تملك الصين نفوذاً كبيراً في سوق المعادن الأرضية النادرة، إذ تتصدر الإنتاج وتسيطر على جزء واسع من عمليات المعالجة وصناعة المغناطيسات، لهذا تحولت قيود التصدير الصينية إلى مصدر قلق للشركات والحكومات، التي تحتاج هذه المواد في السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والإلكترونيات والصناعات الدفاعية.
غير أن هذه القيود تحوّلت في المقابل إلى حافزٍ عابر للحدود، دفع الحكومات والشركات العالمية إلى تسريع البحث عن بدائل وتنويع منابع التوريد. هذا التحول لا يعني أفولاً وشيكاً للهيمنة الصينية، بل تدشيناً لمرحلة إعادة هيكلة سلاسل الإمداد العالمية، بما يضمن التخفيف من وطأة أي هزات تصديرية مستقبلية.
لماذا يتسابق العالم على هذه المعادن؟
تدخل المعادن الأرضية النادرة في صناعة مغناطيسات صغيرة وقوية، تستخدم في محركات السيارات الكهربائية وتوربينات الرياح والروبوتات والمعدات العسكرية، ويزداد دور بعضها عندما تحتاج هذه المنتجات إلى العمل في درجات حرارة مرتفعة.
وهُنا تبرز عناصر مثل "الديسبروسيوم" و"التيربيوم" و"الساماريوم"، وهي أقل وفرة من عناصر أخرى تستخدم في المغناطيسات، ولذلك أصبحت محوراً رئيساً في المنافسة على الإمدادات.
ومع فرض الصين قيوداً وتراخيص صارمة على تصدير هذه العناصر ومخرجاتها من المغناطيسات الدقيقة خلال عام 2025، سارعت الشركات العالمية خارج حدود الصين إلى إعادة هيكلة خططها؛ حمايةً لسلاسل إمدادها من التقلبات الناجمة عن التوترات السياسية والتجارية المتكررة.
اقرأ أيضًا: الصين تربح سباق المعادن النادرة.. هل تحافظ على الصدارة؟

منافسون للصين في المعادن النادرة
طالما ساد انطباع بأن الصين تتفوق كمورد حصرية للعناصر الأرضية النادرة الثقيلة، غير أن مسارات الاستكشاف الحديثة كشفت عن وجود رواسب مماثلة في عدة بلدان، أبرزها البرازيل، وأستراليا، ومدغشقر، وأوغندا، ومالاوي، وتشيلي.
غير أن اكتشاف هذه الاحتياطيات لا يعني دخولها خط التغذية المباشرة فوراً؛ إذ يتطلب تطوير المناجم استثمارات ضخمة، وتراخيص بيئية وتنظيمية، وبنية تحتية متكاملة، فضلاً عن إنشاء مصانع فصل معقدة قادرة على تنقية العناصر وتحويلها إلى خامات صالحة لسلاسل تصنيع المغناطيسات الدقيقة.
ومع ذلك، فإن دخول هذه المشروعات دائرة الأجندة الدولية يُعيد رسم خارطة السوق؛ إذ يمنح كبار المستوردين بدائل توريد موازية، ويُحفز الحكومات الغربية والناشئة على ضخ التمويل لتوطين عمليات التعدين والمعالجة المتقدمة داخل أراضيها.
البرازيل تقدم بديلاً جديداً
تحولت البرازيل إلى أحد أبرز البدائل المحتملة للصين في المعادن الأرضية النادرة، فقد بدأ مشروع "سيرا فيردي" في ولاية "غوياس" إنتاج المعادن الأرضية النادرة في 2024، وهو من المشاريع القليلة خارج آسيا، القادرة على إنتاج العناصر الأربعة الرئيسة للمغناطيسات، وهي "النيوديميوم" و"البراسيوديميوم" و"الديسبروسيوم" و"التيربيوم".
وفي أبريل 2026، أعلنت شركة "يو إس إيه رير إيرث" اتفاقاً للاستحواذ على المشروع بنحو 2.8 مليار دولار، وهو رقم يعكس رهان الأسواق ورؤوس الأموال على تأمين كفايات فعلية ومصادر موثوقة للعناصر الثقيلة خارج السيطرة الصينية، وعدم الاكتفاء بالاحتياطيات المكتشفة غير المستغلة.
كما ارتفع عدد طلبات الاستكشاف في البرازيل خلال السنوات الأخيرة، مع تزايد اهتمام الولايات المتحدة وأستراليا وشركات التعدين، بتأمين إمدادات بديلة.
اقرأ أيضًا: المعادن النادرة في فنزويلا.. بؤرة الصراع بين واشنطن وبكين
معالجة المعادن.. المحطة الأصعب
استخراج المعادن في هيئتها الخام، ليس نهاية المطاف، فالمرحلة الأصعب هي فصل العناصر وتنقيتها، ثم تحويلها إلى معادن وسبائك ومغناطيسات جاهزة للاستخدام، وما زالت الصين تمتلك تفوقاً كبيراً في هذه المراحل، حتى عن المنافسين الأقرب إليها.
لكن مشروعات جديدة بدأت تظهر خارجها، فقد شغلت شركة "نيو بيرفورمانس ماتيريالز" خطاً لإنتاج "الديسبروسيوم" و"التيربيوم" في أوروبا، فيما توسع شركات أخرى مثل "ليناس" و"إم بي ماتيريالز" قدراتها في أستراليا وماليزيا والولايات المتحدة.
وتحتاج هذه المشروعات إلى وقت طويل حتى تصل إلى إنتاج كبير ومستقر، كما تحتاج إلى عقود شراء طويلة الأجل، لأن بناء منشآت المعالجة مكلف ولا ينجح دون طلب مضمون من شركات السيارات والطاقة والدفاع.
هل انتهى نفوذ الصين؟
حتى وقتنا الحالي، الإجابة لا، فما زالت الصين أكبر لاعب في السوق العالمية، ولا تزال سلاسل التوريد العالمية تعتمد عليها بدرجة كبيرة، خاصة في المعالجة والمغناطيسات المتقدمة، ولذلك يمكن لأي قيود صينية أن ترفع الأسعار وتربك المصانع في الأجل القصير، وتؤثر بشكل كبير في السوق العالمية.
لكن النفوذ الصيني لا يبقى ثابتاً عندما يبدأ المشترون في بناء بدائل، فكلما توسع التعدين والمعالجة خارج الصين، أصبح استخدام القيود ورقة أقل تأثيراً بمرور الوقت.
المفارقة أن القيود الصينية نفسها، قد تسرع هذا التحول، فالشركات التي كانت تقبل الاعتماد على مورد واحد، بدأت تنظر إلى تنويع المصادر باعتباره تكلفة ضرورية، لا خياراً مؤجلاً.
اقرأ أيضًا: “مشروع فولت”: سلاح ترامب لكسر هيمنة الصين على المعادن
هل تتغير سوق المعادن قريبًا؟
لن تتغير السوق خلال عام أو عامين، لأن بناء منجم ومصنع معالجة، يحتاج إلى وقت طويل، ولكن المسار واضح، إذ تنتقل دول وشركات كثيرة من الحديث عن تقليل الاعتماد على الصين إلى تمويل مشروعات فعلية في البرازيل وأستراليا وأوروبا وأفريقيا.
وهنا يبقى السؤال الأهم، هو سرعة انتقال هذه المشاريع من مرحلة الوعود إلى الإنتاج، فإذا نجحت ستظل الصين قوة كبيرة في المعادن النادرة، لكن قدرتها على استخدام الإمدادات كورقة ضغط، ستصبح أضعف مما كانت عليه في الماضي.
