الطاقة المتجددة

    الهيدروجين الأخضر في مصر.. هل تصبح مركز تصدير عالمي؟

    بقلم دانا تيسير••آخر تحديث •6 دقائق
    توربينات وألواح شمسية تولد الكهرباء اللازمة، ثم يتم إجراء فصل كهربائي للماء، وتخزين الهيدروجين في الخزانات، وهذا تمثيل للهيدروجين الأخضر.

    تضع الدولة المصرية مشروعات الهيدروجين الأخضر في صدارة أولوياتها الاستراتيجية، تماشياً مع خطتها القومية للانتقال نحو الطاقة النظيفة ومكافحة التغير المناخي.

    ولا يعد هذا التوجه مجرد تحول بيئي، بل هو إعادة تموضع اقتصادي نجحت مصر من خلاله في جذب تدفقات تمويلية ضخمة؛ إذ تضم البلاد حالياً 24 مشروعاً مخصصاً للهيدروجين، تنقسم إلى 19 مشروعاً لإنتاج الهيدروجين الأخضر، و3 مشروعات لإنتاج الهيدروجين الأزرق.

    وقد بلغت قيمة الاستثمارات المعلنة في هذا القطاع الحيوي نحو 147 مليار دولار، وهو رقم قياسي يضع مصر في المرتبة الأولى إقليمياً والثانية عالمياً من حيث القدرة على جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة في هذا المجال الواعد.

    ريادة إقليمية وتحالفات دولية على أرض القناة

    يوضح الخبير الاقتصادي، الدكتور هشام قنديل، أن مصر تتحرك بخطوات متسارعة لحجز مقعد قيادي في سوق الطاقة النظيفة العالمي؛ حيث يتميز الهيدروجين الأخضر بقدرته الفائقة على خفض الانبعاثات الكربونية في الصناعات الثقيلة كثيفة الانبعاثات مثل صناعة الصلب والأسمنت.

    وتجسد هذا التحرك عملياً في 28 فبراي2024، عندما وافق المجلس الوطني للهيدروجين الأخضر على تخصيص 270 مليون يورو (نحو 300 مليون دولار) لدعم وتوطين هذه الصناعة، بالتوازي مع توقيع 7 اتفاقيات تعاون إطارية بين مطورين عالميين وجهات حكومية بارزة تشمل:

    • صندوق مصر السيادي.

    • الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

    • هيئة الطاقة الجديدة والمتجددة.

    • الشركة المصرية لنقل الكهرباء.

    وتستهدف هذه الاتفاقيات ضخ استثمارات مرحلية هائلة تصل إلى 12 مليار دولار في المرحلة التجريبية، ترتفع إلى 29 مليار دولار في المرحلة الأولى، ليصل إجمالي الاستثمارات المتوقعة إلى 40 مليار دولار خلال 10 سنوات.

    وتضم قائمة التحالفات الدولية الموقعة شركات عالمية كبرى مثل "باش غلوبال"، و"سمارت إنرجي"، وتحالف "جاما كونستركشن وميريديام"، وتحالف "إس كي إيكو بلانت - سي سك شمال أفريقيا"، و"التوكل جيلا"، و"إيه إم إم باور"، بالإضافة إلى مجموعة "يونايتد إنرجي جروب".

    وفي السياق ذاته، بدأت شركة "أكوا باور" السعودية في فبراير 2024 إعداد الدراسات الفنية لتطوير مشروع عملاق للهيدروجين الأخضر في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، باستثمارات تتجاوز 4 مليارات دولار للمرحلة الأولى، بناءً على الاتفاقية الإطارية الموقعة في ديسمبر 2023.

    اقرأ أيضًا: الهيدروجين الأبيض مستقبل الطاقة

    كيف دعمت مصر مشروعات الهيدروجين الأخضر؟

    لتوفير بيئة استثمارية آمنة ومستقرة، أقر مجلس النواب في يناير 2024 قانون حوافز مشروعات الهيدروجين الأخضر، الذي يمنح المستثمرين إعفاءات وضمانات غير مسبوقة لتسريع وتيرة التنفيذ. وترافق ذلك مع موافقة مجلس الوزراء على إنشاء "المركز الدولي للهيدروجين الأخضر" بمقر جامعة النيل لدعم البحث العلمي والتطوير.

    وعلى صعيد التمكين اللوجستي، تدرس الحكومة تخصيص مساحات شاسعة من الأراضي لإقامة محطات التوليد، ومنها مشروع إنشاء محطة عملاقة لإنتاج الهيدروجين في مدينة الطور، بجانب إتاحة أراضٍ استراتيجية في منطقة خليج السويس لإقامة محطات توليد الكهرباء من طاقة الرياح لتغذية هذه المشروعات.

