تمر أسواق العالم على رأسها أسواق السندات بحالة من عدم اليقين غير مسبوقة، بعد أن تعرضت لسلسة من الأزمات كان أعنفها وباء كورونا الذي انتشر في العام 2020، والأزمة الأوكرانية التي انطلقت شرارتها في فبراير من العام الماضي، والحرب الإسرائيلية على غزة التي اندلعت شرارتها في أكتوبر 2023.
هذه الأزمات كانت كفيلة بإشعال أسعار النفط والغذاء، وصعدت بمعدلات التضخم والفائدة لمستويات هي الأعلى في عقود، ووجهت ضربات قاسية لسوق السندات العالمية التي عانت من نزيف هو الأشد في نحو قرنين من الزمن.
خسائر أسواق السندات
بحسب بنك أوف أمريكا، فإن الخسائر في سوق السندات الأمريكية خلال السنوات الثلاث الماضية لم تشهدها الأسواق من قبل من حيث استمراريتها. ولعل المقارنة التاريخية تعكس حجم الأزمة؛ فمنذ حرب 1812 لم يكن تداول السندات قابلاً للتسجيل بدقة، لكن ما تشهده الأسواق اليوم هو الأسوأ منذ 236 عامًا، ويشكل تحذيرًا صريحًا من هشاشة القطاع المالي أمام صدمات التضخم وارتفاع الفائدة.
وكانت التبعات وخيمة، إذ دفعت بعض البنوك الأمريكية مثل بنك سيليكون فالي نحو الإفلاس، فيما اقتربت أخرى من حافة الانهيار، قبل أن تتدخل السلطات الأمريكية لإنقاذها، مما يعكس المخاوف المتصاعدة في “وول ستريت” بشأن استقرار المالية الحكومية وقدرتها على التعامل مع الأزمات الكبرى.
عجوزات تاريخية للميزانية الأمريكية
أدت سياسات مثل الإعفاءات الضريبية المدعومة من الجمهوريين، إلى جانب استثمارات الطاقة الخضراء التي قادها الديمقراطيون، إلى تراكم عجوزات ضخمة في الميزانية الأمريكية على مدى فترة طويلة. في البداية، بدا الوضع قابلاً للإدارة بفضل سياسات الاحتياطي الفيدرالي التي أبقت أسعار الفائدة عند مستوى صفر وشرائه لسندات الخزانة بمليارات الدولارات أسبوعيًا، ما أخفى عمق المشكلات المالية.
لكن مع ارتفاع أسعار الفائدة إلى 5%، أصبحت حسابات تكاليف الاقتراض أكثر تعقيدًا، إذ تراكمت أعباء الدين على الحكومة بشكل كبير، بينما تضاعف حجم السندات المطلوب بيعها بسرعة، وهو ما قد يضعف الطلب على هذا الاستثمار الآمن الذي كان يُعتبر لفترة طويلة ملاذًا مضمونًا للمستثمرين.
الهروب من السندات
يشهد سعر سندات الخزانة الأمريكية لأجل 10 سنوات تقلبات كبيرة، وهو المعيار الرئيس لتحديد تكلفة الاقتراض في الاقتصاد؛ فقد أدى انخفاض سعرها إلى ارتفاع العائدات إلى مستويات غير مسبوقة منذ 16 عامًا، إذ أصبح المستثمرون يطالبون بخصومات عند شراء هذه السندات، وتفاقمت هذه الضغوط بعد خروج بنك الاحتياطي الفيدرالي المفاجئ من السوق.
في هذا السياق، أصبح التيسير الكمي -برنامج شراء السندات الذي اعتمده البنك المركزي الأمريكي- أضعف، خاصة بعدما أصبح التضخم الهدف الأساسي لصناع السياسات، رغم ضخ التيسير الكمي كميات كبيرة من الأموال في اقتصاد نام بسرعة دون ضوابط. كما علّقت بنوك مركزية في دول مثل البرازيل، الصين، اليابان، والسعودية مشترياتها من السندات الأمريكية، بل وبدأ بعضهم بالتخارج من حيازاته.
المسألة لا تتعلق بمخاوف من تخلف الولايات المتحدة عن سداد ديونها، إذ إنَّ المناقشات حول سقف الدين ومهلة التمويل تبقى سياسية أكثر من كونها مالية، بل يكمن القلق الحقيقي في أن السياسات المالية الحالية وارتفاع العائدات بشكل كبير يضع ضغطًا على الشركات والمستهلكين في جميع أنحاء أمريكا.
انهيارات أخرى
أعاد انهيار بنك “سيليكون فالي” الشتاء الماضي شبح الأزمات المصرفية إلى الواجهة، مثيراً المخاوف من ركود اقتصادي وشيك، ومع تعقد مؤشرات سوق السندات بدأت ارتدادات الأزمة تطال أسواق الأسهم وسندات الشركات، بالتزامن مع صعود قوي للدولار أمام العملات الرئيسية.
وحتى النفط، الذي صمد طويلاً خلال الصيف، لم يسلم من دوامة الخسائر مؤخراً؛ إذ كسر موجة صعوده المستمرة قبل أن يستعيد بعض توازنه مدفوعاً بالتوترات الجيوسياسية في غزة والمخاوف من اتساع رقعة الصراع الإقليمي.
ما صدم الخبراء في وول ستريت هو أن الفترة الحالية قلبت سنوات من الاستقرار الذي وفره الاحتياطي الفيدرالي في سوق السندات، حيث كانت العائدات القياسية مستقرة قرب 2% يومًا بعد يوم، وعامًا بعد عام.
اليوم، يُنظر إلى عدة عوامل على أنها قد تحافظ على ارتفاع العائدات لسنوات، منها: الاحتباس الحراري والتحول نحو الطاقة الخضراء، وتفكيك العولمة، والتحولات الديموغرافية، وبالطبع الزيادة المستمرة في المعروض من السندات الحكومية، ما يجعل سوق الديون أكثر هشاشة أمام الصدمات الخارجية.
كيف تتحرك سوق الأسهم؟
