جرى التوصل في تونس إلى اتفاق يتيح استئناف تزويد المخابز غير المدعومة بالدقيق، في خطوة تُعدّ بداية انفراج لأزمة نقص الخبز التي تفاقمت خلال الأسبوعين الماضيين. علمًا أنّ المخابز في البلاد تنقسم إلى صنفين: الأول يضم 3737 مخبزًا يحصل على الدقيق المدعوم الذي توفره الدولة، بينما يشمل الثاني ما يُعرف بـ”المخابز العصرية” التي كانت حتى مطلع أغسطس تتلقى الطحين المدعوم بسعر يعادل ثلاثة أضعاف قيمته الأصلية.
خلفيات وقف تزويد المخابز العصرية بالطحين المدعوم
بعد صدور مرسوم حكومي في بداية الشهر يحرم “المخابز العصرية” من الطحين المدعوم بدعوى بيعها الخبز بأسعار مرتفعة، توقّف حصولها على الطحين والسميد اللذين تحتكر الدولة توريدهما، ما أدى إلى احتجاجات في 7 أغسطس 2023، بحسب وكالة “فرانس برس”.
وأكد سالم البدري، عضو “المجمع المهني للمخابز العصرية”، أن 90% من المخابز المنضوية تحت المجمع -والبالغ عددها 1443 مخبزًا وتشغّل نحو 20 ألف عام- اضطرت إلى الإغلاق، وهو ما تسبب في طوابير أطول أمام المخابز التي تبيع الخبز المدعوم.
وفي بيان لها، أعلنت وزارة التجارة أن تزويد محال صنع الخبز غير المصنّفة بمادتي الطحين والسميد سيُستأنف بدءًا من 19 أغسطس 2023، وذلك بعد تعهد الجهات المهنية بالالتزام بالضوابط القانونية المنظمة لصنع وبيع الخبز.
كما شددت الوزارة على أنها تعتزم تنفيذ إصلاح شامل لمنظومة إنتاج الخبز وتوزيعه، في ظل استمرار بيع المخابز العصرية لأنواع متعددة من الخبز والمعجنات إلى جانب الخبز المدعوم.
مواقف المهنيين واستئناف الحوار مع السلطات
أوضح سالم البدري أنه عقب إعلان وزارة التجارة استئناف تزويد المخابز غير المصنّفة بالطحين والسميد، تم إلغاء اعتصام كان مقرراً الاثنين أمام مقر الوزارة في العاصمة تونس. وأشار إلى أن المباحثات مع السلطات ستُستأنف بدءاً من الاثنين بهدف السماح للمخابز العصرية بالعودة لإنتاج الخبز المدعوم، ولكن “وفق المعايير التي حدّدها الرئيس قيس سعيّد“.
وكان سعيّد قد دعا في نهاية يوليو إلى توحيد منظومة الخبز قائلاً بضرورة وجود “خبز واحد للتونسيين”، منتقداً الفصل بين ما وصفه بـ”خبز للأثرياء” وآخر “للفقراء”.
ويمثل ملف الخبز قضية شديدة الحساسية في تونس، التي شهدت أعمال شغب دامية خلال عامي 1983 و1984، عُرفت بـ”انتفاضة الخبز” وأسفرت عن نحو 150 قتيلاً.
شبهات الاحتكار والإقالات الحكومية الأخيرة
وفي الأسبوع الماضي، أعلن الرئيس التونسي إقالة المدير العام لـ”الديوان الوطني للحبوب”، بالتزامن مع توقيف الشرطة رئيس “الغرفة الوطنية لأصحاب المخابز” المدعّمة، وذلك على خلفية شبهات تتعلق بالاحتكار والمضاربة في المواد الغذائية.
ويرجّح عدد من الاقتصاديين أن جذور أزمة الخبز الراهنة تعود أساساً إلى نقص الحبوب، وبالتالي نقص الدقيق؛ إذ تواجه تونس -المثقلة بالديون وتعاني من شحّ في السيولة– صعوبات في شراء الكميات الكافية من القمح في الأسواق الدولية، وزادت حدّة الأزمة مع الجفاف غير المسبوق خلال الربيع الذي التهم جزءاً كبيراً من محصول القمح المحلي.
وبينما يشكّل الاتفاق الأخير خطوة نحو تخفيف حدّة الأزمة، يبقى نجاح الحلول مرهونًا بقدرة الحكومة على تنفيذ إصلاح شامل يوازن بين حاجات المستهلكين ومصالح المهنيين، ويحافظ في الوقت نفسه على استقرار الأمن الغذائي في مرحلة اقتصادية دقيقة تمر بها البلاد.
اقرأ أيضًا: اقتصاد تونس.. نمو معتدل رغم التحديات الكبيرة
