تقارير اقتصادية

    الناجون والمهددون.. من أبرم اتفاقًا مع أمريكا قبل مهلة ترامب ومن ينتظر؟

    •آخر تحديث •7 دقائق
    الناجون والمهددون.. من أبرم اتفاقًا مع أمريكا قبل مهلة ترامب ومن ينتظر؟

    في سباق محموم يسبق الموعد النهائي، تسارعت الخطوات الدولية لمحاولة احتواء تداعيات القرار الأمريكي المرتقب بإعادة تفعيل الرسوم الجمركية التي كان الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قد علّقها مؤقتا تحت مسمى “الرسوم المتبادلة”.

    ومع اقتراب يوم الجمعة -الموعد النهائي لتعليق هذه الإجراءات- يجد العالم نفسه على أعتاب حقبة تجارية جديدة، عنوانها الأبرز، الضغط بالرسوم، والتفاوض تحت التهديد، وإعادة هندسة العلاقات التجارية بما يخدم المقاربة الأمريكية الأكثر صرامة منذ عقود.

    ثمانية اتفاقيات في 120 يومًا

    المشهد التجاري العالمي اليوم لا يشبه البدايات، فبينما يواصل الرئيس ترامب الترويج لإنجازاته متحدثًا عن “200 اتفاق تجاري”، ويصرّح مستشاروه بإمكانية إبرام “90 اتفاقًا خلال 90 يومًا”، تكشف الأرقام عن واقع مختلف تمامًا؛ فبعد مرور 120 يومًا، لم تُوقع سوى ثمانية اتفاقات فقط.

    هذا التباطؤ في التقدم يُثير قلقًا متزايدًا بشأن عودة حالة من الفوضى الجمركية، وتراجع حركة التجارة العالمية، إلى جانب تآكل الثقة بين الشركاء والحلفاء التجاريين، وفقًا لما أوردته شبكة CNBC. وفي ظل غياب اتفاقات نهائية مع قوى كبرى مثل الصين والهند وكندا، يدخل النظام التجاري الدولي مرحلة اختبار حقيقية.

    بريطانيا أول من وقّع

    كانت المملكة المتحدة سبّاقة في التحرك نحو واشنطن، مدفوعةً بحاجة ملحّة إلى تثبيت موقعها الاقتصادي عالميًا بعد “بريكست”، وقد نجحت في توقيع اتفاق شامل في مايو الماضي، تضمَّن رسومًا جمركية بنسبة 10% على الصادرات البريطانية، إلى جانب حصص وإعفاءات لبعض القطاعات الحساسة مثل السيارات والطائرات.

    لكن رغم لقاء ترامب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر مؤخرًا في اسكتلندا، فإنَّ المفاوضات ما تزال متعثرة حول بعض الملفات، أبرزها ضريبة الخدمات الرقمية التي تفرضها بريطانيا على شركات التكنولوجيا الأمريكية، والرسوم العقابية على الصلب والألومنيوم، وفي حال لم تُحلّ هذه القضايا سريعًا، فإنَّ الاتفاق البريطاني الأمريكي قد يتحول إلى أداة ضغط متبادل، لا إلى بوابة استقرار تجاري.

    اقرأ تفاصيل الاتفاق بين أمريكا وبريطانيا.. البنود وردود الفعل

    فيتنام تفاجأ باتفاق غير متكافئ

    حصلت فيتنام، في الثاني من يوليو، على اتفاق خفّض الرسوم من 46 إلى 20%، في خطوة وُصفت بأنها إنجاز مرحلي، لكن المفاجأة كانت في نسبة الـ20%، إذ كشفت مصادر فيتنامية أن المفاوضين كانوا يتوقعون خفضًا أكبر ليصل إلى 11% فقط، ما يعكس خللًا في التواصل أو فرضًا أمريكيا لرؤية أحادية.

    الأخطر من ذلك، أنَّ الاتفاق تضمّن فرض رسوم بنسبة 40% على السلع المعاد تصديرها إلى الولايات المتحدة بعد دخولها من دول أخرى عبر فيتنام، وهي آلية تُعرف بالـ”ترانزيت التجاري” وتُستخدم كثيرًا من قبل شركات صينية، وبذلك بدا الاتفاق في ظاهره تسوية مع فيتنام، لكنَّه فعليًا ضربة غير مباشرة إلى بكين.

    إندونيسيا.. الفائز الصامت

    اتخذت إندونيسيا مقاربة هادئة وناجحة، وتوصلت في منتصف يوليو إلى اتفاق خفّض الرسوم إلى 19% بدلًا من 32%، لكن اللافت في الاتفاق الإندونيسي أنَّه شمل إزالة الرسوم على أكثر من 99% من المنتجات الأمريكية، إلى جانب تعهد بإزالة الحواجز غير الجمركية.