    الجدوى الاقتصادية للهيدروجين والأمونيا

    تشير الخبيرة الاقتصادية، الدكتورة جيهان يعقوب، إلى أن القيمة الحقيقية للهيدروجين الأخضر تكمن في تعدد استخداماته عبر القطاعات الحيوية، مثل قطاع النقل بشتى تصنيفاته وإنتاج الأمونيا الخضراء؛ حيث تتسابق الشركات العالمية مثل "إيرباص" لتصميم طائرات تجارية تعمل كلياً بالهيدروجين بحلول عام 2035.

    وتستعرض يعقوب التنافسية الاقتصادية للهيدروجين الأخضر والأمونيا في النقاط الآتية:

    بديل استراتيجي للغاز الطبيعي

    يمثل الهيدروجين بديلاً آمناً للغاز في الاستخدامات المنزلية والتدفئة؛ حيث تخطط المملكة المتحدة لتعميمه بحلول عام 2050 بناءً على مشروعات تجريبية ناجحة، كما نجحت فرنسا في اختبار شبكة غاز لـ 100 منزل باستخدام هيدروجين مخلوط، فضلاً عن إمكانية تحويل محطات توليد الكهرباء التقليدية لحرق الهيدروجين لدعم الشبكات وقت ذروة الطلب.

    اقرأ أيضًا: الرمال السوداء في مصر.. فرص استثمارية واعدة

    ثورة في قطاع الأسمدة

    تعد الأمونيا الخضراء المنتجة من الهيدروجين النظيف المكون الأساسي لصناعة الأسمدة الصديقة للبيئة، وتشير الأبحاث الاقتصادية إلى أن الأمونيا الخضراء ستصل إلى مرحلة التنافسية التجارية من حيث التكلفة بحلول عام 2030.

    مرونة البنية التحتية والميزات المالية

    من الناحية النظرية، يمكن نقل الهيدروجين عبر شبكات أنابيب الغاز الطبيعي القائمة عالمياً، مما يقلل كلفة التأسيس بالرغم من الحاجة لتطوير خطوط إضافية.

    وتضيف الدكتورة جيهان أن العائق الرئيس المتمثل في كلفة الإنتاج يشهد تراجعاً حاداً؛ حيث انخفضت التكلفة من 6 دولارات للكيلوغرام قبل نحو ثماني سنوات، لتصل إلى ما يقارب دولارين فقط للكيلوغرام، مما يمثل نقطة تحول محورية تعزز الجاذبية الاستثمارية للقطاع بالتوازي مع مباحثات البنوك الدولية لتسهيل التمويل الأخضر.

    اقرأ أيضًا: قطاع التعدين في مصر.. هل يصبح طوق النجاة للاقتصاد؟

    غزو الأسواق الأوروبية

    في قفزة نوعية لعمليات التصدير، أعلنت الهيئة الاقتصادية لقناة السويس عن نجاح مشروع "مصر للهيدروجين الأخضر" في منطقة السخنة الصناعية بتوقيع عقد توريد ضخم بقيمة 397 مليون يورو ضمن مزاد مؤسسة "H2Global" التجريبي الممصل من الوزارة الفيدرالية الألمانية للشؤون الاقتصادية وحماية المناخ.

    ويضمن هذا العقد توريد أمونيا متجددة إلى الاتحاد الأوروبي بسعر ثابت يبلغ ألف يورو للطن حتى عام 2033، على أن تبدأ الشحنات بـ 19,500 طن في عام 2027، وتتصاعد تدريجياً لتصل إلى 397,000 طن بحلول عام 2033.

    يذكر أن مشروع "مصر للهيدروجين الأخضر" يضم تحالفاً قوياً يجمع بين شركات "فرتيجلوب"، و"سكاتك إيه إس إيه"، و"أوراسكوم للإنشاءات"، وصندوق مصر السيادي.

    تحفيز القطاع الخاص والمزايا الضريبية التنافسية

    يرى الخبير الاقتصادي، أيمن فودة، أن الموقع الجغرافي الفريد لمصر وقربها المباشر من الأسواق الأوروبية يمنح مشروعاتها ميزة تنافسية استثنائية في إنتاج وتصدير الأمونيا الخضراء، لا سيما وأن مصر تعد بالفعل مورداً عالمياً رئيسًا للأسمدة، مما يسهل عليها تلبية مستهدفات الاتحاد الأوروبي لخفض الانبعاثات عبر عملائها الحاليين.

