اقتصادات عالمية

    المعادن النادرة.. وقود الصراع بين القوى العظمى

    تتحكم بكين بـ 70% من إنتاج العناصر الـ 17 النادرة، وسط مساعٍ غربية مكثفة لبناء سلاسل توريد بديلة

    بقلم دانا تيسير••آخر تحديث •3 دقائق
    المعادن النادرة.. وقود الصراع بين القوى العظمى

    تحوّلت المعادن الأرضية النادرة والعناصر الحرجة إلى وقود يشعل الصراع بين القوى العظمى، في ظل سباق محموم للاستحواذ على الموارد الأساسية المغذية للصناعات التكنولوجية المتقدمة، والعتاد العسكري، ومنظومات التحول نحو الاقتصاد الأخضر.

    وفي حين ساد الاعتقاد قديماً بأن هذه المواد تقع خارج حسابات الصراع الدولي الكلاسيكي -رغم أهميتها التقليدية في قطاعات الدفاع والكيمياء- إلا أن القفزات التكنولوجية المتسارعة وضعت هذه الموارد في قلب معارك الأمن القومي العالمي.

    الهيمنة الصينية وسلاح "الغاليوم والجرمانيوم"

    ارتبط تصاعد القلق الدولي بنمو النفوذ الصناعي للصين، وإمساكها بمفاتيح سلاسل الإمداد العالمية لهذه العناصر الاستراتيجية، الأمر الذي جعلها أداة ضغط اقتصادي بالغة الأثر في مواجهة الغرب بقيادة الولايات المتحدة، التي تسعى جاهدة لتأمين مصالحها وحماية أمنها التقني.

    وتبدى هذا النفوذ جلياً في يوليو من عام 2023، عندما أعلنت بكين تقييد صادراتها من معدني الغاليوم والجرمانيوم، وهي الخطوة التي فجرت موجة انتقادات حادة من المفوضية الأوروبية وواشنطن.

    وتتحكم الصين بقرابة 80% من الإمدادات العالمية لهذين المعدنيين الحيويين لصناعة الرقائق والإلكترونيات العسكرية، في وقت يستورد فيه الاتحاد الأوروبي 27% من احتياجاته من الغاليوم و17% من الجرمانيوم من السوق الصينية، ما يعكس عمق التبعية الهيكلية للغرب في هذا المجال.

    اقرأ أيضًا: الصين تهيمن على إنتاج الفحم عالميًا رغم تحديات الطاقة

    حرب الأسعار وتجفيف الاستثمارات الغربية

    على الرغم من المساعي الغربية الحثيثة على مدار السنوات الماضية لكسر الاحتكار الصيني، إلا أن الشركات الصينية رسّخت تفوقها عبر استراتيجية التوسع الرأسمالي المدعوم من الدولة لزيادة المعروض وخفض الأسعار، مما دفع المنافسين الغربيين إلى حافة العجز عن المواجهة.

    وفي هذا السياق، يوضح مورغان بازيليان، مدير معهد "باين" في كلية كولورادو للمناجم، أن الصين تضخ استثمارات هائلة في قطاع التعدين العالمي، مستشهداً بمعدن النيكل (العنصر الأساسي لبطاريات السيارات الكهربائية)، حيث أغرقت مصانع المعالجة الصينية في إندونيسيا الأسواق الدولية بكميات ضخمة وخفضت كلفته المادية.

    وبفعل حرب الأسعار هذه، اضطرت شركة التعدين السويسرية العملاقة "غلينكور" إلى تعليق عملياتها في مصنع النيكل التابع لها في كاليدونيا الجديدة (رغم الدعم المالي من باريس)، بالتزامن مع إغلاق ما لا يقل عن أربعة مناجم للنيكل في غرب أستراليا، وانسحاب العديد من الشركات الغربية من أسواق إفريقيا وآسيا.

    سباق التنقيب عن الليثيوم وتحولات الحصص السوقية عالمياً

    من جانبه، أشار رئيس رابطة المساحة الجيولوجية المصرية، الدكتور حسن بخيت، إلى أن الصراع حول المعادن الاستراتيجية ممتد ويتسع باستمرار ليشمل جغرافيا جديدة للتنقيب. وأضاف بخيت: "إن التوجه العالمي نحو استبدال الوقود الأحفوري بمصادر طاقة نظيفة فجّر حمى البحث عن الليثيوم كوقود أساسي لبطاريات السيارات، وامتدت عمليات التنقيب إلى كافة البيئات الجيولوجية المحتملة كالنقاط الملحية والمياه الجوفية الفائقة الملوحة".

    وأدت هذه الطفرة الصينية إلى تراجع إنتاج الكوبالت المكرر غير الصيني في عام 2023 إلى أدنى مستوياته في 15 عاماً. وفي المقابل، قفزت حصة تعدين الليثيوم المدارة بواسطة شركات صينية داخلاً وخارجاً من 14% عام 2018 إلى 35% بحلول عام 2024، مع رفع قدرات معالجة الليثيوم محلياً داخل الصين من 63% إلى 70% خلال الفترة ذاتها، مما أجبر الولايات المتحدة وأستراليا على تأجيل أو تعليق مشاريع لليثيوم في أراضيهما وفي إفريقيا جنوب الصحراء.

    اقرأ أيضًا: كيف تحمي كوريا الجنوبية صناعة الرقائق من سياسات ترمب؟

    بالأرقام: القوة الاحتياطية الاستراتيجية لبكين

    يقدم جو يرق، رئيس قسم الأسواق العالمية في "Cedra Markets"، قراءة رقمية لحجم السيطرة الصينية، مبيناً أن بكين تنتج منفردة نحو 70% من المعادن النادرة البالغ عددها 17 معدناً، وتستحوذ على 44% من الاحتياطي العالمي (أي ما يعادل 44 مليون طن متري من إجمالي المخزون العالمي البالغ 110 ملايين طن).

    وأوضح يرق أن هذه العناصر تمثل عصب الصناعات الدقيقة كالهواتف الذكية، والشاشات المتطورة، وتوربينات الرياح، وصولاً إلى الصواريخ العابرة للقارات. ورداً على هذا الاحتكار، خصصت أستراليا نحو 550 مليون دولار لتسريع استخراج المعادن النادرة من أراضيها، تماشياً مع مقترح مجموعة السبع (G7) بضخ استثمارات مشتركة في إفريقيا وأمريكا الجنوبية لبناء سلاسل توريد موازية، يقابلها -وفقاً للدكتور حسن بخيت- انتشار كثيف وراسخ للشركات الصينية في القارة الإفريقية للتنقيب عن هذه العناصر.

    مستقبل البدائل الصناعية للمعادن النادرة

    ويرى جو يرق أن سر التفوق الصناعي الصيني في قطاعات السيارات الكهربائية، وألواح الطاقة الشمسية، وتوربينات الرياح، ينبع مباشرة من ميزتها الاحتياطية؛ إذ تفتقر الأسواق لوجود بدائل حقيقية لهذه المعادن في الصناعات الاستراتيجية.

    واختتم يرق مؤكداً أن بكين تعي حجم هذه الورقة وتستخدمها كسلاح ردع اقتصادي؛ حيث تلجأ إلى تقييد أو حظر تصدير هذه المعادن كأداة ضغط مضادة كلما فرضت واشنطن أو حلفاؤها عقوبات تجارية عليها، وهو ما اختبرته الأسواق سابقاً في أزمات التصدير الموجهة ضد اليابان والولايات المتحدة.

    قد يهمّك أيضًا: طموح الإمارات.. 100 مليار دولار لصناعة الرقائق والذكاء الاصطناعي