    ورغم عدم الضجيج الإعلامي المصاحب، فإن الاتفاق يمنح واشنطن أفضلية تجارية حقيقية في واحدة من أكبر الأسواق الناشئة في آسيا، ما يعزز النفوذ الأمريكي في جنوب شرق آسيا على حساب النفوذ الصيني المتراجع بفعل الحرب التجارية المستمرة.

    الفلبين واليابان.. رمزية الاتفاق أكثر من مكاسبه

    في حالة الفلبين، لم يتعدّ الخفض الجمركي 1% فقط، من 20 إلى 19%، ما جعله خفضًا رمزيًا أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى اختراق فعلي، لكنَّ أهمية الاتفاق تأتي من ربطه بتعاون عسكري مرتقب لم تُعلن تفاصيله بعد، ما يُشير إلى تقاطع السياسة التجارية مع الأبعاد الجيوسياسية في استراتيجية ترامب.

    أما اليابان، فقد حظيت باتفاق وُصف من قبل ترامب بأنه “الأكبر على الإطلاق”، إذ تم تخفيض الرسوم من 25 إلى 15%، مع امتيازات تفضيلية في قطاع السيارات، وادّعى ترامب أن اليابان ستضخ 550 مليار دولار في الاقتصاد الأمريكي، وستعود “90% من الأرباح” إلى الولايات المتحدة.

    ورغم المبالغة في الأرقام، فإن الاتفاق يعكس تطورًا مهمًا في العلاقات الثنائية، خاصة بعد وصف ترامب لليابان سابقًا بأنها “مدللة” في تجارتها مع واشنطن.

    لمزيد من المعلومات حول الاتفاق الأمريكي الياباني وتداعياته اقرأ التقرير الشامل!

    الاتحاد الأوروبي.. اتفاق تحت الضغط

    توصَّل الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق مع الولايات المتحدة في 27 يوليو، نصّ على خفض الرسوم إلى 15% من أصل 30%، وتقليص رسوم السيارات، وإعادة بعض الرسوم لمستويات ما قبل يناير، لكنَّ الاتفاق قوبل بغضب داخل أوروبا، حيث وصفه رئيس الوزراء الفرنسي بأنه “يوم مظلم”، بينما قال مفوض التجارة الأوروبية إنه “أفضل الممكن في وضع صعب”.

    كشفت ردود الفعل الغاضبة أو حتى المتحفّظة أنَّ الاتفاق الأوروبي الأمريكي لم يكن نتيجة تفاهم إستراتيجي بقدر ما كان استجابة للضغوط، كما أنّه يعكس هشاشة الوضع التجاري بين الجانبين رغم عمق الروابط الاقتصادية.

    اقرأ المزيد حول كواليس الاتفاق الأوروبي الأمريكي وأبرز الثغرات فيه

    كوريا الجنوبية.. دعم سياسي واقتصادي تحت الطلب

    بعد ظهر الأربعاء، 30 يوليو، وقّعت كوريا الجنوبية اتفاقًا مماثلًا لذلك الذي وُقّع مع اليابان، شمل خفض الرسوم إلى 15%، مع امتيازات لصناعة السيارات الكورية، لكن اللافت كان إعلان ترامب أن سيؤول ستُخَصِّص 350 مليار دولار للاستثمار في الاقتصاد الأمريكي في مشاريع “يحددها هو شخصيًا”، في إشارة إلى تدخل مباشر في التوجيه الاستثماري.

    ورغم أن الرئيس الكوري أكَّد أنَّ الأموال ستُستخدم لدعم دخول الشركات الكورية إلى قطاعات استراتيجية في أمريكا مثل السفن وأشباه الموصلات، فإن الموقف يُبرز تحوّل العلاقة بين واشنطن وحلفائها إلى نمط أكثر وضوحًا من المصلحة مقابل المصلحة.

    باكستان.. اتفاق في اللحظات الأخيرة

    في وقت متأخر من مساء الأربعاء، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عبر منصته “تروث سوشال” التوصّل إلى اتفاق جديد مع باكستان، قائلاً: “لقد أبرمنا للتو اتفاقًا مع دولة باكستان، وسنعمل معًا على تطوير احتياطياتنا النفطية الضخمة”.

    ورغم الإعلان، ظلّت تفاصيل الاتفاق غير واضحة حتى الآن؛ فقد كانت الولايات المتحدة قد فرضت على باكستان رسومًا جمركية بنسبة تصل إلى 29%، جرى تعليقها مؤقتًا لمدة 90 يومًا، دون أن تُعلن الإدارة الأمريكية عن نسبة التخفيض النهائي أو الشروط المرتبطة به.

