حذّرت رئيسة البنك المركزي الأوروبي من أن الاضطرابات الأخيرة التي يشهدها الاقتصاد العالمي تنذر بإحداث تحولات طويلة الأمد، من شأنها الإبقاء على الضغوط التضخمية عند مستويات أعلى من المعتاد، بما يزيد من تعقيد مهمة صناع السياسة النقدية.
وخلال كلمتها في المؤتمر السنوي للاحتياطي الفيدرالي الأمريكي المنعقد في جاكسون هول بولاية وايومنغ، يوم الجمعة، 25 أغسطس 2023، قالت كريستين لاغارد إن على محافظي البنوك المركزية توخي قدر كبير من اليقظة، لتفادي انتقال التقلبات الحادة في الأسعار النسبية إلى التضخم متوسط الأجل، ولا سيما عبر الأجور التي باتت تلاحق الأسعار بوتيرة متكررة.
وأضافت لاغارد: «إذا أصبح العرض العالمي أقل مرونة، بما في ذلك في أسواق العمل، وتراجعت حدة المنافسة العالمية، فإننا يجب أن نتوقع أن تلعب الأسعار دورًا أكبر في عملية التكيف». وأشارت إلى أنه في حال مواجهة صدمات أكبر وأكثر تكرارًا، مثل صدمات الطاقة والتوترات الجيوسياسية، فإن الشركات قد تميل إلى تمرير زيادات التكلفة إلى المستهلكين بشكل أكثر انتظامًا.
تنسيق حذر في ملاحقة مستهدفات التضخم
تأتي هذه التصريحات في أعقاب تحذيرات سابقة أطلقها جيروم باول، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، أكد فيها أن البنك لم يحقق بعد انتصارًا كاملًا على التضخم، وأنه قد يضطر إلى تنفيذ مزيد من الزيادات في أسعار الفائدة، وإن كان ذلك في إطار نهج يتسم بـ«الحذر».
ويمر محافظو البنوك المركزية، لا سيما في الاقتصادات المتقدمة، بمرحلة مفصلية في معركتهم ضد التضخم؛ فرغم تراجع وتيرة نمو أسعار المستهلكين مقارنة بذروتها المسجلة عقب الجائحة، لا تزال المعدلات أعلى بكثير من مستوى 2% الذي تستهدفه البنوك المركزية منذ سنوات.
ومع تصاعد المخاوف من تباطؤ اقتصادي وشيك وتشديد الأوضاع المالية، باتت الآراء أكثر انقسامًا بشأن الكيفية المثلى لمعايرة السياسة النقدية، بما يضمن إعادة التضخم إلى مستهدفاته دون التسبب في أعباء غير ضرورية على الشركات والمستهلكين.
معضلة الفائدة في منطقة اليورو
تشير استطلاعات الأعمال الأخيرة إلى أن منطقة اليورو تتجه نحو موجة تراجع جديدة، ما دفع المستثمرين إلى التحوط في رهاناتهم بشأن إمكانية إقدام البنك المركزي الأوروبي على رفع أسعار الفائدة مجددًا خلال الشهر المقبل، غير أن هذه التوقعات تبقى رهينة لمسار التضخم، ومدى استمراره في التراجع، خصوصًا عند استبعاد أسعار الطاقة والمواد الغذائية شديدة التقلب.
ومع ذلك، لم تقدّم لاغارد إشارات واضحة بشأن الاتجاه الذي قد يتخذه البنك المركزي الأوروبي، مكتفية بالتشديد على ضرورة الإبقاء على أسعار الفائدة عند «مستويات مقيدة بما فيه الكفاية وللفترة اللازمة» لضمان عودة التضخم إلى مستواه المستهدف في الإطار الزمني المناسب.
هل يخرج الاقتصاد الألماني من نفق الانكماش؟
على صعيد الاقتصاد الألماني، أشارت البيانات إلى أن أكبر اقتصاد في أوروبا انكمش أو دخل في حالة ركود اقتصادي خلال ثلاثة أرباع متتالية، متأثرًا بتراجع قطاع التصنيع، في وقت أضعفت فيه اضطرابات التجارة العالمية أحد أعمدة قوته التقليدية المتمثلة في الصادرات، وقد أثار هذا الأداء الضعيف تساؤلات بشأن قدرة البنك المركزي الأوروبي على مواصلة دورة رفع أسعار الفائدة.
لكن لاغارد أكدت، في جلسة منفصلة، أن الاقتصاد الألماني «لم ينكسر»، بل «يجري إصلاحه»، مستشهدة بسرعة بناء منشآت الغاز الطبيعي المسال التي أنجزتها ألمانيا خلال ستة أشهر فقط لتعويض إمدادات الغاز الروسي.
مرونة العرض وسلاسل الإمداد
شددت لاغارد على أن واضعي السياسة النقدية يحتاجون إلى قدر عالٍ من الوضوح والمرونة والتواضع في التعامل مع حالة عدم اليقين التي تفرضها الصدمات المتعددة التي يتعرض لها الاقتصاد العالمي، بدءًا من جائحة كورونا وصولًا إلى الغزو الروسي واسع النطاق لأوكرانيا.
وفي هذا السياق، تراجع معدل التضخم في منطقة اليورو إلى نحو النصف مقارنة بذروة العام الماضي البالغة 10.6%، ويتوقع اقتصاديون، استطلعت وكالة «رويترز» آراءهم، أن يتباطأ التضخم من 5.3% في يوليو إلى 5% في أغسطس 2023، مع صدور بيانات الأسعار الجديدة خلال الأسبوع المقبل.
في النهاية، تصريحات كريستين لاغارد تعكس اعترافاً صريحاً بأن القواعد التقليدية للسياسة النقدية قد لا تكون كافية في عالم يتسم بالصدمات المتتالية، وبين مطرقة التضخم المستدام وسندان الركود الاقتصادي، يجد صانعو السياسة أنفسهم أمام اختبار حقيقي للمرونة والتواضع.
