دخل مشروع الفوسفات المدمج في الجزائر مرحلة التنفيذ الفعلي، عقب توقيع عقدين استراتيجيين مع شركتين دوليتين، هما سايبام الإيطالية وCHEC الصينية، ضمن توجه جزائري لتطوير قطاع المناجم وبناء صناعة متكاملة للفوسفات والأسمدة، بما يدعم خطط تنويع الاقتصاد وتقليص الاعتماد على النفط والغاز.
ولا يقتصر المشروع على استخراج الفوسفات وبيعه كمادة خام، وإنما يستهدف إنشاء سلسلة إنتاج صناعية متكاملة تبدأ من المناجم، مرورًا بعمليات التخصيب والتحويل الكيميائي، ووصولًا إلى إنتاج الأسمدة والمواد الكيميائية، ثم نقل المنتجات عبر السكك الحديدية والموانئ إلى السوق المحلية والأسواق الخارجية.
ويمتد المشروع عبر ثلاث ولايات جزائرية، هي تبسة وسوق أهراس وعنابة، فيما تتركز أهم مكامن الفوسفات في منطقة بلاد الحدبة بولاية تبسة.
7 مليارات دولار استثمارات في المرحلة الأولى
وقال الدكتور محمد الشوربجي، الخبير الاقتصادي، إن الجزائر تتحرك بخطوات متسارعة لتنويع مصادر دخلها بعيدًا عن الاعتماد التقليدي على النفط والغاز، وذلك من خلال التوسع في استغلال مواردها التعدينية، وفي مقدمتها الفوسفات، وأشار إلى أن مشروع الفوسفات المدمج في الجزائر يمثل أحد أبرز المشروعات التي تراهن عليها البلاد لتحقيق هذا التحول الاقتصادي.
وأوضح الشوربجي أن الجزائر وقعت عقود المرحلة الأولى من المشروع باستثمارات تصل إلى نحو 7 مليارات دولار، في إطار منظومة متكاملة تجمع بين استخراج خام الفوسفات وتصنيعه وتحويله إلى منتجات وأسمدة ذات قيمة مضافة، بدلًا من الاكتفاء بتصدير المادة الخام.
الجدير بالذكر أنّ الاحتياطيات الإجمالية من الفوسفات في المنطقة تُقدر بنحو 3 مليارات طن، والمشروع -وفقًا للشوربجي- يعتمد بصورة رئيسة على منجم بلاد الحدبة الذي تقدر احتياطاته بنحو 1.2 مليار طن من الفوسفات، منها قرابة 840 مليون طن قابلة للاستغلال، بما يوفر قاعدة كبيرة لتطوير صناعة تعدين وتحويل الفوسفات على المدى الطويل.
اقرأ أيضًا: تحلية مياه البحر في الجزائر بين الأمن المائي والاقتصادي
مستهدفات مشروع الفوسفات المدمج في الجزائر
وفق مستويات الإنتاج المخطط لها، يمكن أن تمتد قابلية استغلال الاحتياطيات لأكثر من 80 عامًا، ما يمنح المشروع أهمية استراتيجية طويلة الأجل، ويجعله من أكبر مشروعات التصنيع المنجمي في الجزائر.
وتستهدف الخطط العامة للمشروع إنتاج نحو 6 ملايين طن سنويًا من الفوسفات المخصب، إلى جانب نحو 4 ملايين طن سنويًا من الأسمدة الفوسفاتية والآزوتية.
وفيما يتعلق بالمرحلة الأولى، أوضح الشوربجي أن المستهدفات تعكس الحجم الصناعي الكبير للمشروع، حيث تستهدف الجزائر استخراج نحو 5.5 مليون طن من الفوسفات سنويًا، وإنتاج نحو 3.2 مليون طن من الفوسفات المركز.
كما تتضمن المرحلة إنشاء مجمع صناعي بطاقة إنتاجية تصل إلى نحو 2.4 مليون طن سنويًا من الأسمدة الفوسفاتية، إلى جانب إنتاج نحو 570 ألف طن من الأسمدة الآزوتية، بما يحول المشروع من مجرد نشاط تعديني إلى منظومة صناعية متكاملة ترتبط بقطاعات الأسمدة والزراعة والصناعات الكيميائية.