    كما لم يتم الكشف عن حجم الاحتياطيات النفطية التي أشار إليها ترامب، والتي يُفترض أن تشكّل جوهر التعاون بين البلدين، واكتفى الرئيس الأمريكي بالإشارة إلى أن اختيار الشركة التي ستتولى تنفيذ هذا المشروع ما زال قيد الدراسة.

    الصين.. التهدئة المؤقتة لا تُخفي عمق الأزمة

    منذ بداية عهد ترامب، كانت العلاقة التجارية مع الصين نقطة التوتر الأساسية في السياسة الاقتصادية الخارجية، فالتهدئة الأخيرة في مايو، والتي خفضت الرسوم إلى 30% على الواردات الصينية و10% على الصادرات الأمريكية، كانت مجرد هدنة مؤقتة، ومع فشل اللقاء الأخير في ستوكهولم في تمديد الاتفاق باتت الأسواق تترقب مواجهة جديدة قد ترفع الرسوم مجددًا إلى مستويات فلكية.

    النهج التفاوضي مع الصين اتسم بعدم الثقة، وتبادل للاتهامات، وتركيز على اختلال الميزان التجاري، ولم تفلح أي جولات في بلورة إطار دائم، ما يعزز الانطباع بأن واشنطن لا تسعى لاتفاق شامل مع بكين، بل لاستخدام الرسوم كأداة دائمة لإدارة العلاقة، وليس تسويتها.

    اقرأ المزيد: تفاصيل الاتفاق التجاري بين أمريكا والصين وتأثيره على الاقتصاد العالمي

    الهند وكندا والمكسيك.. شركاء بدون اتفاقات

    أثار ترامب مفاجأة بإعلانه فرض رسوم جمركية بنسبة 25% على الهند، مرفقة بـ”عقوبة غير محددة” بسبب تقارب نيودلهي مع موسكو في مجالات الطاقة والسلاح، وبرر ترامب قراره بأن الرسوم الهندية على المنتجات الأمريكية تُعد “من الأعلى في العالم”، واصفًا العلاقة بأنها “ودية، لكنها غير متكافئة”.

    أما كندا، فما تزال المفاوضات معها تراوح مكانها، في ظل رسوم مرتفعة تبلغ 35% وتهديدات أمريكية بالتصعيد إذا أقدمت أوتاوا على الرد، وتصف كندا هذه المرحلة بأنها “مكثفة”، لكن لا مؤشرات فعلية على قرب التوصل لاتفاق.

    وفي المكسيك، تبقى الرسوم عند 30%، وسط خطاب أمريكي يربط التجارة بملفات الهجرة والمخدرات، ما يجعل الوضع معقدًا، فالحكومة المكسيكية تطالب بالحوار، لكن واشنطن تمارس ضغوطًا مستمرة بلا بوادر للتهدئة.

    أستراليا.. حليف في وضع استثنائي

    تخضع أستراليا لرسوم منخفضة نسبيًا قدرها 10%، بسبب عجزها التجاري مع الولايات المتحدة، ولا تُجري حاليًا أي محادثات رسمية، لكن جرى تخفيف بعض القيود على استيراد لحوم الأبقار الأمريكية.

    وفي الوقت الذي نسب فيه ترامب ذلك لنجاح دبلوماسي، نفى رئيس الوزراء الأسترالي أن يكون ذلك ضمن اتفاق جديد، مما يعكس تباينًا في رواية الأحداث بين الطرفين.

    ترامب يعيد تعريف مفهوم التجارة الحرة

    مع انقضاء مهلة تعليق الرسوم وغياب اتفاقات مع عدد من الشركاء التجاريين الكبار، تدخل التجارة العالمية مرحلة تتسم بقدر أكبر من الصرامة والغموض، حيث لم تعد الرسوم الجمركية أداة استثنائية تُستخدم ظرفيًا، بل باتت تُوظَّف كأداة دائمة لإدارة المصالح وإعادة رسم موازين القوة.

    والجدير بالذكر أنّ ترامب لا يخفي اعتماده الواضح على التجارة كسلاح يخدم أجندة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية مع الحسابات الجيوسياسية، ويعيد فيه بناء تحالفات أمريكا وفق منطق الربح المباشر.

    وبينما يرى البعض في هذا النهج استعادة لهيبة أمريكا الصناعية، يرى فيه آخرون تهديدًا للبنية التعددية للنظام التجاري العالمي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية، وسواء نجح ترامب في نهجه هذا أو أخفق، فقد بات من الواضح أنّه يغيّر قواعد اللعبة!

    قد يهمّك أيضًا: ترامب في 6 أشهر.. قرارات تربك الأسواق وتعيد تشكيل الاقتصاد الأمريكي