خلال هذا الصيف، يستخدم التجار الأوروبيون جزءاً صغيراً فقط من مخازن الغاز في أوكرانيا، وذلك في ظل الهجمات الروسية التي زادت من المخاطر، مما حرم البلاد المتضررة من الحرب، من الإيرادات النادرة.
تُعتبر أوكرانيا صاحبة أكبر منشآت تخزين تحت الأرض في أوروبا، ووفرت العام الماضي لشركات الاتحاد الأوروبي مساحة قيمة لتخزين فائض الغاز استعداداً لفصل الشتاء.
انخفاض كميات تخزين الغاز في أوكرانيا
لكن بعد الهجوم الروسي، الذي استهدف البنية التحتية للطاقة في أوكرانيا – بما في ذلك منشآت ضخ الغاز للتخزين – انخفضت كميات الغاز المخزنة في يونيو ويوليو 2024 إلى عُشر الكميات المخزنة خلال نفس الفترة من العام الماضي 2023، وبالطبع فإن الهجمات الروسية المستمرة على منشآت التخزين الأوكرانية تزيد من خطر تخزين الغاز.
يمكن أن تحتوي منشآت تخزين الغاز في الاتحاد الأوروبي على نحو 100 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي فقط، مقارنةً بالطلب السنوي في الاتحاد الذي يتراوح بين 350 و500 مليار متر مكعب، بناءً على الطقس وظروف أخرى.
قدمت أوكرانيا العام الماضي، نحو 10 مليارات متر مكعب من سعة التخزين الإضافية، واحتفظت الشركات الأوروبية بأكثر من 2 مليار متر مكعب قبل أشهر الشتاء، حيث قدمت البلاد حوافز مثل التعريفات المخفضة للتخزين. لكن هذا العام، كان هناك القليل، حتى مع امتلاء منشآت التخزين في الاتحاد الأوروبي بنسبة 86%، وهو أعلى مستوى لها هذا العام، وفقًا لمؤسسة الغاز الأوروبية (Gas Infrastructure Europe).
أرسلت الشركات الأوروبية 15.4 مليون متر مكعب و51.9 مليون متر مكعب في يونيو ويوليو على التوالي، مقارنةً بنحو 102.7 مليون متر مكعب و586.6 مليون متر مكعب في تلك الأشهر من العام الماضي.
في حين أن خزانات الغاز الفعلية تقع تحت الأرض بعمق، مما يحافظ على سلامتها من الضربات، فإن الأضرار التي تلحق بالمنشآت فوق الأرض المستخدمة لضخ الغاز إلى داخل وخارج التخزين تشكل مخاطرة حقيقية تقلق التجار. هنا يتضح، أن المشكلة الرئيسية ليست في فقدان الغاز، بل في عدم القدرة على سحبه عندما يكون مطلوباً وضرورياً.
اقرأ أيضًا: ما تداعيات استهداف حزب الله لحقول الغاز الإسرائيلية؟
تخزين الغاز في أوكرانيا غير مجد اقتصاديا
يقول مستشار التحرير في منصة الطاقة، الدكتور أنس الحجي، إن التخزين في أوكرانيا غير منطقي وغير مجد اقتصاديا، بناء على الأسعار الحالية والمخاطر المحيطة. وأضاف في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia” أن من أبرز المخاطر المحيطة، هو التهديد الروسي بتفجير المنطقة، خاصة إذا قررت أوكرانيا عدم تجديد العقد مع روسيا لتمرير الغاز عبر الأنابيب إلى أوروبا.
تسعى أوكرانيا إلى أن يواصل التجار الأوروبيون استخدام بنيتها التحتية للغاز جزئياً، لأنها تجلب إيرادات قيمة لاقتصادها المتضرر من الحرب. مع ذلك، إذا لم يتم تقديم حافز إضافي لتخزين الغاز في أوكرانيا، فمن الصعب رؤية كيف سيعود التجار الأوروبيون للغاز الأوكراني.