ولا يتوقف المشروع عند إنتاج الفوسفات المخصب والأسمدة، بل يشمل كذلك إنتاج حمض الكبريتيك وحمض الفوسفوريك والأمونياك، وهي مواد أساسية تدخل في الصناعات الكيميائية وصناعة الأسمدة.
بدء الإنتاج والتصدير في 2027
من المقرر أن يبدأ إنتاج الفوسفات المخصب خلال الربع الأول من عام 2027، فيما يُرتقب انطلاق إنتاج الأسمدة خلال الربع الرابع من العام نفسه.
وأشار الشوربجي إلى أن الجزائر تستهدف بدء استغلال إنتاج المشروع مطلع عام 2027، على أن تبدأ عمليات التصدير خلال العام نفسه، بما يدفع المشروع إلى مرحلة التشغيل التجاري بالتزامن مع استكمال البنية الصناعية واللوجستية المخطط لها.
شراكة ثلاثية: دور "سايبام" الإيطالية و"CHEC" الصينية
تتولى شركة سايبام الإيطالية تنفيذ المنشآت الصناعية في منطقتي بلاد الحدبة ووادي الكبريت، وفق صيغة Fast Track EPC التي تشمل أعمال الهندسة والتجهيز والإنجاز ضمن مسار سريع للتنفيذ.
على مستوى العلاقات الاقتصادية، تسهم مشاركة «سايبام» في توسيع التعاون بين الجزائر وإيطاليا خارج نطاق النفط والغاز باتجاه الصناعة المنجمية والكيميائية والزراعة وسلاسل القيمة المرتبطة بها.
في المقابل، تتولى شركة CHEC الصينية الجانب اللوجستي من المشروع، وذلك عبر تنفيذ المنشآت المينائية المرتبطة بالمشروع في ميناء عنابة، بما يسمح بتسهيل عمليات نقل المنتجات وتصديرها إلى الأسواق الخارجية.
سلسلة إنتاج تبدأ من المنجم وتنتهي بالتصدير
تبدأ سلسلة الإنتاج من منجم بلاد الحدبة، حيث يتم استخراج الفوسفات، قبل نقله إلى وحدات التخصيب والتحويل في وادي الكبريت، ثم تنقل المواد والمنتجات عبر شبكة السكك الحديدية باتجاه عنابة، ليتم تجهيزها للتوزيع في السوق المحلية أو تصديرها عبر الميناء.
ويرتبط المشروع بالخط المنجمي الشرقي، الذي يمتد لمسافة تصل إلى 442 كيلومترًا، ويلعب دورًا أساسيًا في نقل الفوسفات والمواد الأولية والمنتجات الصناعية بين مناطق الاستخراج والتحويل والميناء.
وبهذه المنظومة، تستهدف الجزائر الانتقال من تصدير الفوسفات في صورته الخام إلى إنتاج مواد مصنعة ذات قيمة مضافة أعلى، خاصة الأسمدة والمواد الكيميائية المرتبطة بها.
وبالتالي فإنّ الرهان الحقيقي لا يتمثل فقط في حجم احتياطيات الفوسفات التي تمتلكها الجزائر، وإنما في قدرتها على بناء سلسلة قيمة متكاملة تبدأ من استخراج الخام، مرورًا بالتركيز والتصنيع، وصولًا إلى إنتاج الأسمدة وتصديرها إلى الأسواق الخارجية.
اقرأ أيضًا: الجزائر تطلق رؤية 2027 للتحول إلى قوة اقتصادية ناشئة عالميًا

ركيزة لزيادة الصادرات خارج المحروقات
يمكن لهذا التحول أن يسهم في دعم الصادرات الجزائرية خارج قطاع المحروقات، ورفع قيمة المنتجات الجزائرية في الأسواق الدولية، إلى جانب تطوير الصناعات التحويلية وخلق فرص جديدة أمام المؤسسات والمناولين المحليين.
وقال الشوربجي إن المشروع يحمل بعدًا تصديريًا مهمًا، إذ تستهدف الجزائر زيادة صادراتها خارج قطاع المحروقات، وهو أحد الأهداف الرئيسة لسياسة التنويع الاقتصادي، بما يقلل تعرض الاقتصاد لتقلبات أسعار النفط والغاز في الأسواق العالمية.
