدودة على مدار أكثر من قرن.
وأوضحت ندى حسن أن الفضة تعرضت لهبوط حاد بلغت نسبته نحو 26% خلال جلسة واحدة، بعدما كانت الخسائر قد وصلت في بعض اللحظات إلى قرابة 30% قبل أن تقلص جزءًا منها، وهو ما يعكس حجم الضغوط البيعية العنيفة التي تضرب السوق في الوقت الراهن.
وأضافت أن الذهب بدوره لم يكن بمنأى عن هذه الموجة، إذ فقد في يوم واحد ما يزيد على نصف المكاسب التي حققها خلال شهر كامل، لتتراجع مكاسبه منذ بداية العام إلى حدود 13% فقط، مؤكدة أن هذه التحركات الحادة تعكس مستويات غير مسبوقة من التذبذب في سوق المعادن النفيسة.
وأكدت خبيرة أسواق المال أن ما تشهده الأسواق حاليًا يشير إلى اندفاع جماعي حاد إما نحو البيع أو الشراء، دون مراحل تهدئة طبيعية، وهو ما يعتبر سلوكًا خطيرًا يعكس حالة توتر وعدم يقين لدى المستثمرين، خاصة في ظل التحولات المفاجئة في شهية المخاطرة عالميًا.
طفرات تاريخية نادرة لا تتكرر إلا كل عقود
أشارت ندى حسن إلى أن فهم هذه التراجعات العنيفة يتطلب النظر إلى الطفرات التاريخية الكبرى التي سبقتها، موضحة أن الارتفاع الأخير في أسعار الذهب يعد من أندر الدورات السعرية في تاريخ المعدن النفيس، حيث لم تتكرر مثل هذه الطفرات سوى مرتين فقط خلال آخر 150 عامًا.
وأضافت أن الذهب حقق خلال فترة لا تتجاوز 12 شهرًا ارتفاعًا يقارب 80%، قبل أن تتراجع الأسعار بقوة، لافتة إلى أن المعدن الأصفر صعد من مستويات تراوحت بين 1,600 و1,700 دولار للأونصة إلى مستويات قاربت 5,600 دولار، وهو ما يعني تضاعف الأسعار ثلاث إلى أربع مرات خلال دورة قصيرة نسبيًا.
وأكدت أن هذا النمط من الارتفاعات السريعة لا يحدث كثيرًا في تاريخ الأسواق، وغالبًا ما يكون مصحوبًا لاحقًا بتصحيحات حادة وقاسية، كما يحدث حاليًا.
مقارنة مع السبعينيات والأزمة المالية العالمية
أوضحت خبيرة أسواق المال أن أقرب مقارنة تاريخية لما يحدث الآن تعود إلى طفرة سبعينيات القرن الماضي، عقب إلغاء اتفاقية بريتون وودز عام 1973، حين قفز الذهب من نحو 35 دولارًا للأونصة إلى قرابة 850 دولارًا في يناير 1980، أي بزيادة تجاوزت 20 ضعفًا، قبل أن تدخل الأسعار بعدها في موجة هبوط عنيفة.
وأضافت أن الطفرة الثانية الكبرى جاءت بعد الأزمة المالية العالمية في 2008–2009، عندما اندفع المستثمرون نحو الذهب والفضة بشكل مكثف كملاذات آمنة، ما أدى إلى صعود حاد أعقبه لاحقًا تصحيح قاسٍ، مؤكدة أن الطفرة الحالية تعتبر ثالث هذه الدورات النادرة.
وفي هذا السياق، شدَّدت خبيرة أسواق المال على أن الطفرة الحالية –رغم أنها أقل من طفرة السبعينيات من حيث النسب المئوية– فإنها تظل واحدة من أعنف الدورات السعرية في تاريخ المعادن النفيسة من حيث سرعة الصعود وعمق الهبوط.
الفضة أكثر عنفًا من الذهب
وأشارت الدكتورة ندى حسن إلى أن الفضة تاريخيًا أكثر تطرفًا من الذهب، سواء في الصعود أو الهبوط، موضحة أنه خلال الستين إلى السبعين عامًا الماضية لم تتجاوز أسعار الفضة مستوى 30 دولارًا للأونصة سوى في ثلاث مناسبات فقط.
وأضافت أن أبرز هذه الطفرات كانت في أواخر السبعينيات، ثم خلال 2010–2011 عندما دفعت المضاربات المكثفة الأسعار إلى حدود 50 دولارًا للأونصة، قبل أن تتعرض الفضة لهبوط حاد استمر أثره لفترة طويلة، مؤكدة أن كل صعود حاد في الفضة يعقبه عادة انهيار بنفس القوة أو أشد.
واختتمت ندى حسن تصريحاتها بالتأكيد على أن أسواق الذهب والفضة تمر الآن بمرحلة إعادة توازن قاسية بعد صعود تاريخي استثنائي، مشيرة إلى أن الفترة المقبلة ستظل محفوفة بالتقلبات العالية، ما يتطلب حذرًا شديدًا من المستثمرين وفهمًا عميقًا لدورات السوق بدلًا من الانسياق وراء التحركات اللحظية.
قد يهمّك أيضًا: لماذا يمثل بنك الذهب الإفريقي في مصر تحولًا استراتيجيًا في السوق العالمي؟