محادثات غير ناجحة مع البنوك لتأمين المخاطر
أجرى الاتحاد الأوروبي العام الماضي محادثات مع البنوك بشأن توفير التأمين لتغطية المخاطر، لكن هذه المحادثات توقفت منذ ذلك الحين. وقال مسؤول رفيع المستوى في الاتحاد الأوروبي إن “الهجمات المتزايدة جعلت مثل هذه الاعتبارات صعبة”.
“يمكن لأوكرانيا أن تحقق نحو 200 مليون يورو من التجار الأوروبيين لتخزين الغاز، لكن الضمان المقابل سيحتاج إلى أن يصل إلى مليار يورو”، وفقًا للمسؤول.
عائد غير مجدي لتخزين الغاز في أوكرانيا
يقول رئيس أبحاث السوق في شركة “OW Markets” عاصم منصور، إن تراجع استخدام التجار الأوروبيين لمخازن الغاز الأوكرانية، يعد انعكاساً واضحاً للتحديات الاقتصادية والجيوسياسية التي تواجهها أوكرانيا مع استمرار التصعيد من جميع الأطراف، مما يعكس بوضوح المخاطر المتزايدة التي يعاني منها التجار، عند التعامل مع البنية التحتية للطاقة، في المناطق المتنازع عليها.
وأضاف في تصريحات خاصة لـ “Econ-Pedia” أنه مع انخفاض الفروقات السعرية، التي كانت تشجع على تخزين الغاز في أوكرانيا خلال العام الماضي، أصبح العائد غير مجدٍ لتعويض المخاطر المحتملة.
“هذا الوضع يبرز التحديات الكبيرة التي تواجه أوكرانيا في تأمين إيرادات مالية ضرورية من خلال استغلال بنيتها التحتية لتخزين الغاز، في وقت تشتد فيه الحاجة إلى دعم اقتصادي من الدول الأوروبية والدعم الأميركي، حيث تتقلص خياراتها الاقتصادية نتيجة لتصاعد وتيرة الهجمات الروسية على منشآتها الاستراتيجية خلال الفترة الأخيرة”.. بحسب عاصم.
اقرأ أيضًا: الأصول الروسية المجمدة.. سلاح ذو حدين في إعادة إعمار أوكرانيا
عوائد ومخاطر تخزين الغاز في أوكرانيا
أوضح رئيس أبحاث السوق في شركة “OW Markets” أنه من المنظور الأوروبي، يبدو أن تداعيات هذه التطورات تتجاوز مجرد القلق بشأن استقرار إمدادات الغاز، لتصل إلى ضرورة إعادة تقييم التوازن بين المخاطر والعوائد الاقتصادية في بيئة غير مستقرة.
“هذه العوامل تجعل من الصعب تبرير الاستمرار في تخزين الغاز في أوكرانيا دون توفير حوافز قوية وضمانات كافية لتقليل المخاطر”.. قال منصور.
أضاف: “لهذا أرى أنه قد يكون من الضروري التفكير في سياسات جديدة لتقديم دعم مالي مباشر لأوكرانيا، بحيث لا يقتصر على العائدات من خدمات تخزين الغاز، ولكن أيضاً يشمل مساعدات مالية مباشرة تسهم في دعم الاقتصاد الأوكراني في هذا الوقت الحرج”.
تتسارع عملية بناء الغاز في مخازن أوكرانيا خلال أشهر الصيف، عندما تكون أسعار الغاز رخيصة مقارنة بالفصول الأخرى، ثم يقوم التجار ببيعه عند ارتفاع الأسعار لتحقيق الربح، عادةً في أشهر الشتاء عندما يرتفع الطلب على التدفئة.
في العام الماضي، كانت الفروقات السعرية تتجاوز غالباً 20 يورو لكل ميغاوات/ ساعة في الصيف، ولكن هذا العام كانت نحو 5 يورو/ ميغاوات ساعة فقط.