    ولتعظيم هذه الطاقات، وجهت الحكومة شركات القطاع الخاص لربط إنتاجها من الطاقة المتجددة بمشروعات الهيدروجين وتحلية المياه. ويوضح فودة أن التعديلات الأخيرة على قانون الاستثمار قدمت حوافز مالية وضريبية جاذبة للشركات تشمل:

    نوع الحافز

    النسبة والقيمة المقررة

    الشروط والمدة

    حافز الاستثمار (الخصم الضريبي)

    خصم من 30% إلى 50%

    يُخصم مباشرة من الفواتير الضريبية للشركة

    الجمارك على المعدات والآلات

    فئة جمركية موحدة بنسبة 2%

    تُطبق على جميع المستوردات الخاصة بإنشاء المشروع

    رسوم التوثيق والدمغة

    إعفاء كامل بنسبة 100%

    يسري على عقود التأسيس وبنود الإنفاق لـ 5 سنوات

    ويختتم فودة بالإشارة إلى ضرورة الاستمرار في تطوير وتحديث اللوائح التنظيمية التي تسهل الشراكات بين أطراف السوق وتسرع آليات تخصيص الأراضي، مع استغلال الزخم والاهتمام الدولي بالقضايا البيئية لإزالة أي عوائق تجارية وتسهيل مسارات التصدير إلى أوروبا، بما يضمن ريادة مصر كقائد إقليمي للطاقة الخضراء وتحقيق عوائد اقتصادية مستدامة.

    مشروع الطور واندماج مصر مع "البريكس"

    لم تقف الطموحات المصرية عند مرحلة التخطيط والاتفاقيات المبدئية؛ بل تسارعت وتيرتها بقوة مع حلول منتصف عام 2026 عبر اتخاذ خطوات تنفيذية حاسمة على الأرض.

    وفي هذا السياق، كشفت البيانات الرسمية الصادرة في يوليو 2026 عن حسم الجدول الزمني لإنشاء محطة إنتاج الهيدروجين الأخضر العملاقة بمدينة طور سيناء، حيث تقرر بدء التنفيذ الفعلي للمشروع في يناير 2028 باستثمارات ضخمة تتجاوز حاجز 15 مليار دولار، ليكون أحد أكبر الركائز الاستراتيجية لتعظيم الاقتصاد منخفض الكربون وتوطين التنمية في شبه جزيرة سيناء.

    ويتزامن هذا التحرك الاستثماري الكبير مع التفعيل الاستراتيجي الشامل لعضوية مصر في مجموعة "البريكس" وبنك التنمية الجديد؛ إذ أكدت الحكومة المصرية في يوليو 2026 أن هذه الخطوة تفتح مسارات تمويلية ميسرة ومبتكرة تدعم تمويل المشروعات البيئية الضخمة بعيداً عن شروط القروض التجارية المعقدة، وبما يخدم خطط تحويل الممرات الملاحية وقناة السويس إلى محاور عالمية للتجارة الخضراء وتقديم خدمات تموين السفن بالوقود الأخضر.

    اقرأ أيضًا: مصر في “بريكس”.. انطلاقة جديدة في التعاون الدولي

    أول مشروع لإنتاج "وقود الطيران الأخضر" في مصر

    وفي قفزة نوعية لربط الهيدروجين الأخضر بقطاع النقل الجوي، تسرّع الحكومة المصرية بالتعاون مع منظمة الطيران المدني الدولي (إيكاو) والاتحاد الأوروبي وتيرة تنفيذ أول مشروع من نوعه في البلاد لإنتاج وقود الطيران المستدام (SAF).

    وأظهرت جولات التنسيق رفيعة المستوى بين وزارتي الطيران المدني والبترول في يوليو 2026 تقدماً ملموساً في الجوانب الفنية للمشروع الذي يهدف إلى توفير بدائل وقود نظيفة محلياً والإسهام بفعالية في خفض الانبعاثات الكربونية لقطاع النقل الجوي والمطارات المصرية.

    وتسعى مصر من خلال هذه الخطوة إلى تلبية الاشتراطات البيئية العالمية الصارمة وصياغة هوية جديدة كمركز إقليمي رائد لخدمات الطيران الأخضر وشحن الطائرات بالوقود الحيوي والمستدام، مستفيدة من التقدم المنجز في مشروعات توليد الهيدروجين بقناة السويس لرفع حصتها المستهدفة في سوق الهيدروجين العالمي لتصل إلى 8% خلال العقود المقبلة.

    قد يهمّك أيضًا: بسبب صفقة رأس الحكمة.. فيتش تعدل نظرتها المستقبلية لاقتصاد مصر