وأضاف أن رفع إنتاج الفوسفات وتوجيه جزء كبير منه إلى الصناعات التحويلية وإنتاج الأسمدة يمكن أن يعزز قيمة الصادرات غير النفطية، نظرًا إلى ارتفاع القيمة الاقتصادية للمنتجات المصنعة مقارنة بتصدير الخام دون معالجة. وتشير المعطيات المتعلقة بالمشروع إلى أن سعر طن سماد DAP قد يصل إلى 725 دولارًا خلال عام 2026.
وفي السياق ذاته، أشار الشوربجي إلى أنّ الجزائر تستهدف إحداث قفزة كبيرة في إنتاج الفوسفات، من نحو 2.5 مليون طن سنويًا حاليًا إلى نحو 10.5 مليون طن، في خطوة تعكس رغبة البلاد في تعزيز موقعها في سوق الفوسفات ومشتقاته خلال السنوات المقبلة.
نقل التكنولوجيا وتطوير الكفاءات الجزائرية
وأكد الشوربجي أن المشروع يمكن أن يدعم القطاع الزراعي الجزائري من خلال توفير مدخلات إنتاج رئيسة، وفي مقدمتها الأسمدة، بما يساعد على تلبية جزء من احتياجات السوق المحلية وتقليص الاعتماد على الواردات ودعم النشاط الزراعي.
تشمل أهمية المشروع أيضًا نقل التكنولوجيا وتكوين الكفاءات وتطوير الخبرات الجزائرية في مجالات التعدين والهندسة الكيميائية والسكك الحديدية والموانئ والطاقة والمياه.
كما يفتح المشروع المجال أمام توسيع نطاق المناولة المحلية من خلال إشراك المؤسسات الجزائرية في أعمال الصيانة والنقل والإنجاز والتجهيز، إضافة إلى الخدمات الصناعية المرتبطة بالمناجم ووحدات التحويل.
وينسجم المشروع مع التوجه نحو بناء قدرات إنتاجية داخل الجزائر وتطوير المهارات ونقل التكنولوجيا، بدلًا من الاقتصار على استيراد التجهيزات أو تصدير المواد الأولية.
منظومة تجمع التعدين والصناعة والنقل والموانئ
تكمن القيمة الاستراتيجية للمشروع في جمعه عدة قطاعات داخل منظومة واحدة، إذ يشمل قطاع المناجم من خلال استخراج الفوسفات، والصناعات الكيميائية عبر إنتاج الأحماض والأمونياك والأسمدة، وقطاع النقل من خلال الخط المنجمي وشبكة السكك الحديدية، إلى جانب قطاع الموانئ عبر منشآت عنابة، وقطاعي الطاقة والمياه الضروريين لتشغيل الوحدات الصناعية.
وأشار الشوربجي إلى أن مشروع الفوسفات المدمج في الجزائر، يأتي ضمن استراتيجية أوسع لتطوير قطاع المناجم في الجزائر، تشمل إلى جانب الفوسفات مشروعات الحديد والزنك والرصاص، بما يعكس توجه الدولة إلى جعل قطاع التعدين أحد المحاور الجديدة للنمو وتنويع مصادر الإيرادات.
قانون المناجم الجديد وجذب الاستثمار
وأوضح أن تطوير قطاع التعدين حصل على دفعة إضافية عقب إقرار قانون جديد خلال عام 2025 لتشجيع الاستثمار في قطاع المناجم، يسمح للمستثمرين الأجانب بتملك ما يصل إلى 80% من المشروعات التعدينية التي يقومون باكتشافها.
وأشار إلى أن هذه الخطوة تستهدف جذب رؤوس الأموال والخبرات والتكنولوجيا الأجنبية، لافتًا إلى أن تطوير المناجم يحتاج إلى استثمارات كبيرة في البحث والاستكشاف والاستخراج، إلى جانب البنية التحتية والنقل والتصنيع.
قد يهمّك أيضًا: دليل شامل للقروض في الجزائر.. كل ما تحتاج معرفته
